ترامب يعود إلى باغرام.. احتواء إيران عبر بوابة باكستان وأفغانستان

كتب: سيد نيما موسوي

ترجمة: الترجمان

خلال الشهر الماضي، تداولت وسائل الإعلام عدة تقارير تشير إلى الرغبة الجادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعادة نشر القوات الأمريكية في قاعدة باغرام الواقعة في ولاية بروان شمال العاصمة الأفغانية كابل.

غير أن حركة طالبان سارعت إلى نفي أي إمكانية لعودة القوات الأمريكية إلى هذه القاعدة، مؤكدة تمسكها بالاتفاقات الأمنية الموقعة سابقا.

نستعرض في هذا المقال أبعاد ودوافع مساعي ترامب لاستعادة الوجود الأمريكي في باغرام، وما تحمله هذه الخطوة المحتملة من رسائل استراتيجية تتعلق بإيران والمنطقة.

قاعدة باغرام.. بين الحرب الباردة وصراع النفوذ الإقليمي

شُيّدت قاعدة باغرام في خمسينيات القرن الماضي على يد الاتحاد السوفيتي، ثم أصبحت خلال ثمانينيات القرن العشرين، إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، تحت سيطرة القوات السوفيتية، وفي تسعينيات القرن نفسه، تبادلت السيطرة عليها حركة طالبان ثم قوات التحالف الشمالي.

وفي عام 2002، وبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان، أعادت القوات الأمريكية بناء القاعدة، لتصبح مركزا رئيسيا لعملياتها العسكرية، كما أنشأت داخلها سجن بروان لاحتجاز عناصر حركة طالبان.

ومع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، وجّه دونالد ترامب انتقادات حادة إلى الرئيس جو بايدن، معتبرا أن التخلي عن قاعدة باغرام كان خطأ استراتيجيا، لأنها – بحسب تعبيره – كانت تمثل ورقة ضغط مهمة على الصين وإيران.

وقد طُرحت آراء متعددة حول طريقة انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان عام 2021، إذ يرى بعض المحللين أن الانسحاب من باغرام جاء في إطار صفقة غير معلنة مع الصين، تهدف إلى إبقاء إيران على طاولة التفاوض مع الغرب، أو حتى تشجيع بكين على التحول من استخدام الفحم إلى الاعتماد على الليثيوم، الذي تمتلك أفغانستان احتياطيات ضخمة منه، وهو ما ينسجم مع سياسات بايدن البيئية الهادفة إلى مواجهة التغير المناخي.

Image

منطقة آسيا الوسطى.. بين صراع النفوذ الأمريكي–الصيني 

بعد انتهاء فترة الانفراجة القصيرة في العلاقات بين شي جين بينغ وجو بايدن، بدأت الولايات المتحدة منذ مطلع عام 2022، في إطار استراتيجيتها لاحتواء الصين، العمل على إثارة بؤر توتر أمني في البيئة الإقليمية المحيطة ببكين، وشملت هذه التحركات اتفاق “أوكوس” الأمني مع أستراليا، والاحتجاجات في كازاخستان، وأحداث “احتجاجات الحجاب” في إيران، والتظاهرات المتكررة في أوزبكستان وطاجيكستان، وزيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان، وأخيرا سقوط عمران خان في باكستان.

جميع هذه التطورات كانت — بحسب التحليل الإيراني — جزءا من خطة بايدن خلال عامي 2021 و2022 لاحتواء الصين.

وفي السياق نفسه، اعتُبر تشكيل “جبهة الحرية” في منطقة أندراب بأفغانستان، التي ضمّت ضباطا من الجيش التابع للنظام الجمهوري السابق، جزءا من خطة واشنطن لاحتواء طالبان، بوصفها إحدى القوى المتحالفة مع الصين في آسيا الوسطى.

ومع بداية عام 2023، طُرحت مبادرة أمريكية جديدة قادها دونالد لو، نائب وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، تمثلت في تحويل طاجيكستان إلى مركز إقليمي لاحتواء الصين وروسيا وإيران، وهو تحوّل كان من الطبيعي أن يترك تأثيرا مباشرا على أفغانستان.

وفي هذا الإطار، جاء تشكيل تنظيم “داعش خراسان” بالاعتماد على مقاتلين من أصول طاجيكية، ليكون جزءا من الخطة الأمريكية الكبرى خلال عامي 2023 و2024 لاحتواء باكستان وأفغانستان وإيران.

كما سعت الولايات المتحدة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إلى إيجاد موطئ قدم جديد في آسيا الوسطى بعد انسحابها من أفغانستان، وفي الوقت نفسه مواجهة توسع منظمة شنغهاي للتعاون التي تُعقد تحت مظلتها عشرات الاجتماعات المشتركة سنويا.
فقد كانت USAID أداة لتنفيذ السياسات الأمريكية في المنطقة، بينما تولى برنامج إيراسموس تنفيذ سياسات الاتحاد الأوروبي في آسيا الوسطى.

أما على مستوى الشخصيات السياسية، فقد تبنّى كلّ من دونالد لو وسامنثا باور وزلمي خليل زاد سياسة تهدف إلى تعزيز العلاقة مع طاجيكستان وتأسيس منصة إعلامية مؤثرة في آسيا الوسطى تعمل على توجيه الرأي العام المحلي بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية.

لكن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وقيام إيلون ماسك بدور في تقليص تمويل وكالة USAID وتقليص نشاطها، توقفت معظم الخطط الأمريكية في آسيا الوسطى، مما فتح المجال أمام الصين لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة خلال العام الماضي.

ورغم شعارات ترامب الانتخابية التي رددها مقربون منه مثل ألبريدج كولبي حول مواجهة النفوذ الصيني، إلا أن حلّ وكالة USAID جعل دول آسيا الوسطى تميل أكثر نحو الصين.

ومع ذلك، لا يبدو أن الولايات المتحدة تخطط لمواجهة مباشرة مع الصين عبر تصعيد ملف تايوان، إذ تركز في المرحلة الراهنة على ملفات أخرى تعتبرها أكثر إلحاحا، مثل إيران وأوكرانيا.

Image

استراتيجية ترامب الجديدة لاحتواء إيران عبر باكستان وأفغانستان

بعد مرور عام على بدء عمل إدارة ترامب الثانية، واندلاع حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وضع خطة خاصة لاحتواء إيران، ولا سيما على حدودها الشرقية.

ويعد التقارب مع باكستان وحركة طالبان جزءا من هذه الخطة، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إبعاد باكستان عن إيران من خلال تقديم حوافز مالية وفرص استثمارية مغرية، حتى وإن أدى ذلك إلى إزعاج الهند، أحد أقدم حلفاء واشنطن في آسيا.

وفي هذا الإطار، جاءت الزيارات المتكررة التي قام بها “عاصم منير” رئيس أركان الجيش الباكستاني إلى الولايات المتحدة، إلى جانب الزيارة المشتركة لكل من زلمي خليل زاد — أبرز مهندسي السياسة الأمريكية في أفغانستان خلال العقدين الماضيين — وآدم بولر، مبعوث ترامب لشؤون السجناء، إلى أفغانستان خلال الأسابيع الأخيرة، لتكشف عن ملامح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه أفغانستان وباكستان.

وترتكز الخطة الكبرى لترامب على تعزيز النفوذ الأمريكي في أفغانستان وباكستان لتشكيل حاجز استراتيجي أمام الصين وقطع قنوات تواصلها المتنامية مع إيران، كما يسعى ترامب من خلال العودة إلى قاعدة باغرام إلى جعل هذا التمركز العسكري نقطة ارتكاز لاحتواء الصين في المدى القريب.

Image

رهان أمريكي جديد على باكستان وطالبان لاحتواء إيران

عقب حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل، وما أعقبها من اصطفاف باكستان إلى جانب إيران خلال المواجهة، كثّفت الولايات المتحدة جهودها للتقارب مع باكستان، في خطوة يبدو أنها تهدف إلى احتواء الصين على المدى البعيد، مع إعطاء الأولوية الفورية لاحتواء إيران.

وفي الوقت نفسه، تستهدف واشنطن أيضا القطاع الأمني داخل حركة طالبان، الذي يتمتع بتنسيق وثيق مع إيران في مواجهة تنظيمات مثل “داعش خراسان”، في إطار محاولة جديدة لتقليص نفوذ طهران في أفغانستان.

إلا أن الكاتب يرى احتمالات نجاح هذه السياسة الأمريكية ضئيلة للغاية، وذلك لأسباب متعددة:

أولا، فقدت الولايات المتحدة وجودها الميداني في آسيا الوسطى بعد طرد معظم موظفي وكالة التنمية الأمريكية (USAID)، ما جعلها تفتقر إلى النفوذ اللوجستي والسياسي في المنطقة.

ثانيا، إن محاولة التقارب مع باكستان – التي ترتبط بعلاقة استراتيجية مع الصين منذ نحو عشرين عاما – لا تبدو سياسة واقعية أو قابلة للنجاح.

وثالثا، إن السعي للتقارب مع طالبان في وقت تتبنّى فيه الحركة خطابا قائما على مقاومة أي وجود أجنبي وتعتبر إخراج “المحتلين” أكبر إنجاز وطني لها، يجعل من هذه الخطط شبه مستحيلة التحقيق.
فقد أكد ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، قبل أيام، أن قاعدة باغرام ليست للصين ولا للولايات المتحدة، بل للقوات الأفغانية فقط.إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد الأمريكي، في ظل العجز المالي الكبير، لا يملك القدرة على منافسة الاستثمارات الصينية في باكستان وأفغانستان.
وفي النهاية، قد يؤدي هذا التوجه الأمريكي الجديد إلى إبعاد الهند عن واشنطن، وتعزيز علاقاتها مع الصين في إطار مجموعة “بريكس”، وهو ما يتناقض تماما مع الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها الولايات المتحدة في آسيا.