«زاد إيران» تحقق: طهران تواجه أسوأ جفاف منذ 6 سنوات.. هل يُنقذ ديسمبر إيران من كارثة التغير المناخي؟

بلغت أزمة المياه ذروتها، في وقت لم تشهد مدنٌ عديدة في إيران غيمةً واحدةً منذ أيام، ويبدو أنه لا توجد أي مؤشرات على هطول أمطار غزيرة في القريب العاجل، ربما قبل عقود من الزمن، عندما كانت أزمة المياه محل نقاش، لم يكن أحد ليتصور أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سوف يتحدث ذات يوم عن إخلاء العاصمة طهران بسبب نقص المياه؛ حتى في تلك الأيام، عندما كانت حرب المياه تناقش، كان كثيرون يعتقدون أنها قضية عامة وليست أكثر من وجهة نظر متشائمة.

في قلب هضبة إيران، حيث كانت الأنهار تتدفق ذات يوم كشريان حياة للحضارة، يواجه 89 مليون إنسان اليوم شبح الظمأ الأبد، انخفاض هطول الأمطار بنسبة 86.7% حتى 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 – وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية الإيرانية الرسمية – ليس مجرد إحصائية باردة، بل صرخة إنذار تدوي في أروقة السلطة وشوارع المدن، هذا الرقم يمثل أسوأ انطلاقة مائية منذ 50 عاما، تحول فيها الخريف السادس على التوالي إلى صحراء قاحلة، وسبع محافظات كاملة إلى أرض ميتة بلا قطرة مطر واحدة.

بين عشية وضحاها تتحول طهران – العاصمة النابضة بـ22 مليون نسمة – إلى مدينة أشباح، صنابيرها جافة، وشوارعها مغطاة بغبار اليأس، الرئيس مسعود بزشكيان يحذر صراحة: “إخلاء العاصمة قد يصبح واقعا”، سدود البلاد فارغة بنسبة 62%، بحيرة أرومية مجرد ذكرى باهتة، وزاينده‌رود قبر مفتوح للزراعة، في أسبوع واحد فقط، تفاقم الجفاف من 81.8% إلى 86.7%، محولا النقص الموسمي إلى كارثة هيكلية تهدد الأمن القومي، الغذائي، والاجتماعي.

Image

في هذا التحقيق الخاص من «زاد إيران» نكشف الوجه الخفي للأزمة: كيف يبتلع التغير المناخي إيران بسرعة مخيفة، مع توسع الصحراء شمالا بـ50 كم سنويا، واختفاء الأنهار الجليدية إلى الأبد، لكن هل يحمل ديسمبر/ كانون الأول مفتاح الخلاص، أم هو مجرد وهم في وجه انهيار مناخي لا رجعة فيه؟ نكشف كيف تفاقمت الأزمة خلال أسبوع واحد فقط، وكيف أصبحت سبع محافظات بلا قطرة مطر واحدة، مع تحذيرات من إخلاء العاصمة طهران وتعليق مصير أمة على حافة الهاوية.

أزمة المياه

تقع إيران وتركيا والعراق في قلب الأزمة ففي إيران، أفادت التقارير بأن احتياطيات السدود الرئيسية التي تُزوّد ​​طهران بمياه الشرب، بما في ذلك سدود أمير كبير ولار وليتيان، في حالة حرجة؛ إذ أن بعض هذه الخزانات شبه فارغة، وهناك احتمال لحدوث نقص في المياه في الأسابيع المقبلة. 

وقد حذّر الخبراء من أن الانخفاض التاريخي في هطول الأمطار وتآكل الموارد الجوفية يُعرّض سلسلة إمدادات المياه في العاصمة لخطر مباشر، ووفقًا لبيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يُعدّ عاما 2024 و2025 من بين أكثر الأعوام حرارةً على الإطلاق. وقد أدى ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض هطول الأمطار الموسمية، وزيادة التبخر إلى انخفاض احتياطيات المياه السطحية في العديد من البلدان إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.

في ظل أزمة مناخية غير مسبوقة، سجلت إيران انخفاضا كارثيا في الهطولات المطرية بنسبة 86.7% مقارنة بالمتوسط طويل الأمد حتى 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وفق بيانات هيئة الأرصاد، هذا الانخفاض ليس مجرد تقلب موسمي، بل يمثل السنة الأكثر جفافا منذ 50 عاما، ويحول نقص المياه من تحدٍ مؤقت إلى كارثة هيكلية تهدد الأمن القومي.

تفاقم الجفاف في أسبوع واحد

انخفضت الأمطار في إيران من 1 وحتى 12 نوفمبر بنسبة 90% عن المتوسط طويل الأمد (0.7 مم مقابل 7.0 مم).

ومنذ بداية السنة المائية الحالية (1 أكتوبر/ تشرين الأول وحتى 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025)، بلغت كمية الأمطار 2.3 مم فقط، أي أقل بنسبة 81.8% من المتوسط التاريخي البالغ 12.8 مم في الفترة نفسها.

أكد أحد فازفي، رئيس المركز الوطني للمناخ وإدارة أزمات الجفاف، أنه حتى الأسبوع المقبل لن يمر أي نظام هطول فعال، مما يعني استمرار الجفاف الحاد.

انهيار موسمي

هذا هو الخريف السادس المتتالي الأكثر جفافا في تاريخ إيران الحديث، مقارنة بين بدايات الموسم: حيث تبدأ السنة المائية (من 22 سبتمبر/ أيلول 2025 إلى 20 سبتمبر/ أيلول 2026) هذا العام بأسوأ انطلاقة منذ عقود.

Image

7 محافظات بلا أمطار 

بحسب البيانات الجوية، خلال الأشهر الستة الأولى من العام، وخاصة منذ بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول، شهدت عدد كبير من المحافظات، خاصة في الهضبة الوسطى والمحافظات المجاورة في جبال زاغروس، الفترة الأكثر جفافا في السنوات الأربعين الماضية.

Image

يُظهر جدول المعلومات المكانية لهطول الأمطار حسب المحافظات أنه منذ بداية السنة المائية الحالية (1 أكتوبر/تشرين الأول 2018)، شهدت جميع المحافظات انخفاضًا في هطول الأمطار مقارنةً بالفترة الزمنية الطويلة، وشهدت إحدى عشرة محافظة، بما في ذلك يزد، وهمدان، والمحافظة المركزية، وكهكيلويه وبوير أحمد، وكرمانشاه، وكردستان، وخوزستان، وجهار محال وبختياري، وعيلام، وأصفهان، انخفاضا في هطول الأمطار بنسبة 100%. 

Image

لم تقترب أي محافظة من المتوسط طويل الأمد، مما يعني انهيارا كاملا لدورة المياه الطبيعية وتُعد 2025 السنة الأكثر جفافًا في طهران منذ 60 عاما.

انخفاض هطول الأمطار في العاصمة بنسبة 94%

شهدت محافظة طهران، العاصمة، أيضًا نقصًا في هطول الأمطار، فبينما يبلغ متوسط ​​هطول الأمطار طويل الأمد في طهران 20.3 مليمترًا، لم يتجاوز متوسط ​​هطول الأمطار 1.1 مليمترا في السنة المائية الحالية وبالتالي، شهدت انخفاضًا في هطول الأمطار بنسبة 94.4%.

Image

أشارت هيئة الأرصاد الجوية في البلاد أيضًا إلى أن حالة السدود الرئيسية التي تُغذي مياه الشرب في المدن الكبرى مثل طهران وتبريز ومشهد وأراك قد وصلت إلى حالة شح المياه أو تقترب منها، بمعنى آخر، انخفضت الاحتياطيات القابلة للسحب إلى أدنى حد.

وهو ما أدى إلى الاعتماد الكامل على الموارد الجوفية، مما يُفاقم خطر هبوط منسوب المياه وندرة الموارد المائية لسنوات قادمة، ولذلك أصدر الرئيس مسعود بزشكيان تحذيرا شديدا: “احتمال تقنين المياه بحلول ديسمبر/ كانون الأول 2025، وربما إخلاء العاصمة مستقبلا”.

مع أكثر من ربع سكان إيران (حوالي 22 مليون نسمة) في طهران وكرج، حيث يُصرف أكثر من 50% من الموارد المائية للشرب، فإن الأزمة تهدد الاستقرار الاجتماعي.

Image

لكن الخبر الأسوأ: لا أمطار متوقعة حتى ديسمبر/ كانون الأول 2025، وفقا لـ منظمة الأرصاد الجوية.. هل انتهى عصر المطر في إيران؟ ولذلك حذر الخبراء لسنوات من عواقب انخفاض هطول الأمطار، والانخفاض الحاد في موارد المياه الجوفية، وسوء إدارة المياه، فإن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة للسنة المائية الماضية تظهر أن البلاد دخلت الآن مرحلة حيث لم يعد “الجفاف” ظاهرة مؤقتة؛ بل أصبح حقيقة دائمة في جغرافية إيران.

وبناء على هذه الظروف، أصدر المركز الوطني لإدارة أزمات المناخ والجفاف في وقت سابق تحذيرا خطيرا ودعا كافة المسؤولين والمؤسسات التنفيذية والبلديات والصناعات والمزارعين وعامة الناس إلى إدارة المياه بشكل جدي وترشيد استهلاكها. 

التيارات النفاثة تنتقل شمالا: لماذا يجف الجنوب؟ 

“الصحراء تتوسع شمالا بسرعة 50 كم سنويا.. وإيران في قلب الطريق”، يقول أحد فازفي، رئيس المركز الوطني لإدارة أزمة الجفاف يكشف آلية فيزيائية مرعبة: خلية هادلي تتمدد: الهواء الجاف يهبط الآن عند خط عرض 35 درجة شمالا بدلا من 30 والنتيجة؟ جنوب إيران (بوشهر، هرمزگان، كرمان) يتحول إلى صحراء سعودية المناخ بحلول 2040، وانتقلت التيارات النفاثة 300 كم شمالا خلال 30 عاما، محملة الأمطار بعيدا عن هضبة إيران.

Image

“لو كانت شرق إيران تحتوي على بحيرات، لكانت رياح الـ120 يوما تحمل رطوبة.. لا غبارا”، يضيف  فازفي، لكن الاحتباس الحراري رفع درجة الحرارة في إيران بـ 2.3 درجة خلال 50 عاما بما يعادل +18% تبخر، والنتيجة؟ الأنهار الجوفية تنضب بسرعة 3 أمتار سنويا.

إيران تسجل أشد عام مائي جفافاً منذ عقدين

كشف تقرير رسمي حديث صادر عن إدارة الموارد المائية في وزارة الطاقة الإيرانية، أن العام المائي (من أكتوبر 2024 إلى سبتمبر 2025) هو الأكثر جفافاً على مستوى البلاد خلال الـ20 سنة الأخيرة، مسجلا انخفاضا في متوسط هطول الأمطار بلغ 36 مليمترا تحت المتوسط طويل الأمد، ونسبة 20% دون المعدل الطبيعي المتعدد السنوات، وتصدرت المحافظات الجنوبية والجنوبية الشرقية قائمة المناطق الأكثر تضررا، حيث انخفض هطول الأمطار في سيستان وبلوشستان هرمزغان وبوشهر بنسب تراوحت بين 70 و90% تحت المعدل الطبيعي. 

Image

في المقابل، لم تتجاوز محافظتا جيلان ومازندران الشماليتان المتوسط الطبيعي إلا بقليل، وهو ما لا يكفي لتعويض العجز الهائل في باقي أنحاء البلاد.

“المنطقة الحمراء”

أظهر تحليل مكتب بيانات المياه الوطني أن جميع الأحواض المائية التسعة الكبرى سجلت انخفاضا حادا:

في المخزون المائي يتراوح بين 35-90%.

أخطرها حوض هامون (60-90%) وبلوشستان الجنوبية الشرقية (85%) مع توقف شبه كامل للأنهار ومستويات تخزين سدود تاريخية منخفضة.

Image

مخزون السدود عند أدنى مستوى منذ سنوات

بلغ إجمالي التخزين في سدود إيران بنهاية العام المائي الماضي نحو 39 مليار متر مكعب فقط، بانخفاض 15% عن العام السابق، ومن أصل 180 سدا كبيرا:

• أكثر من 60% منها دون 50% من سعتها

• اقتربت سدود عملاقة مثل دز، كرخه، كارون 3، زاينده رود، ودورودزان من “الخط الأحمر” التشغيلي

كما انخفض تدفق المياه الوارد إلى السدود بنسبة 30% مقارنة بالعام السابق، مما يعكس ليس فقط قلة الأمطار، بل تراجعاً حاداً في الجريان السطحي، ومع دخول البلاد خريف 2025، تؤكد الأرقام الرسمية أن إيران تواجه واحدة من أخطر سنوات الجفاف في تاريخها الحديث، مما يهدد الزراعة والمياه الصالحة للشرب والطاقة الكهرومائية في معظم المحافظات، في وقت لا تزال فيه توقعات هطول الأمطار للشتاء القادم غير مشجعة حتى الآن.

المدن المهددة

تعاني إيران من أزمة مياه حادة تهدد مدنًا كبرى: طهران (15 مليون نسمة) بسد أمير كبير فارغ بنسبة 71%، ويزد بأمطار 48 مم/سنة فقط.

كرمان فقدت 800 بئر جوفية في 2025، وأراك تعاني تلوث مياهها الجوفية بالمعادن الثقيلة بسبب الاستنزاف.

Image

إيران تواجه أزمة مناخية حادة: انخفاض الهطولات يهدد الأمن الغذائي ويفرض إعادة هيكلة استهلاك المياه

في تطور يعكس عمق التحديات البيئية، أكد صفدر نيازي، نائب وزير الزراعة لشؤون المياه والتربة، يوم الخميس 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أن احترار الكوكب تحول من مجرد تنبؤات إلى واقع ملموس يواجهه الإيرانيون يوميا، مع تراجع ملحوظ في معدلات الأمطار يهدد الاستقرار الزراعي، وكشف نيازي عن أرقام مقلقة: انخفض متوسط الهطولات السنوية من 234 ملم كمتوسط طويل الأمد إلى 140 ملم فقط في العام الماضي، مع توقعات بتفاقم الوضع هذا العام، وفي خطوة إيجابية للتكيف، تراجع استهلاك المياه الزراعية من 80-90 مليار متر مكعب إلى 45 ملياراً، مما يعكس جهوداً للحد من الهدر رغم الضغوط، وأبرز المسؤول دور الزراعة كخط دفاع أول للأمن الغذائي، مشددا على أن المنتجين يقودون معركة الاستقلال الغذائي. 

Image

وسلط نيازي الضوء على مشروعين استراتيجيين في محافظة أذربيجان الغربية: 

  • شبكة مائية حدودية تغطي 61 ألف هكتار.
  • سد بحيرة أرومية الممول من صندوق التنمية الوطني بتوجيه من القائد الأعلى علي خامنئي.

ودعا نيازي إلى ثورة في إدارة الموارد عبر “حوكمة شعبية” تحول كل قطرة ماء إلى قيمة اقتصادية، مع مشاركة المجتمع في الحفاظ والقرار، وختم بتحذير صارخ: “المياه والتربة أبرز التحديات الوطنية”، محذرا من تداعيات تجاهلها.

توقعات بتحسن في الهطول

أعلن أحد فازفي، رئيس المركز الوطني لإدارة أزمة المناخ والجفاف بهيئة الأرصاد الجوية الإيرانية، أن البلاد ستشهد تحسنا تدريجيا في معدل هطول الأمطار خلال الأيام العشرة القادمة وبداية ديسمبر/ كانون الأول 2025، مع أمطار غزيرة متوقعة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية خلال النصف الثاني من شهري ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني، مما قد يعوض جزئياً النقص الحاد المسجل هذا الخريف.

Image

وأوضح فازفي أن طهران سجلت هذا الخريف أدنى معدل أمطار منذ ست سنوات بواقع مليمتر واحد فقط، بانخفاض 95% عن المتوسط التاريخي البالغ 21 مليمترا، مشيرا إلى أن الجفاف الحالي يُعد الأسوأ في العاصمة منذ أبريل/ نيسان 2025، وأكد أن الأسبوع الجاري سيظل شبه جاف في معظم المناطق، لكن نظاما ممطرا سيبدأ من الأحد يؤثر على الغرب والساحل الشمالي مع أمطار خفيفة محتملة في طهران، على أن يشتد الهطول بشكل واضح من منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2025 فصاعدا.

وعزا فازفي التحسن المتوقع إلى دخول مؤشر مادين-جوليان مرحلة نشطة تنقل الرطوبة من المحيط الهندي، إلى جانب تحول مؤشر شمال الأطلسي (NAO) إلى الطور السلبي، مما يدفع الهواء البارد والرطوبة نحو إيران عبر شرق المتوسط، وختم فازفي بأن الشتاء الحالي مرشح ليكون أفضل من سابقه، خاصة في الجنوب والجنوب الغربي، مع أنظمة ممطرة قوية تعوض جزءاً كبيراً من العجز المتراكم.

حقيقة “مقاطعة المطر” 

رداً على الجدل الواسع في وسائل التواصل الاجتماعي حول مقارنة هطول الأمطار في إيران بدول الجوار مثل تركيا، نفى خبير الأرصاد الجوية أي تدخل بشري أو “مقاطعة” مصطنعة للأمطار، موضحاً أن إيران تقع في “منطقة المصب” المناخي، حيث تعيق سلاسل جبال البرز انتقال الرطوبة من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود إلى المناطق الداخلية مثل طهران، في حين تستفيد تركيا من تضاريسها الجبلية في توجيه الرطوبة نحو أراضيها.

Image

وأكد خبير الأرصاد رفضه التام للادعاءات غير العلمية، مشددا على أن طاقة الأنظمة الجوية تفوق بكثير قدرات التكنولوجيا البشرية على التأثير فيها، وأشار إلى أن نقص الأمطار يضرب المنطقة بأكملها، بما في ذلك تركيا – رغم تفوقها النسبي – والعراق وأفغانستان وأذربيجان، حيث اضطرت بعض هذه الدول إلى فرض قيود صارمة على استهلاك المياه لمواجهة خطر الجفاف المتصاعد.

آثار التغير المناخي

في ختام تصريحاته، أكد فازفي ربط الجفاف المستمر في إيران بتأثيرات التغير المناخي العالمي، مشيراً إلى أن زيادة غازات الاحتباس الحراري منذ عصر التصنيع رفعت درجة حرارة الأرض بنحو درجة مئوية واحدة عالمياً، وثلاث درجات في القارات مقارنة بالمائة عام الماضية، فيما سجلت إيران ارتفاعا يتراوح بين درجتين و2.5 درجات خلال الخمسين عاماً الأخيرة، وأوضح أن هذا الاحترار غيّر مسارات العواصف، مما زاد من عرضة الشرق الأوسط وإيران للجفاف، معتبراً ذلك تفسيراً علمياً واضحاً للوضع الحالي دون الحاجة إلى نظريات المؤامرة.

Image

أظهرت أحدث عمليات المحاكاة والتنبؤات باستخدام النماذج العددية أن شذوذ هطول الأمطار في فصل الشتاء يميل إلى أن يكون طبيعيا، ولا شك أن هذا التوقع ليس سوى بصيص أمل، في ظل سنوات الجفاف المتتالية، التي تُبعد البلاد لفترة وجيزة فقط عن أزمة الجفاف الشديد، لأن مشكلة المياه لم تعد مشكلة مؤقتة، وقد طرأت تغيرات جوهرية على مناخ إيران في الماضي، كانت هناك العديد من الأنهار الجليدية في سلسلتي جبال البرز وزاغروس.

لكنها اليوم اختفت جميعها تقريبا، ولم يبقَ على القمم سوى أجزاء من الأنهار الجليدية، ولكن بشكل عام، لم يعد هناك نهر جليدي مستقر يصمد طوال الصيف، يؤكد خبراء المناخ أن ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، وزيادة التبخر، قد فاقمت الجفاف في الوقت نفسه، فاقمت الأنشطة البشرية، مثل الإفراط في بناء السدود، والضخ المكثف للمياه الجوفية، وسوء إدارة الموارد، من تأثير المناخ، وفي العديد من المناطق بالمنطقة، بما في ذلك إيران وتركيا، تضافرت هذه العوامل لتسريع انخفاض مستوى سطح البحر، وجعلت من الصعب التعافي.

عواقب واسعة النطاق

لانخفاض منسوب مياه البحيرات عواقب مباشرة على حياة الإنسان والنظم البيئية، ومن أهم هذه الآثار نقص مياه الشرب، وفقدان الأراضي الرطبة وموائل الطيور المهاجرة، وزيادة تلوث الغبار، وإلحاق الضرر بالزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية، ويحذر الخبراء من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يصبح عام 2026 أحد أكثر الأعوام جفافاً في القرن ــ وهو العام الذي لن يصبح فيه ندرة المياه مجرد أزمة إقليمية فحسب، بل تهديداً عالمياً للأمن البشري والبيئي.

حذّرت مديرة مراقبة جودة الهواء في طهران، فاطمة كريمي، من أن التلوث الخانق الذي يخنق جنوب العاصمة لم يعد نتيجة المصانع فقط، بل أصبح ظاهرة مركبة ومستمرة ناتجة عن تفاعل ثلاثي خطير: الجفاف الشديد والرياح القوية مع التفاعلات الكيميائية في الجو، وأكدت كريمي في تصريحات صحفية: “ما نشهده الآن ليس تلوثاً صناعياً عابرا، بل كارثة بيئية مُركّبة لن تتراجع إلا بتغيير جذري في المناخ”، من جهته، كشف مدير عام الأرصاد الجوية في طهران، حميدرضا خورشيدي، أن موجة الغبار الحالية “ستستمر إلى أجل غير مسمى” طالما بقيت التربة جافة تماماً، مشددا على أن “الغبار لن يختفي إلا بعودة الرطوبة الطبيعية إلى الأرض، وهذا لن يحدث بدون أمطار غزيرة ومستمرة لم نشهدها منذ سنوات”.

Image

وفي تطور يؤكد عمق الكارثة المناخية، أعلن خبراء بيئيون اختفاء الأنهار الجليدية الدائمة تقريباً بالكامل من سلاسل جبال البرز وزاغروس، التي كانت في الماضي تغذي الأنهار طوال العام بانصهارها التدريجي.

اليوم لم يبقَ سوى بقايا صغيرة جدا في أعلى القمم، ولا يوجد أي نهر جليدي واحد يصمد طوال فصل الصيف، المختصون وصفوا هذا الاختفاء بأنه “دليل قاطع ونهائي على تحول مناخي دائم وغير قابل للتراجع في إيران”.

خبير بيئي بارز يحذّر: طهران على حافة كارثة بيئية

من جهته؛ حذّر الخبير البيئي الدكتور محمد درويش من أن وسط إيران لا يتسع لمزيد من السكان، وأن طهران تحولت من أرض رطبة إلى مصدر للغبار وعواصف رملية، وتعاني هبوط أرض يصل إلى 36سم سنويا وتلوثا شديدا، وتحتل العاصمة المركز الثالث عالميا في معدلات الصرع بسبب نقص الخدمات، وأكد أن نقل المزيد من المياه إلى طهران سيفاقم الكارثة، بينما توفير 10% فقط من مياه الزراعة في المحافظة (540 مليون م³) يكفي لـ5 ملايين نسمة إضافية.

ودعا درويش إلى التخلي عن مشاريع نقل المياه البعيدة، وإنشاء مدن ساحلية حديثة على الخليج العربي وبحر عمان “أجمل من دبي والدوحة” تعتمد على التجارة الخضراء والشركات الناشئة، مستفيدة من موقع إيران كممر وحيد لآسيا الوسطى إلى البحر المفتوح، لتحقيق تنمية مستدامة بدلاً من استنزاف الوسط.

حان وقت إعادة هيكلة التنمية حول المياه، الخبراء يجمعون على ضرورة:

  • تخطيط طويل الأمد محوره المياه.
  • تكييف التنمية مع القدرة المناخية لكل منطقة.
  • التحول من نموذج الاستهلاك العالي إلى الاستدامة.

أزمة المياه- أزمة الإدارة

بحسب الخبراء فإن ما تواجهه طهران اليوم ليس مجرد “نقص في هطول الأمطار”، بل أزمة في إدارة المياه. 

ففي العقود الأخيرة، لم تفشل إيران في التكيف مع تغير المناخ فحسب، بل استنفدت أيضا مواردها المائية المحدودة من خلال سياسات التنمية الخاطئة، والإفراط في حفر الآبار، ونقل المياه بين أحواض الأنهار، وبناء السدود دون داعٍ وإذا لم يكن هناك إصلاح جدي في أنماط الاستهلاك، وإدارة الموارد، لدى المواطنين والتنسيق بين المؤسسات المسؤولة، فإن العاصمة سوف تغرق بشكل أعمق في دوامة ندرة المياه كل عام.

كلمات مفتاحية: