خبير سياسي إيراني: واشنطن تسعى لإضعاف النظام السياسي في إيران لا لتغييره

غلام علي رجائي

 
أجرت صحيفة آرمان ملي، الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حواراً مع الخبير السياسي الإيراني غلام علي رجائي، حول الموقف الإيراني من التطورات الإقليمية المرتبطة بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في غزة وتفعيل آلية الزناد من قِبل الأوروبيين، ودور طهران في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي وما بعد التفاهم في غزة، وفيما يلي نص الحوار:

مع توجه حماس نحو اتفاق يستند إلى خطة ترامب وتهميش دور إيران رغم تضحياتها، ما الموقف الواجب على طهران اتخاذه؟

يبدو أن تنفيذ خطة ترامب والسلام الجاري بين حماس وإسرائيل قد أدخلا الشرق الأوسط مرحلة جديدة من حياته السياسية، ومن المرجح أن البيت الأبيض وترامب سيتوجهان بعد تجاوز هذه المرحلة بمعنويات أعلى لمعالجة ملفات إيران واليمن والعراق، ومع ذلك، يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كانت البذرة التي زُرعت في غزة ستؤتي ثمارها أم لا، وإن أثمرت، فهل ستكون ثمارها مُرّة على الشعب الفلسطيني أم لا؟

ما رأيك في الخطة التي تُنفّذ حالياً والتي يبدو أنها لا تتضمن احتلال غزة؟

لا يمكن في المجمل النظر إلى هذه الخطة بتفاؤل، لأن إسرائيل لم تفِ يوماً بوعودها، وحكام تل أبيب ارتكبوا جرائم لا تُغتفر من منظور إنساني، فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المجرمة وعدت الرأي العام الإسرائيلي بتدمير حماس واحتلال غزة وتحرير الأسرى، لكنها فشلت في كل ذلك، وهذه بحد ذاتها تُعدّ مكاسب لحماس، إذ عجز نتنياهو عن تحقيق شعاراته. 

ومع ذلك، إذا جرى فعلاً نزع سلاح حماس، فستتمكن إسرائيل بلا أي حاجز من الإضرار بغزة، وأرى أن هذه الخطة هشة، وقد طرحها ترامب بدافع السعي وراء جائزة نوبل للسلام.

ما الموقف الذي يجب أن تتخذه طهران تجاه خطة غزة؟
ينبغي لإيران أن تواصل احترام إرادة الشعب الفلسطيني كما فعلت في السابق، فهي لا تسعى لتأدية دور الوصي أو الأب الروحي للفلسطينيين، لأنهم أدرى بمصلحتهم وبالقرار الذي يجب أن يتخذوه، ومع أن الخطة دخلت مرحلة التنفيذ، إلا أن لدى طهران ما يدعو إلى العتاب، إذ يبدو أن حركة حماس لم تُبدِ أي شكر لإيران في هذه المرحلة، رغم أن طهران قدّمت تضحيات بشرية ومالية وسياسية في هذه الأحداث. 

كما لم تُدعَ إيران للمشاركة في الخطة، بينما لعبت دول مسلمة مثل تركيا وقطر دوراً مهماً إلى جانب مصر، لذلك لا ينبغي تجاهل دور إيران في هذه العملية، وكان من الممكن لحماس أن تشكر طهران في مواجهة تنكّر واشنطن لها، لأن تجاهل هذا الدعم يُعدّ نوعاً من الجحود.

ما الموقف الذي يجب اتخاذه بشأن الملف النووي؟ وهل أبواب الدبلوماسية مفتوحة فعلاً؟

حالياً، لا تبدو إيران في موقع يمكّنها من حلّ ملفها النووي عبر المسار الدبلوماسي، إذ إن زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة لم تُسفر عن أي تطور ملموس في هذا الشأن، ولو جرى لقاء بين رئيسي البلدين، لكان الأمل أكبر في تخفيف العقوبات، لكن ذلك لم يحدث. 

أما ترامب، فهو يتصرف بأنانية واضحة؛ فقد ادّعى أنه أنهى سبع حروب، فأيّ حرب منها انتهت فعلا؟ يجب أن نتذكر أنه قال سابقاً إنه سيمهل 48 ساعة لتنفيذ خطته بشأن غزة وإلا سيحوّلها إلى جحيم، ولم يفعل، كما هدّد في ولايته الأولى بضرب 52 موقعاً في إيران ولم ينفّذ تهديده، وهو اليوم عاجز عن حل أزمة أوكرانيا، لذلك يبدو أن على إيران أن تنظر إلى الأوضاع بواقعية أكبر.

هل على إيران أن تتخذ إجراءات لكي لا تتدهور الأوضاع إلى أزمة؟
يمكن لإيران أن تقرَّ تنازلات في مسألة التخصيب من دون أن تُفسَّر كاستسلام، ومن جهة أخرى، ينبغي لإيران أن تتجه نحو عقد تحالفات إقليمية وإيجاد وفاق مع الشعوب، وقضية المعيشة هنا محورية، فالغلاء وسبل العيش في صدارة مطالب الناس، وإذا أولت الحكومة هذا البُعد اهتماماً حقيقياً، فبإمكان الناس تحمل السنوات القليلة المتبقية من ولاية ترامب.

كما أن هذه الضغوط لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وبالطبع أمامنا سنوات صعبة، وإذا أقدمت الأطراف على مواجهة عسكرية فلن تبقى إيران بلا وسيلة للرد.

إذا لم تُستخدم أداة الدبلوماسية فهل سنتجه نحو الحرب؟

إيران منطقياً يجب أن تتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى حرب، لكن إن توفرت شروط الحرب فبإمكان الإجراءات الدولية أو القرارات أن تحدّ من الخسائر حتى لا يقع الضرر الأكبر، وقد تتعرض إيران لبعض الأذى لكنها ستردّ — كما سبق أن ردّت بضرب قواعد أمريكية في العراق ودول حاشية الخليج — وأي حرب ستجلب بدورها ضربة لأمريكا.

وحالياً أبواب الدبلوماسية تبدو مغلقة، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن أن اتفاقية القاهرة مُلغاة ولا أمل في التفاوض، وأوروبا لعبت دورها في دعم تطبيق العقوبات، والآن تُطبّق عقوبات الأمم المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة معاً، ومواجهة هذه العقوبات صعبة للغاية.

هل يمكن للصين أن تساعد إيران على تجاوز الوضع الحالي؟

في هذه المرحلة تبدو الصين حليفاً مفيداً لإيران، وبكين أعلنت أنها ستشتري النفط الإيراني، ومع ذلك يجب على إيران تقوية علاقاتها مع دول الجوار، وإذا لم تخضع هذه الدول لتأثير الولايات المتحدة فستتحسّن شروطنا، فالتحالفات الإقليمية يمكن أن تساند إيران في عبورها للمرحلة الراهنة.

ما مدى احتمال أن يسعى ترامب إلى تغيير بنية النظام السياسي في إيران؟

من وجهة نظري ــ تغيير النظام السياسي وإضعافه ــ يبدو أن الأمريكيين يهدفون حالياً إلى إيجاد سلطة ضعيفة في إيران، سلطة غير قادرة على أداء دور مؤثر في قضايا المنطقة، ومنشغلة بصراعاتها الداخلية، وهنا تكمن أهمية العلاقة بين الحكومة والشعب، إذ إن البرامج الاقتصادية التي تخفف الضغط عن الناس وتضمن معيشتهم هي الردّ الصحيح على هذه المخططات.

وفي الوقت نفسه، يشعر الناس باستياء شديد من تفشي الفساد، وعلى السلطة إذا أرادت أن تُظهر أنها تقف إلى جانب الشعب، أن تبادر فوراً إلى اتخاذ إجراءات حازمة ضد المفسدين الاقتصاديين، وفرض عقوبات صارمة عليهم، مع نقل جلسات محاكماتهم عبر الإعلام الرسمي، وبهذه الطريقة فقط سيشعر المواطنون بأن النظام يسير فعلاً نحو تحسين الأوضاع.

إذاً، ترى أن حلّ الأزمات المقبلة لا يكمن في الدبلوماسية، بل في الصبر حتى انتهاء ولاية الإدارة الأمريكية الحالية؟
نعم، أعتقد أن الحل لن يأتي عبر المسار الدبلوماسي في الوقت الراهن، بل من خلال التركيز الجاد على معالجة القضايا الاقتصادية، وحسب ما علمت، فقد دعا بزشكيان جميع الوزراء الاقتصاديين السابقين وعدداً من الخبراء البارزين للتشاور حول السياسات المطلوبة. ويُقال إن الحكومة تعمل حالياً على إعداد خطط تهدف إلى تعزيز الإنتاج والصادرات وإزالة العقبات التي تعيق عجلة الصناعة.

ويمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دوراً أساسياً في التخفيف من آثار العقوبات وتقليل الضغط عن كاهل الحكومة، كما يجب أن تواصل حكومة بزشكيان النهج الذي بدأه الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، مع توسيع قائمة السلع الأساسية المدعومة من أربع إلى ثماني أو عشر سلع.

وفي الحقيقة، نحن لسنا في وضع شبه حرب، بل في حالة حرب فعلية، فالمواطنون لا يتساءلون إن كانت الحرب ستقع، بل أين ستكون الضربة القادمة، والوضع الاقتصادي اليوم أسوأ من زمن الحرب، ولهذا يجب على الحكومة أن تُفعّل أدواتها الاقتصادية بكل جرأة، حتى لو تطلّب الأمر إيقاف بعض مشاريع التنمية.

ويجب أن يكون تحسين مستوى المعيشة أولوية قصوى، إذ إن الدعم الحالي لا يغطي حتى وجبة واحدة في مطعم، لذا يجب زيادته، كما أن توجيه ميزانيات بعض المشاريع الإنشائية نحو دعم معيشة المواطنين لن يضرّ إيران، بل سيعيد الثقة ويُخفف المعاناة عن الناس.

تم الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين خلال الأسابيع الماضية، فإلى أي مدى يمكن لاستمرار هذا المسار أن يعيد الأمل إلى الطبقة السياسية وإلى أولئك الذين ما زالوا يأملون في حدوث تغييرات؟

رغم الإفراج عن بعض السجناء، فإننا نلاحظ في المقابل استدعاء شخصيات سياسية مثل السيدة منصوري وجواد إمام، وهو ما يتناقض مع الموقف الأولي لرئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي الذي كان قد دعا جميع النشطاء السياسيين للاستماع إلى آرائهم، ونحن اليوم بحاجة إلى وفاق وطني بين مختلف التوجهات في ظل الظروف الراهنة، وينبغي وقف هذه الاستدعاءات. 

والجدير بالملاحظة أن جزءاً من التعامل الصحيح مع الشعب يتمثل في التسامح القضائي، لأن هذه الإجراءات لا تناسب المرحلة الحالية، وعلى إجئي أن يتدخل شخصياً لإعادة توجيه أداء الجهاز القضائي، فبعض المنتقدين مثل الناشط السياسي أكبر نجاد لم يكن ينبغي أن يُسجنوا أصلاً، تماماً كما لم تُنفذ لائحة الحجاب في عهد بزشكيان ولم يحدث شيء، فالأفضل أيضاً تعليق تنفيذ بعض الأحكام القضائية. 

كما أن بعض الأحكام في الماضي صدرت ثم جرى تعليقها، لذلك يجب على السلطة القضائية أن تمنح بعض السجناء إجازات مؤقتة، فالكثير منهم عبّروا عن آرائهم بدافع من الحرص على الوطن.