- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 88 Views
كتب: الترجمان
يمر المشهد السياسي في إيران بواحدة من أكثر مراحله حرجا وتعقيدا منذ عقود، حيث تتقاطع المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل مع تحولات داخلية عميقة في بنية الخطاب السياسي. وفي قلب هذا المشهد، يقف البرلمان في وضعية استثنائية؛ فبينما فرضت الضرورات الأمنية الصارمة والتهديدات العسكرية المتزايدة إغلاقا فعليا لأبواب صحن البرلمان اختار نواب الشعب “هجرة” جماعية من مقاعدهم التقليدية نحو فضاءات بديلة.
هذا الانتقال من “المقاعد الخضراء” تحت قبة البرلمان إلى منصات التواصل الاجتماعي المحجوبة رسميا وشاشات التلفاز، لم يكن مجرد تغيير في جغرافيا الحضور، بل عكس تحولا جوهريا في طبيعة الدور البرلماني، الذي بات يتسم بنبرة راديكالية حادة في لحظة تاريخية تتطلب أقصى درجات التماسك والانسجام الوطني.
المفارقة الرقمية: البرلمان في “منفى” المنصات المحظورة
تتجلى أولى مفارقات المشهد البرلماني الحالي في الكثافة غير المسبوقة لحضور النواب على منصة “إكس”، رغم كونها تخضع رسميا لسياسات الحجب والفلترة داخل إيران. هذا الوجود الرقمي المكثف للنواب، في وقت تغيب فيه الجلسات العلنية للبرلمان بسبب الظروف الأمنية، يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى القوانين التي يساهم البرلمان نفسه في بقائها، بينما يتجاوزها أعضاؤه للوصول إلى الجمهور.
إن “عسكرة” الحضور الرقمي للنواب حولت صفحاتهم الشخصية إلى منصات لإطلاق مواقف سياسية وأمنية بالغة الحساسية، مما خلق حالة من التشتت في الموقف الرسمي للدولة. فبينما كانت الجماهير تترقب قرارات مؤسساتية رصينة، وجدت نفسها أمام “فيض” من التغريدات التي تمزج بين الموقف الشخصي والصفة الرسمية، مما أدى إلى تآكل الثقة في وحدة الرسالة السياسية التي تصدرها طهران للخارج وللداخل على حد سواء.

راديكالية الخطاب العسكري والشروط السيادية “المستحيلة”
في ظل هذا الفراغ التشريعي الفعلي، برزت أصوات برلمانية تتبنى خطابا عسكريا يتجاوز أحيانا حدود الواقعية السياسية المتعارف عليها. لعل أبرز هذه النماذج هو ما قدمه إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، الذي لم يكتفِ برفض خيارات التهدئة أو وقف إطلاق النار، بل ذهب إلى طرح شروط “خارقة” لإنهاء الحرب، منها المطالبة بمقعد دائم لإيران في مجلس الأمن الدولي مع حق “الفيتو”.
هذا النوع من التصريحات، الذي وصفه محللون داخليون بأنه يفتقر إلى الرصانة الدبلوماسية، يضع الدولة الإيرانية في حرج أمام المجتمع الدولي، حيث يُصور الموقف الإيراني وكأنه يطارد “أوهاما سياسية” بدلاً من البحث عن مخارج استراتيجية للأزمات. إن تحول النائب من مشرع يراقب الأداء التنفيذي إلى “محرض” يطلق شعارات لا تملك الدولة أدوات تنفيذها، يعكس خللا في التوازن بين الطموحات الأيديولوجية والقدرات الجيوسياسية.

تسييس الملفات السيادية وحساسية الوضع الصحي للمرشد الأعلى
لم تتوقف التدخلات البرلمانية عند حدود السياسة الخارجية، بل امتدت لتلمس أكثر الأوتار حساسية في بنية النظام الإيراني، وهي الحالة الصحية المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وملف الخلافة. فقد أثارت تصريحات النائب محسن زنكنة لغطا واسعا عندما خاض في تفاصيل تتعلق بقرارات مجلس خبراء القيادة واحتمالات اختيار “المرشد الثالث”، وهي مواضيع تقع عادة خارج صلاحيات نواب البرلمان وتخضع لبروتوكولات سرية صارمة.
ورغم محاولات التهدئة لاحقا، إلا أن لجوء النواب لاستخدام أدوات مثل “الذكاء الاصطناعي” لتحليل أعداد القتلى في الجانب المعادي أو الحديث عن الحالة الجسدية للقيادة، يكشف عن رغبة محمومة في كسب الزخم الإعلامي، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار النفسي للمجتمع أو أمن المعلومات القومي. إن هذا المسلك “الاستعراضي” يضعف من هيبة المؤسسات الرسمية ويحول القضايا الوجودية إلى مادة للسجال السياسي العابر.

انقسام الروايات حول المفارقات التفاوضية والتهديد بـ “هدم البيوت”
يشكل ملف التفاوض مع القوى الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة، بؤرة الصراع الأكثر اشتعالا داخل الأروقة السياسية الإيرانية حاليا. وفي هذا السياق، يبرز انقسام حاد داخل البرلمان؛ فبينما يعترف فريق من النواب بتغييبهم الكامل عن تفاصيل المذاكرات الجارية، يخرج فريق آخر يقوده نواب مثل علي خضريان وأمير حسين ثابتي ليؤكدوا توقف أي تبادل للرسائل بناء على مواقف ينسبونها مباشرة إلى المرشد الأعلى.
الخطورة هنا تكمن في تحول هذا الخلاف السياسي إلى لغة تهديد جسدي ولفظي، كما تجلى في تصريحات النائب محمد تقي نقد علي، الذي لم يتورع عن التهديد “بهدم بيوت” من يحاولون دفع الدولة نحو التفاوض، واصفا إياهم بـ “حثالة الذل”.
هذا المستوى من التراشق لا يعكس فقط حالة الاستقطاب، بل يشير إلى تراجع لغة الحوار المؤسسي لصالح لغة “الشارع الراديكالي”، مما يجعل أي محاولة للدبلوماسية الإيرانية للتحرك في الملفات العالقة محفوفة بمخاطر الانفجار الداخلي.

المصطلحات “المفخخة” والتبعات القانونية الدولية لمواقف النواب
بعيدا عن الصخب الشعبي، يحذر خبراء القانون الدولي في طهران من أن بعض التصريحات البرلمانية حول “مضيق هرمز” قد تتحول إلى أدلة تدين الدولة الإيرانية في المحافل الدولية. يبرز هنا التحذير من ثلاث عبارات “قاتلة” يستخدمها النواب بكثرة: “جباية الرسوم من السفن”، و”النظام القانوني الجديد للمضيق”، و”إغلاق المضيق”. قانونيا، لا تملك إيران حق فرض “رسوم” على المرور العابر في الممرات الدولية، بل يحق لها فقط تقاضي “تكاليف خدمات”.
والحديث عن “نظام قانوني جديد” قد يصور إيران كدولة متمردة على الاتفاقيات التاريخية الموقعة منذ عقود. أما التلويح بكلمة “إغلاق تام” بدلا من “تشديد الرقابة الأمنية”، فهو يمنح الذريعة الكاملة للولايات المتحدة وحلفائها لبناء تحالفات عسكرية دولية بدعوى حماية التجارة العالمية. إن غياب التنسيق بين “الحماسة البرلمانية” والرصانة القانونية لوزارة الخارجية يخلق ثغرات استراتيجية قاتلة تستغلها البروباغندا الخارجية في حملات “إيران فوبيا”.

الأب الروحي للتشدد: صراع الهوية المطلق ضد “المنفعة المشتركة”
في خلفية هذا المشهد البرلماني الصاخب، تقف تيارات أيديولوجية عميقة ترفض مبدأ التفاوض من منطلقات “عقائدية” صرفة. يمثل هذا الاتجاه محمد مهدي مير باقري، الذي يوصف بالأب الروحي لجبهة “بايداري”. تكمن خطورة هذا الطرح في كونه لا يناقش “نتائج” التفاوض، بل يحرم “مبدأ” البحث عن مصالح مشتركة مع الغرب من أساسه، معتبرا أن أي جلوس مع من يصفهم بـ “الكفار” هو تنازل عن الهوية والسيادة الروحية.
هذا التيار يرى الصراع صراعا وجوديا لا يقبل القسمة على اثنين، مما يضع أي حكومة إيرانية، مهما كانت توجهاتها، تحت مطرقة التخوين في الداخل. إن هيمنة هذا الفكر على جزء كبير من نواب البرلمان الحالي تجعل من العمل الدبلوماسي مهمة شبه مستحيلة، حيث يتحول البحث عن مصلحة وطنية مادية إلى “جريمة أيديولوجية” في نظر هذا التيار المتنفذ.
الدور المفقود في لحظات التحول الكبرى
في نهاية المطاف، يعيد السلوك البرلماني الحالي فتح النقاش حول الدور الحقيقي للبرلمان في البنية السياسية الإيرانية. هل البرلمان هو منصة للرقابة والتشريع التي تساعد الدولة على عبور الأزمات بأقل الخسائر، أم أنه تحول إلى “نادي سياسي” لتصفية الحسابات الفصائلية؟ إن استبدال العمل المؤسسي الرصين بالتصعيد الإعلامي الرقمي والتهديدات اللفظية يضعف من مكانة السلطة التشريعية أمام الشعب الإيراني وأمام القوى الخارجية.
الدولة القوية في لحظات الحرب والأزمات الوجودية هي التي تتحدث بلسان واحد وتتحرك بانسجام تام بين مؤسساتها. وما لم يعد نواب البرلمان إلى رصانة القوانين ودقة المصطلحات السيادية، فإن ضجيج “المنصات الرقمية” سيظل يشكل عبئا على الأمن القومي بدلاً من أن يكون صمام أمان له.
الحاجة إلى بوصلة وطنية موحدة
الواقع الذي تفرضه التحولات الجيوسياسية الراهنة يحتم على كافة أطياف السلطة في إيران، ولاسيما أعضاء مجلس الشورى، مراجعة أدوات التأثير السياسي المتبعة. إن البطولة السياسية في وقت الأزمات لا تقاس بمدى حدة الشعارات أو القدرة على تهديد الخصوم الداخليين، بل بالقدرة على حماية المصالح العليا للدولة بأدوات ذكية تجمع بين القوة الميدانية والدهاء الدبلوماسي.
إن “الانسجام الوطني” ليس مجرد شعار يرفع، بل هو ممارسة تتطلب من البرلمانيين التخلي عن لغة “المزايدات” والعودة إلى رحاب التفكير الاستراتيجي الذي يضع استقرار البلاد ومستقبلها فوق أي اعتبار فصائلي أو أيديولوجي ضيق. فالمقاعد الخضراء تحت قبة البرلمان يجب أن تظل رمزا للسيادة والتشريع، لا مجرد مقاعد شاغرة في انتظار “تغريدة” قادمة.

