- زاد إيران - المحرر
- 684 Views
تشهد الساحة الإيرانية لحظة سياسية لافتة، أثارت موجة واسعة من التفاعلات داخل الأوساط الإعلامية والشعبية، وبينما تتعدد القراءات حول دلالات هذا الحدث، يزداد الجدل حول ما إذا كانت البلاد تقف أمام نقطة تحول في أسلوب إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، أم أن ما جرى لا يعدو كونه حلقة جديدة في سلسلة إجراءات شكلية لا تمس جوهر النظام. هذه اللحظة، بما تحمله من رمزية، فتحت الباب لأسئلة أعمق حول المستقبل السياسي والديني في إيران.
ففي تطور سياسي لافت، أعلنت مصادر رسمية في طهران أن كاظم صديقي، إمام جمعة طهران المؤقت لأكثر من 17 عاما، تقدم بطلب إعفائه من منصبه، وهو الطلب الذي وافق عليه المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في خطوة حملت دلالات عديدة، منها ما هو ديني وشخصي، ومنها ما هو سياسي واجتماعي، وسط أجواء من التساؤل حول حقيقة ما جرى.
فحسب تقارير وسائل الإعلام، فقد وجه صديقي خطابا إلى المرشد الأعلى شكره فيه على ثقته به طوال السنوات الماضية، وطلب إعفاءه من إمامة صلاة الجمعة في طهران بدعوى رغبته في التفرغ للعمل العلمي والتدريسي والدعوي، وفي الردّ الرسمي من مكتب المرشد، أعرب خامنئي عن امتنانه لجهود صديقي في إقامة صلاة الجمعة خلال 17 عاما، وما تخللها من خطب وصفت بالمفيدة والمؤثرة، ووافق على طلب التنحي.

جدير بالذكر أنه وبموجب المادة 19 من القانون الإيراني، فإن هذه الاستقالة تعني أيضا نهاية مهامه كرئيس لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكون هذا المنصب يسند وفق القانون إلى أحد أئمة الجمعة المؤقتين في طهران، الذين يختارهم مجلس سياسات أئمة الجمعة.
خلفية الاستقالة
تأتي تلك الاستقالة على خلفية قضايا الفساد التي لاحقت صديقي وأقاربه، والتي أثارت جدلا واسعا في الشارع الإيراني وأوساط النخب السياسية والدينية على حد سواء. ففي عام 2025، تفجرت قضية مرتبطة مباشرة بالحوزة الإمام الخميني العلمية في منطقة أزغُل شمال طهران، والتي يشرف عليها صديقي، حيث تم الكشف عن ملكية حديقة تعود للحوزة، تبلغ مساحتها 4200 متر مربع جرى نقل ملكيتها لاحقا إلى شركة غير تجارية باسم أتباع فكر القائم أسسها صديقي مع عدد من أبنائه وأصدقائه، كما شغلت زوجة أحد أبنائه منصب مفتشة داخلها، وبعد انتشار هذه التفاصيل، ألقي القبض على ابن صديقي وزوجته، ما فاقم من الضغوط عليه.

ورغم محاولات صديقي نفي مسؤوليته، وتقديمه نفسه كضحية لعملية تزوير وخيانة أمانة من قبل من كان يثق بهم، فإن الرأي العام لم يقتنع بتلك التبريرات، خصوصا مع تتابع الفضائح المتعلقة بتحويل إيرادات فندق جهان في مشهد والمملوك للحوزة، إلى حسابات شخصية لأفراد من عائلته، كما تم الكشف عن عمليات نقل ملكية لأراضي الحوزة إلى شركات مرتبطة بأبنائه.
ليأتي المشهد الأخير قبل الاستقالة عندما اعتلي صديقي منبر جمعة طهران مرة أخرى في 19 يوليو/تموز 2025 ليقابَل بعاصفة من الانتقادات الحادة من مختلف التيارات الإيرانية، فيما كتبت الصحف حينها أن هذا يعد عنادا مع الشعب وأن عواقبه وخيمة على نفوس الأفراد الذين خرجوا مترابطين بعد حرب 12 يوما التي وقعت بين إيران وإسرائيل.
هل كانت استقالة طوعية أم إقالة مغلفة؟
رغم أن البيان الرسمي أشار إلى أن استقالة حجة الإسلام كاظم صديقي من منصبه كإمام جمعة مؤقت لطهران جاءت بناءً على طلب شخصي منه، بهدف التفرغ للنشاطات العلمية والتدريسية، فإن عدة وسائل إعلام إيرانية طرحت روايات مغايرة، وذهبت إلى أن ما حدث لا يمكن فهمه إلا في سياق لإقالة المقنعة، المرتبطة بتصاعد الانتقادات ضده واتهامات الفساد التي طالت أسرته.
فمن جانبها شككت صحيفة هم ميهن في عددها الصادر الاثنين 4 أغسطس/آب 2025 في هذا الأمر، حيث كتبت: “من الواضح أن ضغط الرأي العام، وعلى الأرجح أيضا طلب المقربين منه، دفعه للبحث عن وسيلة للتنحي عن المنبر،
الطريق الأول، الذي يتسم بالصدق، كان أن يوضح بصراحة، استنادا إلى ما سبق أن قيل، موقفه من ملفات الفساد التي وجهت له ويعتذر من الشعب، ثم يستقيل احتراما لمكانة منبر صلاة الجمعة، الذي هو إرث الثورة وموقع شخصيات عظيمة مثل أول إمام جمعة لطهران طالقاني”.

وتكمل: “لو كان قد فعل ذلك، ربما لكان المصلون أنفسهم قد عاملوه برحمة، واعتبروا صراحته علامة إيجابية، أما الطريق الثاني، فهو الاستمرار في سياسة الإنكار السابقة، بالبحث عن ذريعة للتغيب عن خطبة الجمعة، التي تقام كل بضعة أسابيع، وتقديم الاستقالة على هذا الأساس، ومن اللافت أنه في نص خطاب الاستقالة، تم تقديم الأنشطة التبليغية كسبب لترك إمامة الجمعة، كأن الشخص يستقيل من منصب تبليغي ليتفرغ لأعمال تبليغي! وهل إمامة صلاة الجمعة ليست من صلب العمل التبليغي؟”.
وتتابع: “تم اختيار هذا الطريق، رغم علم الجميع بحقيقة الأمر، ورغم أن الحقيقة مكشوفة. ومع ذلك، لا تزال تطرح مبررات لا تتطابق مع الواقع كأسباب للاستقالة، في الحقيقة، هذا الإصرار على الاستمرار في نفس النهج السابق هو ما يزيد من انعدام الثقة إلى أقصى حد، والأسوأ أن هذا الأسلوب لا يحقق أي أثر إيجابي في الرأي العام، ولا أحد يفهم لماذا تم اختياره”.
ردود الفعل على الاستقالة
هذا فيما قوبلت هذه الاستقالة بترحيب واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي هذا السياق، كتب أمير حسين ثابت، النائب الأصولي عن طهران: “لقد وافق قائد الثورة على استقالة صديقي من إمامة صلاة الجمعة في طهران، أشكر السيد صديقي على احترامه لمطلب الرأي العام (الاستقالة)، وأتمنى بصدق أن يتحول منبر صلاة الجمعة، من خلال التجديد والتغيير، إلى منصة فعالة لعرض المطالب المحقة للمجتمع. فخطب أئمة الجمعة تملك طاقة نادرة يجب إحياؤها، لأنها قادرة على نقد السياسات الخاطئة، وإصلاح الأوضاع، وتضييق الخناق على المديرين الفاسدين وغير الأكفاء”.

أما وحيد اشتري، الناشط السياسي فقد أعاد نشر إحدى تغريداته القديمة وكتب: “السيد صديقي أُقيل أخيرا، كانت هذه من أولى تغريداتنا التي كتبناها على تويتر في إطار النهي عن المنكر، عندما انتقدنا رئيس هيئة الأمر بالمعروف بسبب مشاركته في افتتاح مسجد إيران مال، كم من الإهانات تلقينا خلال هذه السنوات لكسر حرمة هؤلاء الأشخاص”.

كما كتب كامبيز مهديرزاده، صهر الرئيس السابق حسن روحاني: “بتدبير القائد، ظهرت الحقيقة، ومن محراب الجمعة استؤصل صديقي”.

أما السياسي البارز عزت الله ضرغامي فقال: “أشكر السيد الحاج صديقي على هذه الخطوة القيمة، وأسأل الله له الصحة والتوفيق في شؤونه العلمية والتدريسية”، وختم محمد رضا مهاجر، الناشط الإعلامي، بالقول: “رغم أنها متأخرة، فإن صديقي قد رحل”.

من جانبه، قال الناشط السياسي علي صوفي في حديث مع صحيفة اعتماد تعليقا على ذلك: “إن سبب الاستقالة واضح تماما، فقد ارتكب تجاوز كبير وخطير من قِبل صديقي وأقربائه، وهو تجاوز ذو طابع مالي واسع، حدث ضمن إطار إمامة الجمعة وهيئات مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثار ردود فعل واسعة. وكان الجميع يتوقع التعامل بجدية مع مثل هذا الحدث، على الأقل عبر تنحيه عن إمامة الجمعة”.

وأضاف صوفي: “هذه الخطوة كانت في الحقيقة استجابة لرغبة الشعب، وتجليا لانسجام الحكم مع المطالب العامة، صحيح أن هذا التغيير قد لا يحدث فارقا عمليا كبيرا، لكنه يمكن أن يكون جزئيا ردا على المطلب الشعبي”.
هل تفتح الاستقالة الباب لمسار جديد من التغيير؟
تحمل استقالة كاظم صديقي من موقعه دلالات تتجاوز البعد الفردي، وتلمح إلى إمكانية فتح ثغرة، ولو محدودة، في جدار الجمود الذي ظل يطبع علاقة السلطة بالمجتمع في إيران، فالتعامل الرسمي مع الاستقالة لم يأت على شكل صراع أو تكتم، بل كرس عبر وسائل الإعلام كخطوة طوعية قدمت باعتبارها نابعة من إرادة التفرغ العلمي والدعوي، الأمر الذي يعكس محاولة احتواء غضب شعبي متزايد دون خسارة الهيبة المؤسسية.

لكن في خلفية المشهد، تكررت الإشارة إلى المطالب العامة كعامل مؤثر في مغادرة صديقي، وهو ما فتح المجال لتأويل أوسع بشأن إمكانية تحوّل استقالة بهذا المستوى إلى نقطة انعطاف رمزية في توازنات الداخل، فالإعلام الإيراني، رغم تجنبه الإقرار بوجود ضغوط سياسية أو قضائية مباشرة، لم ينكر أن مناخا من التململ الشعبي أحاط بالملف، وأن ثمة حاجة إلى تحول في خطب الجمعة بما يجعلها أداة إصلاح لا منصة تبرير، وهذا بحد ذاته يُعد خروجا عن خطاب الإنكار التقليدي.
في هذا السياق، يمكن فهم الاستقالة ليس كمجرد نهاية مسيرة شخصية، بل كمؤشر على تصدع محدود في مركزية السلطة الدينية، وربما بداية تكيف تكتيكي مع مرحلة ما بعد الحرب، حيث يفترض أن تكون الكلمة للشارع، ولو بقدر محسوب، فإن تكررت هذه الحالات، وصار لمطالب المجتمع وزن حقيقي في تغيير المواقع والخطاب، فإن البلاد قد تكون بالفعل على أعتاب مسار جديد، لا يعيد ترتيب الوجوه فقط، بل يعيد النظر في وظيفة المنابر والمؤسسات.

لحظة فاصلة.. ولكن غير كافية
تشكّل استقالة كاظم صديقي من إمامة جمعة طهران لحظة فاصلة في المشهد الإيراني. فهي، من ناحية، أولى بوادر استجابة السلطة لضغوط شعبية حقيقية، عبر التخلّي عن شخصية مثيرة للجدل. ومن ناحية أخرى، تفتح الباب أمام نقاش واسع حول دور المؤسسة الدينية في الحياة السياسية، وحول ضرورة التجديد في الخطاب ورموزه.
لكن ما لم يستتبع ذلك بخطوات أعمق، تتعلق بالإصلاح المؤسسي، وتكريس الشفافية، والاستجابة لمطالب الناس في العدالة والمساءلة، فإن هذه الخطوة ستظل رمزية، محدودة التأثير، ولن تغيّر جوهر العلاقة بين الحاكمية والشعب.
ربما يكون سقوط صديقي إشارة أولى، لكن هل تأتي الإشارات التالية؟ هذا ما سيحدده سلوك النظام في المرحلة المقبلة.

