تصريحات مهدي كروبي تثير الغضب في إيران وسط دعوات للمفاوضات مع “الشيطان الأكبر”

في أحدث تصريحاته دعا زعيم المعارضة والمرشح الرئاسي السابق مهدي كروبي، إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة؛ لإنقاذ الشعب من شبح الحرب والفقر، في تصريحٍ جريء خلال لقائه مع عدد من أعضاء منظمة مجاهدي خلق (المنحلة)، وصف حال البلاد بالحرج والمعقد، مؤكدا أن الشعب لم ينتفض في ثورته ليجد نفسه محروما من الغاز في شتاء قارس البرودة، أو من الماء والكهرباء في صيف لاهب، بسبب أخطاء وتقصير المسؤولين.

وأضاف كروبي، بنبرة تحمل الشجاعة والصراحة: “التسليم بالأخطاء والجرأة في الاعتراف بها هما الخطوة الأولى لتصحيح المسار، سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية التي أثقلت كاهل البلاد بتكاليف باهظة”، وانتقد بشدةٍ الإصرار على نهج السياسات الخاطئة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع المأزوم، مشيرا إلى أن استمرار هذا النهج يفاقم الأزمات الداخلية والدولية، كروبي، الذي رافق الإمام (الخميني) منذ فجر الثورة.

وسُجن لأول مرة عام 1942، أكد أن التمسك بالاحتكار وتجاهل حقوق الشعب يمثلان انحرافا صارخا عن روح الثورة ونصوص الدستور، ودعا إلى العودة إلى إرادة الشعب واحترام حقوقه كمخرج وحيد من الأزمة الراهنة.

وفي سياق حديثه عن العلاقات الدولية، أشار كروبي إلى آراء بعض المثقفين الذين يرون أن الحوار المباشر مع الولايات المتحدة ضروري لحماية وحدة الأراضي والمصالح الوطنية، ولرفع وطأة العقوبات عن كاهل الشعب، وقال: “لا بد من إيجاد صيغة واضحة لعلاقة إيران بالعالم، بما في ذلك أمريكا، لتخفيف الضغوط وصون المصالح”.

اللقاء، الذي حضره شخصيات بارزة مثل بهزاد نبوي، محسن أرمين، فيض الله عرب سرخي، وآخرون، شهد نقاشات معمقة حول هذه القضايا الحيوية، لكن صحيفة كيهان، اللسان الحاد للتيار المحافظ، والصوت الإعلامي المقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي ترد بقوة، متهمة كروبي بتجاهل الحقائق التاريخية والسقوط في فخ الخداع الأمريكي، خلال  اللقاء الذي جمعه بأعضاء منظمة مجاهدي خلق (المنحلة).

أطلق الزعيم الإصلاحي تصريحاته النارية، معتبرا المفاوضات المباشرة مع واشنطن “أمرا ضروريا للحفاظ على وحدة الأراضي والمصالح الوطنية، وإزالة ضغط العقوبات عن الشعب”، وأضاف كروبي، الذي قضى سنوات تحت الإقامة الجبرية حتى إنهائها مؤخرا في 2025، أن “الاعتراف بالأخطاء والشجاعة في الاعتراف بها هو الشرط الأول لتصحيح المسار السياسي الداخلي والخارجي”، وفي إشارة تاريخية، أكد كروبي، الذي بدأ مسيرته السياسية مع الإمام الخميني منذ عام 1942، أن “الإصرار على الاحتكار وتجاهل حقوق الشعب انحراف عن مبادئ الثورة والدستور”.

Image

واستطرد كروبي في بيانه: “يجب أن يكون هناك إجابة واضحة حول نوع علاقة إيران بالعالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، الشعب لم يقم بالثورة ليصل إلى وضع يفتقر فيه إلى الغاز شتاء والماء والكهرباء صيفا”، هذه الكلمات، التي جاءت بعد أشهر من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في يوليو/تموز 2024، أثارت عاصفة من الردود، خاصة في ظل التوترات النووية المتزايدة.

“كيهان” ترد: طاولة المفاوضات قُصفت.. وكروبي يتجاهل الخيانة الأمريكية

لم تتردد صحيفة كيهان، المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي، في الرد بحدة على تصريحات كروبي، متهمة إياه بـ”السذاجة” التي تسببت في خسائر جسيمة للشعب، في مقالها الرئيسي، كتبت “كيهان”: “يجب تذكير كروبي بأن طاولة المفاوضات قُصفت من قبل الولايات المتحدة، وأن الرئيس الشهيد إبراهيم رئيسي ورئيسي السلطتين الأخريين كانوا على وشك الاغتيال في عملية منسقة من قبل أمريكا وإسرائيل”، وأضافت، مشيرة إلى محاولة اغتيال ترامب كدليل على “النوايا الخبيثة”: “هل يمكن أن يكون اغتيال ترامب ونواياه الخبيثة أوضح من هذا؟ إنهم يغضون الطرف عن الحقائق ويلعبون بنسخة المفاوضات المباشرة”.

وتذكر “كيهان” أن بهزاد نبوي، الذي حضر اللقاء مع كروبي وصور معه، قال في مايو/أيار 2025: “لقد تم كسر تابو التفاوض مع أمريكا”، وهو ما تصدرت به صحيفة “اعتماد” عناوينها، لكن الصحيفة المقربة من المرشد تسخر من هذا، مشيرة إلى أن صحيفة “اعتماد” كانت تنشر أخبارا عن اتفاقات مع ترامب وتدفق تريليوني دولار، بينما فرضت أمريكا 300 عقوبة جديدة، وأطلقت القنابل والصواريخ في خضم المفاوضات.

كما كشف تقرير سابق لصحيفة كيهان يهدد باغتيال ترامب في منشور سابق، الأمر الذي دفع وزارة الإرشاد الإيرانية إلى إصدار تحذير مكتوب، وتراجعت الصحيفة لاحقا واصفة المنشور بـ”فقرة فكاهية”، هذا التهديد أثار ردود فعل دولية، مع تحذيرات أمريكية من تصعيد، وفقا لتقارير من “اطلاعات” التي انتقدت “المتطرفين” في إيران.

Image

تعود صحيفة كيهان إلى جذور الثورة، مذكرة بأن الإمام الخميني وصف أمريكا بـ”الشيطان الأكبر” الذي لا يمكن الثقة به. تقول الصحيفة: “ثبت هذا الاعتقاد الآن، لكن النخب الغربية لا تسمح للعناصر الساذجة بالتعلم من الخيانات الأمريكية، كما حدث في الفتنة الخضراء قبل 16 عاما، حيث حرضوا على الفتنة ثم فرضوا عقوبات منهكة، وأصبح بعض الناس ألعوبة في أيديهم ضد أصوات 24.5 مليون شخص”.

وفي أوقات سابقة أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي، رفضه القاطع لفكرة المفاوضات المباشرة، لكنه لم يمانع في غير المباشرة، كما نقلت “جهان صنعت” عن اللواء محمد باقري، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة سابقا الذي أكد استعداد إيران لمواجهة أي هجمات أمريكية، مع رد “حكيم” على رسائل ترامب.

وأضاف باقري، الذي قتل خلال أحداث حرب الـ12 يوما مع إسرائيل: “لسنا البادئين بالحرب، وسنرد على أي تهديد بكل قوتنا، ونسعى إلى السلام في المنطقة، ولا نسعى إلى امتلاك أسلحة نووية ونسعى إلى تلبية احتياجات أمتنا في هذا المجال، ولن نتفاوض بشكل مباشر، لكن المفاوضات غير المباشرة غير مقبولة”.

هل يستيقظ الإصلاحيون؟

في سياق اقتصادي، تقارن “كيهان” أداء حكومة الراحل إبراهيم رئيسي بحكومات سابقة، مشيرة إلى إنعاش صادرات النفط، دبلوماسية تجارية، نمو اقتصادي بنسبة 5%، وإحياء 8000 مصنع مغلق، دون الخضوع للضغوط الأمريكية على النقيض، ترى في حكومة روحاني نتيجة الثقة بالغرب: إغلاق البرنامج النووي وتهديد آلية الزناد وتسأل: “لماذا لا يسمحون لـ كروبي بإدراك هذه الحقائق؟”

وتكشف تقارير حديثة عن أزمة استثمارات صينية معطلة بسبب العقوبات، كما في “خراسان”، التي تنتقد الأخطاء الإيرانية التي تعيق التنمية، في حواره مع صحيفة “ارمان امروز”، أوضح الخبير الاقتصادي بيمان مولوي أن الصين، التي يبلغ ناتجها المحلي 20 تريليون دولار وتُعدّ وجهة استثمارية عالمية رائدة، تتجنب المخاطرة بالتجارة مع إيران حفاظا على سمعتها الاستثمارية. 

وأضاف رئيس جمعية الاقتصاديين الإيرانيين أن الشركات الصينية المدرجة في بورصة نيويورك لن تعرض نموها للخطر بسبب التعامل مع دولة مدرجة على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي. 

وأشار مولوي إلى تدهور التصنيف الاستثماري لإيران، الذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ 12 عاما، مؤكدا أن الدول تركز على مصالحها وتتجنب المخاطر، في النهاية، ترى كيهان أن فكرة رفع العقوبات عبر المفاوضات واضحة الفشل بسبب الخيانة المتكررة، لكن “نوم الملاك ثقيل، ولا مصلحة لمن حوله في إيقاظه”.

وسط هذا الجدل، يظل السؤال: هل ستؤدي دعوات كروبي إلى تغيير، أم ستعمق الانقسام؟ مع اقتراب انتهاء صلاحية الاتفاق النووي (2015) في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قد تكون المفاوضات غير المباشرة الخيار الوحيد، كما يقترح دبلوماسيون سابقون مثل عبد الرضا فرجي راد، ولكن ما الذي يدفع إيران إلى التمسك بالمفاوضات غير المباشرة؟

Image

تاريخ إيران مع العالم الخارجي يشبه لوحة فنية مليئة بالظلال والانعكاسات المتقلبة، حيث تتراكم الخيبات كطبقات من الطلاء الداكن، منذ انقلاب عام 1953 الذي أسقط حكومة محمد مصدق الشرعية بأيدٍ أمريكية وبريطانية خفية، مرورا بأزمة الرهائن في السفارة الأمريكية عام 1979 التي أشعلت نيران التوتر، وصولا إلى العقوبات الخانقة عقب الثورة، وانتهاء بانسحاب أمريكا الأحادي الجانب من اتفاق النووي الشامل عام 2018، يغلف هذا كله جو من التشاؤم العميق وفقدان الثقة التام. 

فلماذا ترفض إيران الجلوس وجها لوجه مع الولايات المتحدة، حتى في الأوقات التي قد تكون فيها الدبلوماسية حلا؟ السر يكمن في خمسة محاور أساسية:

  • غياب الثقة
  • الضغوط الداخلية
  • الحفاظ على الهيبة الإقليمية
  •  المناورة الدبلوماسية الذكية
  •  إحباط أمريكا من حصد نقاط الدعاية.