- زاد إيران - المحرر
- 566 Views
في خضم واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ الاتصالات الإيرانية، عاد ملف الإنترنت الدولي إلى الواجهة بوصفه قضية تتجاوز البعد التقني لتلامس صميم الاقتصاد، وحياة المواطنين، واستمرارية الأعمال، وعلاقة إيران بالعالم الخارجي.
فبعد أسابيع من الانقطاع شبه الكامل، والتذبذب الحاد في مستوى الوصول، بدأت ملامح عودة الإنترنت بالظهور، لكن هذه العودة جاءت متدرجة، وانتقائية، ومصحوبة بأسئلة كبرى حول كلفة ما جرى، ومن يتحمل تبعاته، وكيف يمكن تعويض الخسائر المتراكمة. وبين الرواية الرسمية، والتقارير الدولية، وتصريحات المسؤولين وممثلي القطاع الخاص، تتشكل صورة مركبة لمشهد لم يغلق بعد.
عودة الاتصال بالإنترنت بقرار أمني ورسمي
في أخر تطورات الموقف الرقمي الإيراني، أعلنت وكالة أنباء فارس، الأحد 25 يناير/ كانون الثاني 2026، أن إعادة الاتصال بالإنترنت الدولي تمت مساء يوم الجمعة 23 يناير/ كانون الثاني، بعد إقرارها رسميا في المجلس الأعلى للأمن القومي، ليتم على الفور إبلاغ القرار إلى وزارة الاتصالات. وأوضحت الوكالة أن الوزارة شرعت عقب تلقيها التعليمات في العمل على إعادة تمكين المستخدمين من الوصول إلى الإنترنت الدولي، عبر شركة الاتصالات التحتية وهيئة تنظيم المقررات، إلا أن تثبيت هذا الوصول الكامل يتطلب وقتا بسبب التعقيدات الفنية المرتبطة بالبنية التحتية للشبكات.

وبحسب تقرير فارس الذي نقله موقع خبر أونلاين، فإن عملية إعادة الاتصال لم تكن فورية ولا شاملة، بل جرى تنفيذها بشكل تدريجي وتحت رقابة فنية دقيقة، وقد أشارت المتابعات إلى أن الوصول إلى الإنترنت الدولي بدأ يظهر لدى عدد كبير من المستخدمين اعتبارا من ظهر يوم السبت 24 يناير/ كانون الثاني، غير أن هذا الاتصال كان غير مستقر، إذ انقطع مرة أخرى بعد نحو ثلاثين دقيقة، ما أثار حالة من الإرباك لدى المستخدمين الذين ظنوا أن الأزمة انتهت.
هذا التذبذب انعكس بوضوح في بيانات رادار شركة كلودفلير، وهي شركة عالمية لإدارة وأمن وتسريع حركة الإنترنت والبنية التحتية للشبكات، التي أظهرت أن حركة الإنترنت الدولي في إيران بلغت عند الساعة 11:30 صباحا بالتوقيت المحلي نحو 92% من المستوى الطبيعي، في مؤشر على عودة واسعة النطاق للاتصال. غير أن هذا التحسن لم يدم طويلا، إذ تراجعت حركة المرور بشكل حاد لتصل عند الساعة 12 ظهرا إلى نحو 21% فقط، ما أكد أن الشبكة ما زالت في مرحلة اختبار تقني هش، وأن العودة الكاملة لم تتحقق بعد.

وزارة الاتصالات، من جهتها، أكدت أن العمل جار لإعادة الاستقرار الكامل للاتصال بالإنترنت الدولي، مشيرة إلى أن التعقيدات الفنية، وتداخل البنى التحتية، وحساسية المرحلة، تجعل عملية التثبيت النهائي مسألة زمنية، وليست قرارا إداريا فحسب، إلا أن هذا التوضيح لم يكن كافيا لتهدئة القلق العام، خاصة في ظل الخسائر المتراكمة.

أكثر من 400 ساعة من الانقطاع غير المسبوق
قبل الوصول إلى هذه المرحلة من العودة الجزئية، كانت منظمة نت بلاكس الدولية، المتخصصة في مراقبة الإنترنت عالميا، قد أعلنت أن إيران شهدت انقطاعا ممنهجا غير مسبوق، بدأ منذ مساء الخميس 8 يناير/ كانون الثاني 2026، واستمر لأكثر من 400 ساعة متواصلة.
الرسوم البيانية التي نشرتها نت بلاكس على موقعها الرسمي أظهرت أن مستوى الوصول إلى الإنترنت الدولي انخفض إلى ما يقارب الصفر، وهو ما وصفه خبراء الاتصالات بأنه من بين أعمق وأطول الاضطرابات الرقمية في تاريخ البلاد، هذا الانقطاع لم يكن جزئيا أو محليا، بل شمل معظم أنحاء إيران، وأثر بشكل مباشر في حياة ملايين المستخدمين.

خلال هذه الفترة، تعطلت تطبيقات المراسلة العالمية، وتوقفت بوابات الدفع الدولية، وواجهت الشركات صعوبات جسيمة في التواصل مع شركائها الخارجيين، كما تعطلت العديد من الخدمات الحكومية والخاصة التي تعتمد على الاتصال المستمر بالشبكة العالمية، ما أدى إلى حالة شلل شبه كامل في قطاعات واسعة من الاقتصاد الرقمي.
اللافت أن هذا الانقطاع الطويل حول ما كان ينظر إليه في البداية على أنه إجراء مؤقت أو خلل عابر إلى أزمة وطنية حقيقية، دفعت مؤسسات اقتصادية وإعلامية إلى التحذير من تداعيات بعيدة المدى، ليس فقط على الإيرادات، بل على ثقة المستثمرين، واستقرار بيئة الأعمال، ومكانة إيران في الاقتصاد الرقمي الإقليمي.
إنترنت محدود ومراقب للتجار والمؤسسات
مع استمرار الانقطاع العام، لجأت السلطات إلى اعتماد حلول جزئية، هدفت إلى الحد من الشلل الكامل في الأنشطة الاقتصادية الحيوية، وفي هذا السياق، صرح رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، مجيد رضا حريري، بأن حاملي البطاقات التجارية سمح لهم باستخدام الإنترنت الدولي لمدة لا تتجاوز 20 دقيقة يوميا، وبحضور مشرف، داخل بعض غرف التجارة في طهران وعدد من مراكز المحافظات.

حريري أوضح أن هذا الإجراء، رغم كونه خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لا يلبي فعليا احتياجات التجار، مؤكدا أن عشرين دقيقة لا تكفي سوى لتفقد عدد محدود من رسائل البريد الإلكتروني، فيما اشار إلى أن جميع الاتصالات مع الشركاء الأجانب تتم أساسا عبر تطبيقات المراسلة، والتي كانت بمعظمها معطلة خلال فترة الانقطاع.
وأضاف حريري أن تطبيق وي تشات عاد بشكل متقطع للتجار الذين يتعاملون مع الصين، إلا أن بقية تطبيقات المراسلة ظلت غير متاحة، ما أعاق عمليات التفاوض، والبحث عن الموردين، وحتى الدخول إلى مواقع الإنترنت الأجنبية لأغراض الاستعلام، كما لفت إلى أن آلاف الأعمال غير المسجلة في غرف التجارة تعتمد بشكل مباشر على الإنترنت، ولم تستفد من هذه الاستثناءات المحدودة.
وفي إطار مشابه، أعلنت غرفة التعاون الإيرانية عن إعادة توفير الإنترنت الدولي داخل مقارها، بهدف ضمان استمرار الأنشطة الاقتصادية والتجارية لقطاع التعاون، موضحة أن هذا الإجراء تم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وفي إطار السياسات العامة للدولة الرامية إلى صون الأنشطة الاقتصادية ومنع توقف أعمال التعاونيات، والاتحادات، والشركات التعاونية، إضافة إلى غرف التعاون في المحافظات.

ورغم أهمية هذه الخطوات، إلا أنها عكست، حسب خبراء ومستخدمين، واقع الإنترنت الانتقائي، حيث يحصل بعض الفاعلين الاقتصاديين على وصول محدود ومراقَب، في حين يبقى ملايين المستخدمين خارج هذا الإطار، ما يثير نقاشا واسعا حول العدالة الرقمية وتكافؤ الفرص.
خسائر فادحة وسؤال التعويض المفتوح
على أن أحد أكبر جوانب تلك الأزمة تمثل في الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبدها الاقتصاد الرقمي، فقد كشف نائب وزير الاتصالات، إحسان جيت ساز، في تصريحات رسمية، أن الخسائر وفاقد الأرباح في نواة الاقتصاد الرقمي ومنصاته بلغت خلال سبعة عشر يوما فقط نحو 340 تريليون ريال إيراني، ما يعادل 234 مليون دولار أمريكي
وبحسب الأرقام التي أعلنها، فقدت شركة إيرانسل، شركة الاتصالات الأكبر في إيران، نحو 85% من إيراداتها خلال فترة عشرة أيام، بما يعادل قرابة 20 تريليون ريال إيراني، نحو 13.8 مليون دولار أمريكي، فيما سجلت شركة همراه أول انخفاضا بنسبة 50% من إيراداتها، أي ما يقارب 10 تريليونات ريال إيراني، نحو 6.9 ملايين دولار أمريكي، كما تكبّدت المنصات الكبرى، مثل ديجي كالا، أشهر المتاجر الإلكترونية في إيران، خسائر كبيرة بعد فقدانها معظم حركة المرور في الأيام الأولى، قبل أن تستقر عند مستوى نشاط يقل بنحو 50% عن المعتاد.

في هذا السياق، أوضح رضا الفت نسب، رئيس اتحاد الأعمال الإلكترونية، أن كل يوم من انقطاع الإنترنت يلحق أضرارا تقدر بنحو 38 تريليون ريال إيراني، نحو 26.2 مليون دولار أمريكي، بالأعمال الرقمية، ومع احتساب عدد أيام الانقطاع حتى منتصف شهر يناير/ كانون الثاني فإن إجمالي الخسائر تجاوز 400 تريليون ريال إيراني، ما يعادل 275.9 مليون دولار أمريكي، وهو رقم يعكس حجم الكلفة الحقيقية للحجب.

وشدد الفت نسب على أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في حجم الخسائر، بل في غياب إطار قانوني واضح لتعويض المستخدم النهائي عن الاشتراكات المدفوعة مقابل خدمات لم تقدم، كما أشار إلى أن كثيرا من المنصات لم يكن بوسعها فعل شيء لمعالجة الوضع، لأن الخلل كان شاملا في البنية التحتية، وليس ناتجًا عن تقصير منها، لافتا إلى أن بعض مشغلي الاتصالات، مثل همراه أول وإيرانسل، يدرسون إعادة جزء من تكاليف باقات الإنترنت، إلا أن مسألة اشتراكات المنصات الرقمية الأخرى، مثل خدمات الموسيقى والأفلام والاشتراكات المميزة، ما زالت معلقة، في ظل صمت تشريعي يثير قلق المستخدمين والقطاع الخاص على حد سواء.
عودة ناقصة وأسئلة مفتوحة
تكشف تجربة الأسابيع الماضية أن ملف الإنترنت في إيران تجاوز كونه قضية تقنية ليصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على إدارة الأزمات الرقمية في عصر يعتمد فيه الاقتصاد والمجتمع على الاتصال المستمر بالعالم، فالعودة التي بدأت بقرار رسمي ما زالت غير مكتملة، والحلول الجزئية لم تعوّض الخسائر، والأسئلة القانونية حول التعويض لا تزال بلا إجابات واضحة.
وبينما تواصل السلطات العمل على تثبيت الاتصال، يبقى المشهد مفتوحا على سيناريويهن حسب قراءة الخبراء، إما عودة كاملة ومستقرة تعيد الثقة تدريجيا إلى الفضاء الرقمي، أو ترسيخ واقع جديد من الإنترنت الانتقائي وعدم اليقين، وفي كلا الحالين، ستظل كلفة الانقطاع، وما كشفه من هشاشة واعتماد عميق على الشبكة العالمية، حاضرا بقوة في أي نقاش مستقبلي حول السياسات الرقمية في إيران.

