الفرق بين “أن تُناور” و”أن تستعرض”.. في الترجمة طبعاً!

كتب: الترجمان

الترجمة العسكرية من أدقّ مجالات الترجمة وأكثرها حساسية، فأي خطأ بسيط في نقل المصطلحات قد يؤدي إلى سوء فهم كبير في التقارير أو البيانات الرسمية، خصوصا عندما يُترجم المترجم الكلمة حرفيا دون مراعاة السياق العسكري المتخصص، وهذا بالضبط ما حدث معي ذات صباح في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”.

كنت أراجع الأخبار اليومية، وكان أحد الزملاء قد ترجم تقريرا نشرته وكالة إيرانية حول تدريبات الحرس الثوري في مضيق هرمز، وكان العنوان الفارسي يقول:

“رزمایش بزرگ نیروهای سپاه در تنگه هرمز برگزار شد”
وحين نظرت إلى الترجمة العربية، وجدت العنوان هكذا:
“إقامة عرض عسكري كبير لقوات الحرس الثوري في مضيق هرمز”

في البداية، لم ألاحظ شيئا غريبا، لكن مع قراءة التفاصيل، بدأ الشك يتسلل إليّ، فالنص يتحدث عن تدريبات ميدانية، وإطلاق صواريخ، ومحاكاة هجوم بحري… فكيف يكون هذا عرضا عسكريا؟!

عدت إلى الكلمة التي قلبت المعنى رأسا على عقب: رزمایش
الكلمة مألوفة، تُكتب بالعربية بسهولة، وتبدو كأنها “عرض عسكري” من حيث الإيقاع والهيبة، لكن معناها الحقيقي في اللغة العسكرية الإيرانية هو “مناورة عسكرية”، أي تدريب ميداني يحاكي العمليات الحربية الواقعية.

أما “عرض عسكري” بالفارسية فله كلمة مختلفة تماما وهي:  “رژه نظامى”.
الفرق بسيط في اللفظ، لكنه هائل في المعنى؛ فـ”رزمایش” تدور في الميدان، بينما “رژه” تدور في الشوارع، الأولى حرب افتراضية، والثانية استعراض للقوة أمام الكاميرات.

استدعيت زميلي المترجم وسألته بهدوء:
– لماذا ترجمت «رزمایش» إلى “عرض عسكري”؟
قال بثقة:
– لأنها كلمة مرتبطة بالجيش، والعروض العسكرية أمر مألوف في الأخبار.
قلت له مبتسما:
– صحيح، لكن لو قرأ مسؤول إيراني ترجمتك، لظن أنك لم تفرق بين التدريب على القتال وبين الاستعراض أمام الجمهور!

وتابعنا النقاش، فبدأت أشرح له كيف أن كثيرا من المصطلحات الفارسية العسكرية لا يمكن ترجمتها اعتمادا على الشبه اللغوي فقط.
مثلا:

قرارگاه لا تعني “مقرا” فقط، بل “قيادة عمليات”، وعملیات ایذایی لا تعني “عمليات إيذائية”، بل “عمليات تضليلية”، ورزمایش لا تُفهم إلا باعتبارها “مناورة تدريبية تحاكي الحرب”.

تخيل لو تُركت الترجمة كما هي، ونُشر الخبر بعنوان “عرض عسكري للحرس الثوري في مضيق هرمز! كان سيثير جدلا سياسيا غير ضروري، وربما تُفسَّر الرسالة على أنها استفزاز بدل أن تُفهم كـ”تدريب عادي”.

الترجمة عملية نقل ثقافة كاملة، والمترجم العسكري تحديدا لا يترجم جملا فحسب، إنما  يترجم مواقف سياسية قد تُفهم خطأ لو تغيّر مصطلح واحد.

ومنذ ذلك اليوم، صار عندي مبدأ بسيط:
قبل أن أعتمد ترجمة أحد الزملاء بها مصطلحات من قبيل: “عرض عسكري” أو “هجوم” أو “انسحاب”، أعود إلى الأصل الفارسي وأسأل نفسي:
هل هم يتحدثون عن حرب حقيقية؟ أم مجرد “رزمایش” أخرى؟

وهكذا، صارت “رزمایش” عندي أكثر من كلمة… صارت تذكرة دائمة بأن المترجم قد يُشعل أزمة سياسية دون أن يطلق رصاصة واحدة!

وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.