استقالة فيّاض زاهد تهز حكومة بزشكيان: هل ينهار مشروع الوفاق الوطني؟

كتب: الترجمان

أثارت استقالة فيّاض زاهد، الصحفي وعضو مجلس الإعلام الحكومي الإيراني، موجة من الاهتمام داخل الأوساط السياسية والإعلامية، باعتبارها أول استقالة كبيرة من حكومة مسعود بزشكيان منذ تشكيلها. 

زاهد، المعروف بدعمه المستمر للرئيس، اختار الانسحاب اعتراضا على تقييد استقلالية التعبير، وكذلك على تعيين مسؤول جديد في الحكومة يُرتبط بعهد الرئيس السابق رئيسي، وهو إسماعيل سقّاب أصفهاني.

الحدث يعكس صعوبة موازنة مشروع “الوفاق الوطني” الذي يرفع بزشكيان شعاره منذ بداية ولايته، مع الضغوط الواقعية التي تواجهه من دوائر متشددة وأصولية، فضلا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل الحكومة. وفي هذا التقرير، نحاول تحليل خلفيات الاستقالة، دوافعها، ردود الفعل عليها، ودلالاتها على مستقبل الوفاق الوطني في إيران.

استقالة رسمية ورسالة صادقة

أعلن زاهد استقالته عبر رسالة رسمية إلى إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، مشيرا إلى أن صداقته الطويلة مع حضرتي ودعمه المستمر للرئيس بزشكيان كانت السبب في قبوله الانضمام للمجلس.

وفي نص الرسالة قال زاهد:

“كان تصوري أنّ عضويتي في المجلس تمنحني الصلاحية والإرادة للتعبير عن آرائي بهوية مستقلة، انسجاما مع طبيعة هذه المسؤولية. إلا أنّ بعض طباعي الشخصية، وتصريحاتي وكتاباتي بين الحين والآخر، قد تسببت في انزعاج البعض. لذا، ومع شكري لحسن ظنكم ومشاعر الأخوة، أتقدّم باستقالتي.”

وعقب الإعلان، أرسل إلياس حضرتي رسالة جوابية أشاد فيها باستقلال رأي زاهد وشرف قلمه، معبّرا عن اعتزازه بالصداقات الطويلة، ومؤكدًا أن دور زاهد في توضيح آفاق الإعلام والحوار الوطني سيظل مؤثرًا أينما كان.

تتسم هذه الرسائل الرسمية بالهدوء والدبلوماسية، لكنها تخفي خلفها تباينا في الرؤى حول حدود التعبير والنقد داخل الحكومة، وهو ما يُعد مؤشرًا على توتر داخلي متزايد بين تيار الإصلاح والدائرة التنفيذية للرئيس.

منشور مثير للجدل على “إكس”

قبل ساعات قليلة من نشر رسالة الاستقالة، نشر زاهد منشورا على منصة “إكس”، أثار جدلا واسعا، قال فيه:

“من المؤلم أنّه في اليوم الذي انتحر فيه فؤاد شمس بسبب ضغوط الحياة، يصبح أحد مسؤولي حكومة رئيسي معاونًا لرئيس جمهوريتنا. مهما كان اسم هذا، فهو ليس وفاقًا، بل اعوجاج. أشعر بالخجل.”

اختيار زاهد لربط هذا القرار بحادثة انتحار ناشط شبابي يعكس أبعادًا رمزية في موقفه: إحساسه بأن الأولويات الحكومية لا ترتكز على مصالح الناس، وأن مبدأ الوفاق الوطني أصبح أداة لتدوير الشخصيات السياسية على حساب الإصلاحيين والداعمين التقليديين للرئيس.

المنشور أكّد أن الخلاف ليس شخصيًا فحسب، بل يتعلق بمشروع سياسي أكبر، هو “الوفاق الوطني”، الذي بدأ يفقد مصداقيته في أعين داعمي بزشكيان.

Image

سياق سياسي أوسع

تأتي استقالة زاهد بعد سلسلة من التعيينات المثيرة للجدل، أبرزها تعيين إسماعيل سقّاب أصفهاني نائبا للرئيس ورئيسا لمنظمة ترشيد وإدارة الطاقة الاستراتيجية. هذا القرار جاء بعد خروج وزراء سابقين من حكومة بزشكيان مثل محمد جواد ظريف وعبد الناصر همتي، ما ساهم في تعميق المخاوف حول فشل مشروع الوفاق الوطني.

ويرى محللون أن حكومة بزشكيان تواجه اليوم تحديا مزدوجا، وهو الضغط من الداخل الإصلاحي حيث يشعر الإصلاحيون بأن نفوذهم تراجع بشكل كبير داخل الحكومة، مع سيطرة الأصوليين والمتشددين على معظم المناصب.

إضافة إلى الضغط من الإعلام والمجتمع المدني، فمع توقعات بارتفاع مستوى الشفافية والمحاسبة، وبالتالي إحراج الحكومة أمام الرأي العام في حال استمرار تعيين شخصيات مثيرة للجدل.

رسول منتجب ‌نيا، الناشط الإصلاحي، صرّح مؤخرا بأن “حوالي 80% من المسؤولين الحكوميين محسوبون على الأصوليين، والباقي تحت سيطرة المتشددين، بينما اختير عدد قليل من الإصلاحيين”، وهو ما يوضح حجم الإحباط لدى القاعدة الإصلاحية.

أسباب الاستقالة

يمكن تفصيل دوافع استقالة زاهد في ثلاث مستويات رئيسية وهي: أولا تقييد حرية التعبير، فزاهد أشار إلى أنه كان يتوقع أن تكون عضويته في المجلس منحته استقلالية كاملة للتعبير عن آرائه، لكن الانتقادات وردود الأفعال أظهرت أن هناك حدودًا لممارسة النقد داخل المجلس.

وثانيا اعتراض على التعيينات الجديدة، فتعيين سقّاب أصفهاني اعتُبر مؤشرا على استمرار سياسات عهد رئيسي، وهو ما لم يتوافق مع طموحات الإصلاحيين داخل الحكومة، واعتبره زاهد خطوة تخالف روح الوفاق الوطني.

وأخيرا فقدان الثقة والتعبير عن الخجل، فزاهد لم يكن الوحيد الذي عبّر عن شعور بالخجل أو الإحباط تجاه أداء الحكومة. فقد سبق وأن أبدى حشمت ‌الله فلاحت ‌بيشه وغيره من داعمي بزشكيان شعورهم بعدم تحقيق وعود الرئيس، سواء في ملفات الحجب أو الإصلاحات الاقتصادية.

Image

بعد اجتماعي ورمز سياسي

ذكر زاهد قضية انتحار فؤاد شمس ليس مجرد حادث عابر، بل كان بمثابة رمز اجتماعي يعكس فجوة بين السياسات الحكومية واحتياجات المجتمع. فالاتهام الضمني للحكومة بعدم إعطاء الأولوية للناس، مقابل منح مناصب لأشخاص محسوبين على تيارات سياسية قوية، يفتح باب النقاش حول جدوى شعار “الوفاق الوطني” في سياق التنفيذ الفعلي.

سادسًا: موقف الحكومة

استقالة زاهد قُبلت سريعًا من إلياس حضرتي، مما يشير إلى نوع من الدبلوماسية الإدارية لتجنب تصعيد الأزمة. ومع ذلك، فإن هذا القبول السريع قد يُفسر لدى الإصلاحيين على أنه مؤشر على أن الحكومة لا ترغب في وجود أصوات نقدية داخلها، بل تفضل أصواتًا “متعاونة” أو صامتة.

انعكاسات على الوفاق الوطني

استقالة زاهد تضع أمام الحكومة سؤالا مركزيا: هل يمكن للوفاق الوطني أن ينجح إذا كانت القاعدة الإصلاحية تفقد الثقة تدريجيا؟

إن انسحاب شخصيات بارزة مثل زاهد وظهور حالات مشابهة من حلفاء الرئيس السابقين يعكس تآكل الثقة داخل الصفوف الإصلاحية. وتعيينات شخصيات محسوبة على الأصوليين والمتشددين تعزز الانطباع بأن الوفاق الوطني أصبح شعارا أكثر منه ممارسة سياسية حقيقية.

هناك فجوة بين خطاب الرئيس وممارسات الحكومة تزيد من إحساس الإصلاحيين بأنهم “شركاء شكليين”، وليسوا فاعلين في صنع القرار.

استقالة فيّاض زاهد ليست حدثًا فرديًا، بل مؤشر على تحديات أوسع تواجه حكومة بزشكيان. فهي تكشف عن هشاشة مشروع الوفاق الوطني، وقيود استقلالية التعبير داخل المجلس التنفيذي، بالإضافة إلى توترات داخلية بين الإصلاحيين والأصوليين.

من زاوية واحدة، يمكن اعتبار الاستقالة فرصة للحكومة لتقويم سياساتها، وإعادة النظر في مشاركة التيار الإصلاحي بشكل فاعل، بما يعزز مصداقية الوفاق الوطني. ومن زاوية أخرى، قد تُفسّر كرسالة مفادها أن الحكومة تفضل الاستقرار الداخلي على حساب النقد البناء، مما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الرؤية المعلنة للوفاق الوطني والممارسة الفعلية على الأرض.

الأسابيع القادمة، مع متابعة التعيينات والقرارات السياسية، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت استقالة زاهد محطة عابرة أم بداية مرحلة جديدة من تصدّع حكومة بزشكيان على خلفية الصراعات بين تيار الإصلاح والتوجهات الأصولية.