سوق السيارات الإيرانية بين وهْم الطلب والإنتاج المجمَّع

الترجمان

نشرت صحيفة “وطن امروز“، الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريراً موسّعاً تناولت فيه ما وصفته بـ”الخلل العميق في توازن سوق السيارات الإيرانية”، مشيرة إلى أنّ الارتفاع المفاجئ في أسعار السيارات المصنّعة محلياً ترافَق هذا العام مع تراجع حادّ في الإنتاج تجاوز 30%.

ذكرت الصحيفة أنه بعد سنوات من التقلبات الحادّة في الأسعار، ودوره المحوري بوصفه أحد أهمّ مرتكزات التوقعات التضخمية في الاقتصاد الإيراني، شهد سوق السيارات في إيران مؤخراً فترة من الاستقرار النسبي؛ استقرارٌ هشّ كان ثمرة سياسات مثل البيع عبر المنصة الموحّدة، وخصوصاً شرط فتح الحساب الوكالي الإلزامي.

وأضافت أن هذا النظام أدّى عملياً دور المرشِّح الذي فصل إلى حدّ كبير بين الطلب المضارِبي والوهمي وبين الطلب الاستهلاكي الحقيقي، فالحساب الوكالي، من خلال تجميد جزء من السيولة الخاصة بالمشتري، رفع تكلفة الدخول في قرعة الشراء، ومنع بذلك الأشخاص الذين كانت مشاركتهم بدافع الربح السريع دون نية شراء حقيقية.

وأوضحت أنه رغم النجاح الذي حقّقته هذه الآلية العام الماضي، جاء قرار شركة “إيران‌ خودرو” الأخير بإلغاء هذا الشرط في خططها الجديدة بمثابة حقن مفاجئ لمنشّط قوي في نظام كان قد بدأ بالهدوء،  فقد أزال القرار في لحظة واحدة الحاجز الذي كان يمنع تدفّق السيولة المترنّحة إلى سوق السيارات، ليُعيد إلى الساحة موجة من الحماس والطلب الكامن الذي كان قد خمد مؤقتاً.

Image

ذكرت الصحيفة أنه في علم الاقتصاد، عندما يُسهَّل الحصول على سلعة نادرة دون أن يُصاحبه ارتفاعٌ موازٍ في حجم المعروض على المدى القصير، فإنّ إشارة النقص تُرسَل إلى السوق، مما يؤدي إلى تنشيط جديد للتوقعات التضخمية، فكلٌّ من المستهلك والمضارب يرى في هذا الإجراء ليس تيسيراً، بل مؤشر على بداية موجة جديدة من الغلاء أو ضغطٍ مرتقب في الطلب، فيُسارعان إلى الشراء والتخزين حفاظًا على قيمة أموالهما.

وأضافت أن نتائج هذه السياسة تتمثل في اتساع الفجوة مجدداً بين سعر المصنع والسوق الحرة، وبالتالي زيادة جاذبية الأرباح الريعية من الشراء المسبق، مما يُعيد تنشيط الدورة المعيوبة للمضاربات في سوق السيارات.

نجاح سياسة الحساب الوكالي في ضبط السوق
تابعت الصحيفة أن سياسة تجميد المبالغ في الحسابات الوكالية كانت من بين الإجراءات التي نجحت في الحدّ من الحمى الوهمية في السوق وتقليص الفجوة بين سعر المصنع والسوق الحرة، فمنذ يوليو/تموز 2023، أدّت هذه السياسة إلى انخفاض عدد المتقدّمين للتسجيل من أكثر من 3 ملايين إلى نحو 400 ألف شخص.

ولفتت إلى أن بعض الفائزين في القرعة تراجعوا عن تسلّم سياراتهم، وهو ما عُدّ دليلاً على نجاح الخطة في ضبط آليتي العرض والطلب، وقد ساهم هذا النهج التقييدي بقدر كبير في تعزيز الأمن النفسي للسوق والحد من نمو التضخّم غير الواقعي.

Image

انخفاض العرض وتفاقم الضغوط السعرية
ذكرت الصحيفة أنه تشير التحليلات السوقية والبيانات الإحصائية الأولية عن إنتاج شركتي إيران ‌خودرو وسايبا، وهما أكبر مصنّعين للسيارات في البلاد، خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلى صورة مقلقة لانخفاض مستوى المعروض في السوق.

وأضافت أنّ شركات السيارات قد تُرجع هذا التراجع إلى مشكلات في تأمين قطع الغيار، أو تغييرات في معايير الجودة، أو صعوبات مالية، إلا أنّ ما يهمّ السوق فعلياً هو النتيجة النهائية: تراجع حجم العرض الكلي.

وأوضحت أنه حين يتزامن هذا التراجع في العرض مع إلغاء أداة ضبط الطلب، تكون النتيجة الحتمية زيادة الضغط على أسعار السيارات في السوق الحرة، فخفض الإنتاج أو حتى تثبيته عند مستوى ثابت، في وقت تشهد فيه السوق طلباً متزايداً لأسباب جذرية مثل التضخّم العام واعتبار السيارة ملاذاً لحفظ القيمة، وأسباب سياسية كإزالة القيود على التسجيل، يعني عملياً تحفيز العوامل المولِّدة للتضخم.

وتابعت أن هذه التطورات، على مستوى الاقتصاد الكلي، توحي بوجود سياسة ضمنية قد تهدف إلى منح الشركات المصنِّعة فرصة لتهيئة الأجواء لرفع الأسعار الرسمية مستقبلاً من خلال الإخلال المقصود بتوازن العرض والطلب.

وأشارت إلى أنّ هذا السلوك، للأسف، لا يصبّ في مصلحة المستهلك، بل يزيد من انعدام الثقة العامة في آليات تنظيم السوق.

Image

تحفيز التوقّعات التضخّمية
ذكرت الصحيفة أن سوق السيارات في إيران ليست سوقاً مستقلة بذاته، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ العوامل الاقتصادية الكلية مثل سعر الصرف، وحجم السيولة النقدية، وقبل كل شيء التوقّعات التضخّمية، وهذه التوقّعات، بحدّ ذاتها، تمثّل قوة تضخّمية فعّالة.
وأضافت أنه عندما يشعر الفاعلون الاقتصاديون وعامة الناس من خلال السياسات المُتَّبعة -كـ تسهيل دخول السوق من دون زيادة حقيقية في المعروض- بأنّ الأسعار مرشّحة للارتفاع في المستقبل القريب، فإنهم يتصرّفون بطريقة تخزينية واستباقية؛ أي يسعون اليوم إلى الشراء المسبق وحماية قيمة أموالهم. 

وأوضحت أن هذا السلوك يؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في الطلب الحالي، فيُسرّع من حدوث التضخّم في الوقت الراهن.

وأشارت إلى أنه في المرحلة الحالية، حيث تسعى الحكومة إلى احتواء تقلّبات سعر الصرف وتحقيق قدر من الاستقرار النسبي في المؤشرات الكلية، فإن أيّ قرار في سوق رئيسي وضخم كقطاع السيارات من شأنه أن يؤجّج الحمى الشرائية أو يخلق طلباً وهمياً، سيزيد من خطر انتقال التضخّم إلى الأسواق الموازية، ومن ثم إلى مستوى التضخّم العام، فالاستقرار النسبي الذي تحقق في سوق السيارات كان استقراراً هشاً، وقد تآكل أساسه بفعل هذه القرارات الجديدة.

وبينت أن هذه الدائرة المفرغة لا تخدم الإنتاج الوطني ولا المستهلك، بل تؤدي فقط إلى توزيع غير عادل للريع وزيادة وزن المضاربة في الاقتصاد.
وأكدت ضرورة أن تكون الجهات الرقابية وصنّاع السياسات المالية والنقدية يقظين إزاء الآثار الكلية لهذه الإجراءات، التي يبدو أنّها وُضعت أساساً لخدمة احتياجات السيولة القصيرة الأجل لشركات السيارات، ولـ رفع جاذبية مبيعاتها المستقبلية.  كما يتعيّن عليهم صياغة آليات أكثر شفافية واستدامة لضبط العلاقة بين العرض والطلب في هذا القطاع الحيوي.

التحدّيات الجذرية في العرض والطلب الحقيقي
ذكرت الصحيفة أنه منذ عام 2018، يواجه سوق السيارات الإيراني مشكلات بنيوية عميقة، تشمل تراجع الإنتاج بنسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة، وظهور سوق ثانوية موازية، وازدواجية الأسعار بين المصنع والسوق الحرة، وتحوّل السيارة من سلعة استهلاكية إلى أداة استثمارية.

وأضافت أن هذا الواقع أدّى إلى انخفاض حاد في الطلب الحقيقي للاستهلاك، مقابل ارتفاع كبير في الطلب غير الاستهلاكي والمضاربي، وتشير البيانات إلى أنّ التضخّم السعري وتراجع القوة الشرائية للأسر جعلا الطلب الفعلي على السيارات الجديدة أقل من مليون وحدة سنوياً، في حين تزايد الطلب الاستثماري، وبرزت فئة السيارات الأجنبية والفاخرة كحالة خاصة لا يمكن تلبيتها إلا عبر الاستيراد.

وتابعت أنه رغم كل ذلك، قام مجلس حماية المنافسة في يوليو/تموز 2025 بإلغاء شرط فتح الحساب الوكالي وحظر الشراء من قِبَل الكيانات القانونية، ما مثّل تراجعاً عن السياسة السابقة المتقدّمة.

ولفتت إلى هذا القرار أدّى إلى ارتفاع كبير في الطلب الوهمي والمضاربي، فبلغ عدد المسجّلين أكثر من ستة ملايين شخص مقابل 73 ألف سيارة فقط، وهذه الأرقام لا تعبّر فقط عن الهوة الواسعة بين الطلب الحقيقي والافتراضي، بل تكشف أيضاً أنّ التوقّعات التضخّمية التي سادت في سوقي العملات والذهب قد امتدت إلى سوق السيارات، وأنّ المستثمرين المضاربين أصبحوا على استعدادٍ تام لدخول هذا السوق سعياً وراء أرباح سريعة.

Image

سبب ارتفاع أعداد المتقدّمين لشراء السيارات مسبقا 

ذكرت الصحيفة أن محمد علي حاجي ‌زادة، القائم بأعمال مدير مكتب صناعة السيارات، صرّح بأنّ القول إنّ الإقبال الكبير الذي بلغ ستة ملايين شخص على شراء 73  ألف سيارة من منتجات إيران ‌خودرو يعكس عمق حاجة السوق هو نظرة سطحية للمسألة.
وأوضح حاجي زادة أنّ هذا الرقم الكبير لا يمكن فهمه إلا في ضوء إلغاء الشرط الأساسي المتعلق بتجميد الوديعة البنكية.

وأضاف أنّ إلغاء شرط تجميد الوديعة وتقليل قيمة الدفعة المقدّمة جعلا من التسجيل في الخطة فرصة منخفضة المخاطر ومرتفعة العائد بالنسبة لشريحة واسعة من الناس، حتى أولئك الذين لا ينوون شراء السيارة فعليًا في الوقت الحالي.

وأشار إلى أنه في ظلّ هذه الظروف، من الطبيعي أن ينضمّ إلى قوائم التسجيل ليس فقط المشترين الحقيقيين، بل أيضا المضاربون والسماسرة الباحثون عن ربح سريع وسهل، ولذلك فإنّ تسجيل ستة ملايين شخص لا يعني وجود ستة ملايين محتاج فعلي للسيارة، بل يدلّ على طلبٍ مضاربيّ تغذّيه بيئة اقتصادية تضخّمية.

ولفت إلى أنّ كفاءة إدارة وزارة الصناعة كانت واضحة خلال حرب الـ 12 يوماً، إذ نجحت الوزارة، رغم الضغوط الدولية واختلال سلاسل التوريد، عبر تدابير ذكية ومدروسة، في منع أيّ توقف ملموس في خطوط الإنتاج، وهو ما يُظهر قدرة الوزارة على الصمود والتخطيط الدقيق في الأزمات.

كما أكّد أنّ استراتيجية الوزارة في استيراد السيارات واستخدامها كأداة لتحقيق التوازن في السوق تُعدّ من النهوج المهمة المتّبعة حاليا، فالوزارة إلى جانب تركيزها على تعزيز الإنتاج المحلي، تتعامل مع الاستيراد كخيار مكمّل لتحقيق التوازن بين العرض والطلب وزيادة خيارات المستهلكين، وقد سعت بجدية إلى تسهيل هذه العملية عبر تبسيط الإجراءات الجمركية وتخفيف شروط الترخيص، مما سرّع وتيرة استيراد السيارات.
وبين أن هذه المرونة الإدارية قد أسهمت في وصول السيارات المستوردة إلى السوق بسرعة أكبر، الأمر الذي خفّف الضغط السعري عن المنتجات المحلية وأسهم في تهدئة السوق تدريجياً.

Image

نموذج مكلف بالعملة الصعبة بدلاً من الإنتاج الوطني

ذكرت الصحيفة أنه بعد عقود من السعي نحو “التصنيع الوطني”، وجدت صناعة السيارات الإيرانية نفسها أسيرة نموذج التجميع. هذا النهج، الذي تعزّز خصوصاً في السنوات الأخيرة بقيادة الشركات الخاصة، أزاح تطوير العلامة التجارية المحلية ونقل التكنولوجيا إلى الهامش، ليصبح أحد أبرز التحديات الصناعية والمالية في البلاد. 

وأضافت أن البيانات الرسمية والتقارير التحليلية تشير إلى صورة مقلقة لصناعة تحولت إلى قناة رئيسية لتسرب العملة الصعبة دون أن تُنتج قيمة مضافة حقيقية أو عمقاً إنتاجياً محلياً يُعتدّ به.

وتابعت أن الإحصاءات تظهر أن السياسات الجمركية والرقابية الراهنة جعلت من التجميع استيراد القطع المفككة أو CKD خياراً أكثر ربحية بكثير من الإنتاج الفعلي. هذا الواقع زاد من التبعية البنيوية للاستيراد، ورفع استهلاك الصناعة من النقد الأجنبي إلى مستوياتٍ تنذر بالخطر.

وأوضحت أنه في عام 2023  قفزت حصة النقد الأجنبي المخصّصة لخمس شركات تجميع كبرى بنسبة 74% لتتجاوز 3.3 مليار دولار، رغم أن نسبة التصنيع المحلي في منتجاتها لم تتعدَّ 20 إلى 30%، بهدف الاستفادة فقط من التخفيضات الجمركية، ويُظهر متوسط إنفاقٍ يفوق 13 ألف دولار لكل سيارة أن الجزء الأكبر من العملة الصعبة يُستهلك في استيراد المكونات، بينما تبقى حصة البلاد من القيمة المضافة في أدنى مستوياتها.

وأضافت أنه في عام 2024 ازداد الوضع سوءاً، إذ تُظهر الأرقام أنه خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، حصلت الشركات الخمس ذاتها على 1.7 مليار دولار من النقد الأجنبي، رغم انخفاض إنتاجها من نحو 158 ألف سيارة إلى 148 ألفاً مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. 

وبينت أن هذا التناقض بين انخفاض الإنتاج وارتفاع تخصيص العملة يعني ببساطة أن كلفة العملة الصعبة لكل سيارة ارتفعت، ما يجعل التجميع أكثر ربحية للشركات على حساب الاقتصاد الوطني.

وأشارت إلى أن هيمنة نموذج التجميع لا تقتصر على عجزٍ تجاري فحسب، بل تحمل آثاراً طويلة الأمد على الاقتصاد والتنمية الصناعية في إيران، فمنها استنزاف العملة الصعبة وتفاقم العجز التجاري، وإهدار فرص التنمية الصناعية، وعقم النظام الجمركي الحالي.

Image

واختتمت الصحيفة بوضع خطة للخروج من هذا المأزق وتحويل صناعة السيارات إلى محرّك حقيقي للتنمية الاقتصادية، وذكرت أنه لا بد من إصلاحات شاملة في السياسات الداعمة والرقابية، منها: إصلاح التعرفة الجمركية بحيث تُربط الامتيازات الجمركية بنسبة التصنيع المحلي الفعلية، لا بمجرد تجميع الأجزاء النهائي،. وتوجيه السياسة النقدية عن طريق ربط تخصيص العملة الصعبة بمستوى القيمة المضافة الفعلية وبرامج نقل التكنولوجيا والتوطين، وفرض رقابة صارمة على نسبة المكونات المحلية لمنع التلاعب عبر “تصنيع صوري” لا يضيف شيئاً حقيقياً.