اتفاق القاهرة.. بين الدبلوماسية الفعالة والتوجس خفية من الخديعة

السيسي يتوسط عراقجي وغروسي

عاد الملف النووي ليحتل واجهة الأحداث من جديد، مدفوعا بتطورات داخلية وخارجية متسارعة فرضتها الظروف الأمنية والعسكرية الأخيرة، وبين محاولات طهران لاحتواء الضغوط عبر بوابة الدبلوماسية، وتمسك القوى الغربية بخيارات العقوبات والتهديدات، تبدو معركة التوازن بين السيادة الوطنية والحاجة إلى التفاعل الدولي أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. فبينما تسعى الأطراف المختلفة لتثبيت روايتها والتأثير في مسار الأحداث، يتضح أن ما يجري لم يعد مجرد نقاش تقني حول أنشطة نووية، بل اختبار شامل لإرادة سياسية وقدرة على رسم معادلة جديدة في ظل واقع شديد الحساسية.

الاتفاق تم بموافقة الأمن القومي

فقد أصدرت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، بيانا بشأن الترتيبات الموقعة بين وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رفائيل غروسي، في القاهرة الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025 بشأن كيفية تعامل إيران والوكالة في الظروف الجديدة بعد الهجمات العسكرية من قبل إسرائيل وأميركا ضد المنشآت النووية الخاضعة للضمانات التابعة لإيران، معلنا موقفه من هذا الاتفاق.

.

وجاء في البيان: “لقد جرى بحث نص هذه الترتيبات في اللجنة النووية التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، وما جرى التوقيع عليه هو بالأساس ما صادقت عليه هذه اللجنة، إن اللجنة النووية، والتي تضم كبار المسؤولين من مختلف الأجهزة المعنية، كانت في كل الأوقات مخولة من جانب المجلس الأعلى للأمن القومي لاتخاذ القرار، وفي هذه المرحلة أيضا عملت وفق المسار المعتاد”.

وحول المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة لرقابة الوكالة والتي تعرضت لهجوم من أميركا وإسرائيل، ذكر البيان: “بعد توفير الظروف الأمنية والوقائية اللازمة، فإن إيران لن تقدم تقريرها إلى الوكالة إلا بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي المرحلة التالية، يجب الاتفاق بين إيران والوكالة على الأساليب التنفيذية للتعاون بشأن التقرير المرسل، ومن جملة ذلك أن أي إجراء داخلي يجب أن يحظى بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي”.

كما أكد البيان أنه “في حال اتخاذ أي عمل عدائي ضد إيران ومنشآتها النووية، بما في ذلك إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن المنتهية، فسيتوقف تنفيذ هذه الترتيبات فورا”.

من جانبه، كان عراقجي قد صرح خلال مقابلة تلفزيونية مساء الخميس 11 سبتمبر/أيلول 2025، حول الاتفاق المبرم بين إيران والوكالة، قائلا: “إن الاتفاق يضع إطارا جديدا للتعاون، فقد أقرت الوكالة بأن الهجوم على منشآتنا كان غير قانوني ومخالفا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وكذلك النظام الأساسي للوكالة، وأقرت أيضا بأن ظروفا جديدة قد نشأت تتطلب تعاونا جديدا، كما قبلت الوكالة بأن قانون البرلمان ملزم لإيران، وأن هذا التعاون يجب أن يتم في إطار هذا القانون، كما قبلت بأن يدار كل شيء عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، وقد ورد اسم المجلس الأعلى للأمن القومي والبرلمان مرات عدة في هذا الاتفاق”.

Image

وأضاف وزير الخارجية الإيراني: “بالنسبة للمنشآت التي لم تقصف، فإن القاعدة الجديدة هي أن الوكالة تطلب منا الوصول إليها بشكل منفرد، وطبقا لقانون البرلمان فإن هذا الطلب سيحال أولا إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وإذا قبل الطلب فسيمنح حق الوصول للوكالة”، كما شدد على أن “صلاحية هذا الاتفاق تبقى ما لم يتخذ أي إجراء عدائي ضد إيران، بما في ذلك تفعيل آلية سناب باك، آلية العقوبات الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني والتي بدأت الدول الأوروبية بتفعيلها في 20 أغسطس/آب 2025، وإذا جرى في نهاية المطاف تفعيل هذه الآلية فإن الاتفاق لن تكون له أي صلاحية”.

عودة لاريجاني إلى الملف النووي

في عددها ليوم الاثنين 15 سبتمبر/أيلول 2025، قالت صحيفة سازندجي إنّ نقل الملف إلى المجلس الأعلى للأمن القومي وعودة لاريجاني يمكن قراءتهما على ثلاثة مستويات، المستوى الأول داخليا، حيث تضمنت رسالة واضحة للبرلمان وخصوصا التيار الأصولي المتمثل في جبهة الصمود بأن مركز القرار في مكان آخر، وأن المجلس هو من يحدد الخطوط الحمراء.

Image

جدير بالذكر أن لجنة الأمن القومي قد استضافت مساء السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025 وزير الخارجية عراقجي في جلسة استمرت أكثر من ثلاث ساعات خصصت لمناقشة اتفاق القاهرة بين إيران والوكالة، وقد وصف عراقجي الاجتماع بأنه جيد وبناء، حيث صرح: “دار نقاش واسع حول الاتفاق وأجبت بقدر استطاعتي عن كل الأسئلة، كانت لدى النواب تساؤلات وهواجس مشروعة نابعة من حقهم الرقابي، ونحن كحكومة ملزمون بالرد أمام الشعب”، وأكد أن النقاش تناول كيفية مواصلة الطريق وإحباط مؤامرات الأعداء في المجالات السياسية والدولية وحماية مصالح البلاد.

Image

كذلك حمل إشارة خارجية للشركاء الدوليين بأن إيران تدير الملف على مستوى أمني استراتيجي، ما يعني تقليل المرونة وفي الوقت نفسه جدية أكبر في الالتزامات، على أن الجانب الاستراتيجي لم يغب عن المشهد، فقد مثل هذا الانتقال محاولة لإيجاد توازن بين الضغوط الخارجية والتماسك الداخلي بالاعتماد على خبرة لاريجاني التفاوضية ومكانته السياسية.

تجدر الإشارة إلى أن عودة لاريجاني إلى إدارة الملف النووي تعيد إلى الأذهان سنوات العقد الأول من الألفية، عندما كان لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي للمرة الأول وكبير المفاوضين، حينها لعب دورا محوريا في انتقال إيران من مرحلة التعليق إلى التخصيب.

Image

“أوروبا لن تتخلى عن العقوبات.. لا تنخدعوا بوكالة الطاقة”

على الجانب الآخر، حذرت “كيهان”، الصحيفة الأصولية الأشهر والمقربة من المرشد الإيراني على خامنئي، مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية من مغبة الانخداع بالاتفاق مع الوكالة وربطه بأي مفاوضات لصالح الشعب الإيراني مع الدول الأوروبية، حيث قالت في افتتاحية عددها ليوم الاثنين 15 سبتمبر/أيلول 2025: “في خضم سعي الدبلوماسية الإيرانية للحفاظ على مسار التفاعل عبر توقيع الترتيبات الفنية في القاهرة، أصدرت أوروبا بيانا هجوميا جديدا أظهر بوضوح أنها لن تتراجع عن الضغط والعقوبات، على الجانب الأخر، تكشف المقارنة بين بيان مجلس الأمن القومي الأعلى وبين موقف الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، أن الغرب يحول حتى خطوات إيران لبناء الثقة إلى ذريعة لإحياء العقوبات، ما يعد تحذيرا جديا من الانخداع بمظاهر الوكالة الدولية ووعود أوروبا الفارغة”.

Image

وتتابع “كيهان”: “البيان الأوروبي، الذي أعلن في مجلس محافظي الوكالة، لم يختلف في جوهره عن بيانات سابقة، إذ وجه أصابع الاتهام لإيران وتجاهل مسؤولية واشنطن وأوروبا في نقض العهود والخروج من الاتفاق النووي، كما زعم البيان أن إيران قد تجاوزت التزاماتها منذ 2019، ولوح بخيار إعادة العقوبات لكنه ادعى أن التمسك بالمسار الدبلوماسي هو ما منع التفعيل الفوري، كما اقترح تمديدا مؤقتا لآلية الزناد بشروط أهمها العودة إلى المفاوضات المباشرة مع أمريكا والخضوع الكامل للرقابة. 

هذا البيان يحمل رسالتين واضحتين، الأولى أن أوروبا لم تتخل عن سلاح العقوبات، والثانية أن الشروط التي تصفها بالمعقولة ليست سوى إملاءات أحادية تهدف لترسيخ تفوق الغرب في أي مفاوضات، من دون أي ضمانات متبادلة”.

وفي عرض للمشهد الداخل تقول الصحيفة: “في الداخل، وجهت انتقادات لتوقيع اتفاق القاهرة بسبب ضعف التوضيح الإعلامي وغياب الشفافية، لكن مجلس الأمن القومي الأعلى أصدر بيانا أكد فيه الاتفاق خضع لمراجعة لجنة نووية تابعة للمجلس، وأن أي تقارير للوكالة عن المنشآت المستهدفة لن تقدم إلا بعد موافقة المجلس، والتعاون مع الوكالة مشروط بموافقة المجلس على كل خطوة، ووقف التعاون حال استهداف إيران أو تفعيل العقوبات الأممية، فالهدف المعلن هو وضع ضمانات أمنية ومنع الاستغلال، لكن المعضلة أن وقف التنفيذ بعد وقوع التهديد لا يكفي للردع، إذ يتيح للخصوم جمع المعلومات في الفترة الفاصلة”.

وتتابع: “المقارنة بين البيانين تبرز التناقض، فإيران، رغم العداء وسوابق الوكالة في التجسس، حاولت الحفاظ على مسار دبلوماسي تحت رقابة داخلية، أما أوروبا، فاستغلت حتى هذا الانفتاح لتكرار التهديد وتبرير آلية الزناد، التجربة تشبه ما جرى مع الاتفاق النووي، حين التزمت طهران، بينما الطرف الغربي تنصل وظهر بمظهر الدائن، فالأوروبيون الآن يسعون إلى إعادة قرارات العقوبات عبر مسار سناب باك، فيما تحاول موسكو وبكين الدفع بتمديد مؤقت لعمر القرار 2231. 

لكن السؤال: ماذا سيحدث في الشهر الأخير قبل انتهاء بعض بنود القرار أو في فترة التمديد المحتملة؟ فأوروبا وأمريكا، خصوصا بعد سلوك ترامب الأخير، لم تبِديا أي تغيير، ومن غير المرجح أن تتراجعا عن النهج العدائي. بل إن الترتيبات الفنية مع الوكالة قد تستغل لجمع معلومات تمهيدا لهجوم جديد أو عقوبات أدق”.

وتختتم “كيهان” مقالها بقول: “الخلاصة أن الغرب لن يتخلى عن الضغط، حتى لو تعاونت إيران مع الوكالة، لذلك، على طهران أن تتبنى مسارا مزدوجا يثمل في شفافية داخلية كاملة بنشر نصوص التفاهمات، وتعزيز آليات الردع الوطنية، وإعادة النظر جديا في الالتزامات الدولية مثل NPT، وأخيرا تنسيق أوثق بين مؤسسات الدولة لضمان حماية المصالح الوطنية. 

فالدبلوماسية إذا افتقدت للشفافية والقوة الرادعة ستكلف البلاد خسائر فادحة، وتجربة الاتفاق النووي خير شاهد. واليوم، حان الوقت لتجاوز الأوهام، ورسم سياسة داخلية شفافة وخارجية مقتدرة، كي لا تتحول خدعة الوكالة إلى أداة ضغط جديدة، وليبقى الأمن القومي والمصالح الوطنية في مأمن من تهديدات الغرب”.