“كيهان الأصولية” لـ محمد جواد ظريف: لا تعبث بالأمن القومي

ترجمة: الترجمان

نشرت صحيفة “كيهان“، لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، في افتتاحيتها السبت 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقالاً شديد اللهجة، تناولت فيه تصريحات وزير الخارجية الأسبق، محمد جواد ظريف، حول ما سمّاه “أولوية الشعب على الصواريخ”، معتبرة أن تلك التصريحات تمثل تكراراً لخطاب غربيّ فاشل، يهدف إلى نزع عناصر القوة من إيران، وإضعاف جبهتها الداخلية.

استهلت الصحيفة المقال بالإشارة إلى ما صرّح به وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، مؤخرا؛ إذ قال إنه لم يُسمح لي بإجراء مفاوضات غير نووية، لكن اليوم لم يعد من الممكن حلّ المشكلة النووية عبر الملف النووي وحده، فالصواريخ مهمة، لكن الشعب أهمّ، فهو من حافظ على إيران عبر القرون الماضية.

وأضافت أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي حققتموه يا سيد ظريف من تلك “المفاوضات النووية” التي كان يُسمح لكم بها؟ أنتم تعلمون قبل غيركم أن نتائجها كانت تقريباً لا شيء، بل ليتها توقفت عند ذلك، فالمفاوضات التي قدمتموها لم تحقق مكاسب لإيران، بل خلّفت خسائر جسيمة؛ إذ أدّت إلى تضاعف العقوبات، وإلى إغلاق قلب المفاعل النووي الإيراني بصبّ الخرسانة فيه، وهو المشروع الذي كان ثمرة جهد وجهاد علمائنا على مدى سنوات طويلة.

وتابعت الصحيفة أنه من المؤسف في تصريحات ظريف الأخيرة أنها تضع ركنين أساسيين من أركان الدولة (الأمن القومي والرفاه العام) في مواجهة بعضهما البعض، فهذا الطرح ينطوي على رسالة خطيرة توحي بأن القدرة الدفاعية الإيرانية تُعارض مصالح الشعب، وهو ما يمثل خلطا جوهريا بين ما يحمي الوطن وما يضمن استقراره.

وأردفت أن هذا الموقف يأتي في وقت بالغ الحساسية، بعد الـ12 يوما، وما صاحبها من تهديدات مباشرة من الأعداء، حيث تجلت أكثر من أي وقت مضى أهمية القوة الصاروخية الإيرانية في الدفاع عن أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

وأوضحت أنه لو كانت طهران وأصفهان ومشهد والأهواز وسنندج وتبريز وخرم ‌آباد وزاهدان وسائر مدن البلاد تنعم اليوم بالأمن والاستقرار، فذلك بفضل القدرة الردعية للصواريخ الإيرانية التي تمنع كل معتدٍ من التفكير بالهجوم. واليوم، وبعد تجربة الحرب الأخيرة، يؤكد الإيرانيون جميعا أن القدرة الدفاعية هي الضمانة الحقيقية لحماية حياتهم وأمنهم وكرامتهم الوطنية.

Image

ذكرت الصحيفة أنه على خلاف ما يتصوّره التيار غربيّ النزعة، الصواريخ ليست أداة للحرب، بل لغة سلام تنبع من موقع القوة، وكما قال الدبلوماسي الأمريكي الشهير جورج كينان إن القوة العسكرية هي التي تعزّز فاعلية الدبلوماسية من وراء الستار.

وأضافت أن الدول التي جلست إلى طاولة المفاوضات من دون امتلاكها قدرة دفاعية حقيقية، لم تكن شريكة في الدبلوماسية، بل ضحايا لها، وأبرز مثال على ذلك ليبيا، التي ما إن تخلّت عن سلاحها حتى تحوّلت إلى فريسة سهلةٍ للعدوان.

وأوضحت أن الحديث عن ثنائية الصواريخ أم الشعب ليس إلا إعادة إنتاج للخطاب الغربي نفسه، الهادف إلى نزع عناصر القوة من إيران، والواقع أنّ الأعداء الخارجيين فشلوا في تحقيق هذا الهدف، غير أنّ بعض الأصوات في الداخل -عن وعي أو عن غير وعي- تواصل اليوم تنفيذ المشروع ذاته.

وتابعت أن قول السيد ظريف إنّ “الشعب أهمّ”، فهو في ظاهره قولٌ صحيح،
لكنّه يكتسب معنى مغايرًا تمامًا عندما يصدر ممن كانت قراراته السبب في تحميل هذا الشعب أعباءً غير مسبوقة، ففي فترة حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، التي بشّرت بالاتفاق النووي، عانى الإيرانيون من غلاء فاحش وتضييق اقتصادي خانق بسبب النتائج الكارثية للاتفاق النووي وسوء إدارة بعض المسؤولين.

وأوضحت أنه في تلك المرحلة تضاعفت العقوبات، وتعرّض البرنامج النووي لقيودٍ صارمة، رغم أنّ الوعود كانت تقول: “سندير عجلة أجهزة الطرد المركزي وعجلة حياة الناس معا”.

وبينت أنه الآن، نرى التيار السياسي نفسه، الذي أوصل البلاد إلى هذه الحال،
يعود في ثوب المدافع عن الشعب، محاولا وضع الأمن في مواجهة الرفاه، لكن هذا الخطاب ليس سوى محاولة لإحياء نهجٍ فشلَ من قبل، نهجٍ ظنّ أن الأمن والازدهار يمكن شراؤهما بتقديم التنازلات للأعداء، بينما أثبت تاريخ الثورة الإسلامية مرارًا أن المقاومة وحدها هي التي تولّد التقدم.

Image

ذكرت الصحيفة أن هناك جانباً آخر لا يقل خطورة في تصريحات السيد ظريف وهو النفخ في نار الانقسام الداخلي، فالإمام الخميني قال عام 1983 خلال لقائه أعضاء جمعية رجال الدين المناضلين في طهران: “إياكم أن تغفلوا عن الشياطين… إن ما يسعون إليه اليوم هو إثارة الفرقة – في ظنّهم – بين أبناء الشعب… لا وجود في إيران لخطّ سوى خطّ الإسلام، وكلنا في مسارٍ واحد”، ثم أضاف، مستشهدا بتجربة الثورة الدستورية: “تدخلت الأيادي الخفية فقسمت الشعب إلى فئتين…
حتى انتهى الأمر إلى إعدام المرحوم الشيخ فضل الله النوري وسط تصفيق الناس”.

وفي السياق نفسه، حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي عام 2016 خلال لقائه بأهالي نجف آباد من مخاطر الانقسام قائلا: “في إيران الإسلامية لا يوجد سوى ثنائية واحدة؛ ثنائية الثورة والاستكبار”. 

Image

ذكرت الصحيفة أن محمد جواد ظريف يقدم في أوساط التيار الميال إلى الغرب، وفي صفوف الجناح المتشدد الذي يدّعي الإصلاح، بوصفه “بطل الدبلوماسية”، غير أن الواقع يرسم صورة مختلفة تماما، فالرجل الذي كان المسؤول الأول عن مفاوضات الاتفاق النووي (برجام) انتهى إلى توقيع اتفاق لم يسفر عن رفع العقوبات كما وُعِد، بل أدى إلى زيادتها وارتفاع غير مسبوق في سعر الدولار.

وأضافت أن ملايين الإيرانيين دفعوا ثمن ذلك القرار من جيوبهم عبر التضخم والركود وانهيار قيمة العملة الوطنية، ومع ذلك، لم يتحمّل ظريف قطّ مسؤولية تلك الأخطاء، بل ظهر اليوم في موقع الناقد بدل أن يكون موضع المساءلة.

وأشارت إلى أن المثير – بل المؤسف – أنه ادّعى في مقابلة بعد أعوام أن بعض بنود الاتفاق أُضيفت من قبل شخص يُدعى “فرانشسكو” من دون علمه! فهل يُعقل أن يجهل وزير خارجية دولة تفاصيل اتفاق بهذا الحجم والأهمية؟ إن مثل هذا التبرير لا يُخفّف من مسؤوليته، بل يكشف عن مدى التهاون والسطحية التي شابت واحدًا من أهم الملفات في تاريخ إيران المعاصر.

وتابعت أن تناقضات السيد ظريف لا تتوقف عند هذا الحد؛ ففي أغسطس/آب 2015، بعد أسابيع من توقيع الاتفاق النووي، صرّح بثقة قائلا: “الولايات المتحدة لا تستطيع الانسحاب من الاتفاق”، لكن بعد ثلاث سنوات فقط، انسحب الرئيس الأمريكي منه بتوقيع واحد ودون أن يدفع أي ثمن.

وأوضحت أنه وفي الفترة نفسها، قال ظريف إن كلمة “تعليق” لم ترد في نص الاتفاق، وإن جميع العقوبات رُفعت، لكن نواب البرلمان عرضوا عليه النص نفسه وأثبتوا العكس، فما كان منه إلا أن قال بدهشة: “آه! لم أنتبه لهذه الفقرات!”.

وذكرت أنه للأسف، دأب السيد ظريف خلال السنوات الماضية على طرح ثنائيات زائفة وإثارة قضايا مكلفة شوّهت الواقع السياسي للبلاد، من الثنائية المضلِّلة الشهيرة بين “الميدان والدبلوماسية” في ذروة الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم “داعش”، إلى سلوكه المثير للجدل أثناء زيارة بشار الأسد إلى طهران، حين لوّح بالاستقالة وتسبّب في تحويل الزيارة إلى أزمة أتاحت للأعداء فرصة الاستغلال.
وأضافت أن جميع هذه الوقائع تُظهر ميله إلى افتعال التوتر في اللحظات الحساسة، واليوم، يُعاد إنتاج المنهج ذاته بثوب جديد تحت شعار “الصواريخ أم الشعب”، في حين يُدرك أغلب الإيرانيين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية، أن الأمن والشعب لا ينفصلان، بل هما وجهان لعملة واحدة.

وأوضحت أن الشعب الإيراني العزيز هو الركيزة الأساسية للنظام، والأمن هو الحصن الحامي لهذا الشعب، فلا يملك أحد، مهما رفع شعارات محبّة الناس، الحق في إضعاف أدوات الدفاع عنهم. فلو لم تكن صواريخ إيران موجودة، لكانت بلادنا قد تعرّضت مرارا وتكرارا لغزو الأعداء. وفي المقابل، لولا الشعب، فهل كانت تلك الصواريخ لتملك معنى أو إرادة في الدفاع؟ من هنا، فالعلاقة بين الشعب والأمن ليست علاقة تضاد، بل علاقة تكامل متبادل.

وبينت أن التجربة الممتدة على مدى سبعة وأربعين عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية أثبتت أنّه كلّما اجتمع التلاحم الوطني مع القدرة الدفاعية، تجاوزت البلاد أقسى الأزمات، بينما في كلّ مرة سعت فيها التيارات الميّالة إلى الغرب إلى خلق ثنائيات زائفة مثل “النووي والمعيشة” أو “الصواريخ والشعب”، شقّت صفّ المجتمع وفتحت ثغرات نفذ منها الأعداء.

Image

ذكرت “كيهان” أن السيد ظريف، بخبرته الطويلة وتاريخه السياسي، كان الأجدر بأن يدرك قبل غيره أنّ الأمن القومي لا يجوز أن يُضحّى به من أجل استعراضات إعلامية، واليوم أكثر من أي وقت مضى، يتجلّى الارتباط بين الشعب والأمن، وهو ارتباط لا يمكن أن تُضعفه الضغوط ولا العقوبات ولا حملات الدعاية المعادية.

وأضافت أنه ما زال الرأي العام يذكر أنّ تيارا سياسيا داخل إيران ظلّ يردّد على مدى أعوام مقولة: “عالم الغد هو عالم الحوار لا الصواريخ”. ولكن تخيّلوا لو أنّ الدولة في إيران تبنّت هذا الفكر فعلا وأوقفت برامجها الدفاعية والعسكرية، فكيف كان سيكون حالنا اليوم؟

وأشارت إلى أن  الحرب المفروضة الأخيرة أكّدت أكثر من أي وقت مضى أهمية تطوير الصناعات الدفاعية ومواصلة البحث العلمي في هذا المجال، ولهذا قيل منذ القدم: “إذا أردت السلام فاستعدّ للحرب”. هذا المبدأ تكرّر عبر التاريخ في ثقافات شتّى، وأصبح قاعدة أساسية في العلاقات الدولية وصنع السياسات الدفاعية والعسكرية للدول.

واختتمت بما قاله المرشد الأعلى علي خامنئي إنّ في إيران ثنائية حقيقية واحدة لا غير: “الثورة والاستكبار”. والشعب الذي أثبت طوال ما يقرب من نصف قرن التزامه بهذه الحقيقة في الميدان، لن يسمح أبدا للثنائيات المزيّفة أن تمسّ وحدته وتماسكه الوطني.