- زاد إيران - المحرر
- 517 Views
من جديد، يجد النفط الإيراني نفسه في قلب صراع دولي محتدم، بين العقوبات الأمريكية المتجددة وتهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز إذا حرم نفطها من الأسواق، فبين سياسة التصفير التي تعلنها واشنطن، ودعم الصين المتزايد لطهران، وعقود الاستثمار الجديدة التي تحاول إنقاذ الصناعة من الاختناق، يبدو المشهد النفطي الإيراني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
اليوم تسعى إيران للحفاظ على صادراتها، ولو عبر طرق سرية وخصومات مغرية، بينما تراهن على أن العالم، مهما اشتد الضغط، لا يستطيع الاستغناء عن نفطها. ومع عودة العقوبات الأممية عبر آلية الزناد، واحتدام التنافس الدولي في أسواق الطاقة، يبرز سؤال واحد يختصر الأزمة: هل يستطيع النفط الإيراني النجاة من الحصار والمواجهة؟
عودة الضغط الأقصى.. العقوبات الأمريكية تضرب من جديد
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة عادت إلى تفعيل أدواتها القديمة بوجه إيران، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الخميس 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عن فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) حزمة جديدة من العقوبات شملت أكثر من خمسين كياناً وشخصاً وسفينة، بتهمة المشاركة في تسهيل بيع النفط والغاز الإيرانيين، حيث ذكرت في بيانها: “تمكن المتعاملون بشكل جماعي من تصدير مليارات الدولارات من النفط ومنتجاته، مما وفر عائدات حيوية للحكومة الإيرانية ودعمها للجماعات الإرهابية التي تهدد الولايات المتحدة”.

وتابع البيان أن هذه الخطوة “استهدفت شبكة تنقل مئات الملايين من الدولارات من الغاز المسال الإيراني، إضافة إلى أكثر من 20 سفينة تابعة لأسطول سري، ومحطة نفط خام في الصين، ومصفاة مستقلة صغيرة تعرف باسم تي بوت، تعد أساسية لقدرة إيران على تصدير النفط ومشتقاته”. جدير بالذكر أن هذه هي الموجة الرابعة من العقوبات التي تستهدف مصافي النفط الصينية التي تواصل شراء النفط الإيراني.
وقد استهدفت العقوبات الجديدة ما وصفته واشنطن بالعناصر الأساسية في آلة تصدير الطاقة الإيرانية، مؤكدة أنها تشمل أكثر من عشرين ناقلة ضمن ما سمّته أسطول الظل الإيراني الذي تتهمه الولايات المتحدة بتهريب النفط عبر أعلام أجنبية وعبر نقل السفن في عرض البحر، كما امتدت الإجراءات لتطال شركات صينية وإماراتية وتركية يعتقد أنها تشارك في تسويق الخام الإيراني أو توفير خدمات لوجستية للسفن المشمولة بالعقوبات.

هذا وقد أعادت هذه الخطوة إلى الأذهان سياسة الضغط الأقصى التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال فترته الأولى، حين هدفت واشنطن إلى حرمان إيران من أي منفذ لبيع نفطها الخام أو منتجاتها البتروكيميائية، على أن الأمر هذه مختلف، فقد جاءت هذه العقوبات تحت بغطاء أممي، بعد أن فعلت دول الترويكا، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، آلية الزناد، لتعيد رسمياً العقوبات التي كانت قد ألغيت بموجب اتفاق عام 2015 النووي.
الصين تدخل على الخط… حماية مصالح الطاقة
في المقابل، لم تتأخر الصين في الرد، إذ سارعت وزارة خارجيتها إلى إعلان رفضها القاطع لما وصفته بالهيمنة الاقتصادية الأمريكية، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات لحماية شركاتها ومواطنيها من أي ضرر ناجم عن هذه العقوبات.

هذا وتعد الصين اليوم أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تشير التقديرات إلى أنها تستورد ما يزيد على مليون ونصف المليون برميل يومياً، معظمها عبر صفقات غير معلنة وعقود طويلة الأمد تتضمن خصومات كبيرة تتراوح بين سبعة إلى ثمانية دولارات عن السعر العالمي، هذا الارتباط الاقتصادي الوثيق بين بكين وطهران لا يقوم فقط على تبادل تجاري بسيط، بل على بنية استراتيجية متكاملة جسدها اتفاق التعاون الشامل الموقع بين البلدين لمدة خمسة وعشرين عاماً، والذي يهدف إلى تأمين احتياجات الصين من الطاقة قابل استثمارات ضخمة في البنية التحتية الإيرانية.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية الأخطر
في ظل هذه الضغوط، استعادت طهران خطابها التقليدي القائم على معادلة الأمن مقابل الأمن، فجاءت تصريحات قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، اللواء علي رضا تنكسيـري، لتعيد النقاش إلى ساحة مضيق هرمز، حيث قال القائد الإيراني، خلال حديث الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025: ” إن قرار فتح أو إغلاق المضيق بيد كبار المسؤولين في الدولة، وإيران لن تبقى مكتوفة الأيدي إذا حرمت من تصدير نفطها”، مضيفاً أن “إيران ستدافع عن مصالحها في الخليج حتى آخر نفس”.

ورغم أن هذه التصريحات ليست جديدة بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، والوضع الإقليمي المعقد الذي يدفع طهران إلى إعادة حساباتها بين الحين والآخر، فإنها تكتسب هذه المرة دلالات خاصة وتوقيتاً حساساً، فالمضيق الذي تمر عبره نحو 30% من تجارة النفط العالمية ما زال يمثل الورقة الأهم في يد إيران كلما اشتدت الأزمات، وفي كل مرة تلوح فيها طهران بإغلاقه، تتأهب الأسواق العالمية، وترتفع أسعار النفط، وتعيد شركات التأمين البحري تقييم مخاطر الملاحة في الخليج.
ومع إدراك إيران أن إغلاق المضيق بالكامل سيعني مواجهة عسكرية مفتوحة مع الأسطول الأمريكي المنتشر في المنطقة، فإنها تستخدم هذا التهديد كأداة ضغط سياسية محسوبة، ورسالة واضحة للغرب بأنّ أي محاولة لخنقها اقتصاديًا ستقابل بثمن استراتيجي باهظ لا يقتصر على حدودها وحدها، بل يمتد أثره إلى استقرار الطاقة العالمي بأسره.
أساليب البقاء.. من الأسطول الخفي إلى عقود الـ IPC
أمام هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى قدرة إيران على إيجاد بدائل عملية تمكنها من استمرار تصدير النفط رغم العقوبات، فيشير خبراء الطاقة إلى أن طهران طورت خلال السنوات الماضية منظومة معقدة من الأساليب الالتفافية تجعل من الصعب للغاية حظر صادراتها بالكامل.

فالأسطول الخفي من الناقلات الذي تملكه إيران يعمل في نطاق واسع خارج أنظار الأقمار الاصطناعية، حيث تعطّل أجهزة التتبع، وتنقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر قبل وصولها إلى الموانئ الآسيوية، هذه العمليات تنفذ غالباً في مناطق مثل بحر العرب والمحيط الهندي وخليج عدن، بعيداً عن الممرات الخاضعة للمراقبة الأمريكية المباشرة.
بفضل هذه الأساليب، حافظت إيران في الأشهر الأخيرة على معدل تصدير تراوح بين مليون ونصف ومليوني برميل يومياً، رغم العقوبات الأمريكية والأممية معاً، كما لجأت إلى سياسة الخصومات الكبيرة التي تجعل نفطها جذاباً للمشترين الباحثين عن أسعار أقل في ظل التوترات العالمية وارتفاع أسعار الطاقة.
هذا ولم تقتصر استراتيجيات إيران على الجانب التقني فحسب، بل امتدت إلى البنية القانونية والاقتصادية من خلال تفعيل عقود النفط من نوع IPC (Integrated Petroleum Contracts)، وهي الصيغة التعاقدية التي أدخلت بعد الاتفاق النووي عام 2015 بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية لتطوير الحقول، خصوصاً المشتركة منها مع العراق وقطر.

هذه العقود، والتي تحدث عنها مهدی أسكروجي، أستاذ هندسة النفط في جامعة شيراز، تعد إحدى أهم أدوات الإنقاذ المحتملة للقطاع النفطي الإيراني في مواجهة العقوبات، فوفقاً لقوله فتلك العقود تسمح بمشاركة المستثمرين الأجانب في مراحل التطوير والإنتاج مقابل تقاسم الأرباح بطريقة أكثر مرونة من العقود القديمة المعروفة بالبيع المتقابل.

وبحسب الخبير الإيراني، فإن تطوير الحقول المشتركة من دون تدفق رؤوس أموال جديدة أمر غير ممكن، إذ تحتاج إيران إلى ما لا يقل عن عشرين منصة حفر بحرية وخمسين منصة برية جديدة لتلبية متطلبات الإنتاج. لكن البيروقراطية الثقيلة داخل وزارة النفط والسياسات الإدارية المعقدة تبطئ هذا المسار.
ويضيف أسكروجي أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يوفر فقط التمويل والتكنولوجيا، بل يشكل أيضاً درعاً اقتصادياً ضد العقوبات، لأن المستثمر الخارجي يصبح شريكاً مضطراً للدفاع عن مصالحه الاقتصادية داخل إيران، ما يعقد مهمة عزلها مالياً، ومن هنا فإن تفعيل عقود الـ IPC بصورة شفافة وواقعية قد يشكل أحد مفاتيح النجاة القليلة المتبقية أمام الصناعة النفطية الإيرانية.
ورغم هذه المنافذ، فإن التحديات أمام النفط الإيراني ما زالت ضخمة، فالعقوبات الأممية التي عادت بفعل آلية الزناد تستهدف القطاعات المالية والتأمين والنقل البحري، وهي الركائز الأساسية لأي عملية تصدير، وبحسب تقرير مركز ستيمسون الأمريكي، فإن هذه العقوبات لا تحظر بيع النفط الإيراني بشكل مباشر لكنها تزيد تكاليف النقل والتأمين وتقلص قدرة طهران على استخدام النظام المالي الدولي، ما يجعل كل صفقة نفطية مغامرة عالية الكلفة.
ومع ذلك، تشير بيانات أغسطس/آب للعام 2025 إلى أن إنتاج إيران بلغ 3.15 ملايين برميل يومياً، وهو الأعلى منذ عام 2018، فيما تراوحت الصادرات بين 1.8 ومليوني برميل يومياً، ما يعكس مرونة غير متوقعة في اقتصاد يفترض أنه محاصر، ويعزو الخبراء هذا الصمود إلى ثلاثة عناصر أساسية؛ استمرار الطلب الآسيوي على الخام الإيراني، تنوع الأساليب الالتفافية التي طورتها طهران في الشحن والدفع، وقدرة الحكومة على امتصاص الصدمات المالية عبر نظام دعم داخلي قائم على بيع النفط بعملات محلية أو عبر المقايضة بالسلع والخدمات.
تاريخ طويل من العقوبات النفطية الأمريكية على إيران
لا يمكن فهم مرونة طهران الحالية من دون العودة إلى تاريخ طويل من المواجهة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، فمنذ قيام الثورة عام 1979 بدأت واشنطن بفرض عقوبات متتالية على إيران شملت تجميد أصولها المالية وحظر التعامل مع قطاعها النفطي.
ففي الثمانينيات، تصاعدت المواجهة إلى ما عرف بحرب الناقلات في الخليج خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين استهدفت القوات الأمريكية والإيرانية ناقلات النفط في مضيق هرمز، مما أحدث اضطراباً واسعاً في الأسواق.

وفي التسعينيات أقر الكونغرس الأمريكي قانون داماتو الذي منع الشركات الأجنبية من الاستثمار في قطاعي النفط والغاز الإيراني، قبل أن تتوسع العقوبات في عهد الرئيس أوباما لتشمل البنك المركزي والنقل البحري والتأمين، فهبطت صادرات إيران من 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون.
على أن توقيع الاتفاق النووي عام 2015 شكَّل استراحة قصيرة رفعت فيها القيود وعاد النفط الإيراني إلى الأسواق، لكن انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق عام 2018 أعاد المشهد إلى نقطة الصفر، لتبدأ حملة الضغط الأقصى التي تهدف إلى تصفير الصادرات. ومع ذلك، لم تنجح واشنطن في تحقيق هذا الهدف، إذ ظلت شحنات النفط الإيراني تتدفق خفية نحو الصين وماليزيا والهند، مستفيدة من الثغرات القانونية والبحرية ومن دعم شركاء اقتصاديين لا يرون في العقوبات الأمريكية التزاما دوليًا.
نفط لا يصفر ولا يزدهر
اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على أول عقوبة، أصبح النفط بالنسبة لإيران أكثر من مجرد سلعة اقتصادية، إنه سلاح سياسي ووسيلة للبقاء، فطهران التي تواجه ضغوطاً مالية خانقة وتضخماً يتجاوز الأربعين في المئة، تدرك أن استمرار تصدير النفط، ولو بكميات محدودة وبأسعار مخفضة، هو الضمانة الوحيدة لاستقرارها الداخلي، لذلك، فإنها تبذل أقصى جهد للحفاظ على ما تسميه الحد الأدنى من الشريان المالي، مستعينة بخصومات كبيرة، واتفاقيات طويلة الأمد، وأسواق بديلة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
وحتى في ظل التهديدات العسكرية المحتملة حول مضيق هرمز، تفضل طهران إبقاء المعركة في حدود التصعيد السياسي والاقتصادي، دون تجاوز الخط الأحمر للمواجهة العسكرية المباشرة التي قد تكون نتائجها كارثية للجميع، ومن الواضح أن النفط الإيراني، حسب خبراء، لن يصفر كما تتمنى واشنطن، لكنه أيضا لن ينعم بازدهار قريب، فالتوازن الدقيق بين العقوبات والالتفاف، وبين التهديد والردع، سيُبقي المشهد النفطي الإيراني في حالة توتر مزمن.
ومع أن العالم قد يضطر إلى التعايش مع هذا الواقع لسنوات مقبلة، فإن نجاح طهران في النجاة من هذه الأزمة سيعتمد في النهاية على قدرتها على استعادة الثقة بالاستثمار، وتحديث بنيتها الإنتاجية، وإحياء ما يسميه الخبراء داخلها بشجاعة الإصلاح النفطي، أي الجرأة على اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة بعيدا عن البيروقراطية والجمود. فإيران، كما يقول أحد خبرائها، ليست ضحية الحصار فحسب، بل ضحية الخوف من كسر القيود.


