التحديات السياسية في إيران بعد حرب الـ12 يوما.. هشاشة الوحدة الوطنية وصراع الروايات

نشرت صحيفة شرق الإصلاحية، الخميس 21 أغسطس/آب 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه في هذه الأيام، بينما يتركز جزء من المشهد السياسي على بيان جبهة الإصلاح وردود الفعل المؤيدة والمعارضة له، تتجدد هجمات وسائل الإعلام الرسمية على الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني والسياسي البارز محمد جواد ظريف، يوم الثلاثاء 19 أغسطس/آب 2025.

وأضافت الصحيفة أن الخبير الإعلامي والتحليلي رجبی دواني ظهر باعتباره خبيرا في برنامج سورة على القناة الرابعة للتلفزيون، واستخدم تعابير غير مسبوقة ضد مسؤولي الحكومتين روحاني وظريف، وادعى دواني أن روحاني يظهر حقدا تجاه الحرس الثوري في كلامه، كما قلّل من شأن ظريف، مشيرا إلى أنه لا يعترف بالندم على قراراته السابقة، بل يتحدث عن تغيير المنهج.

وتابعت أن هذه التصريحات لقيت ترحيب بعض نواب التيار المحافظ مثل البرلماني الأصولي حميد رسائي والبرلماني الأصولي عن طهران أمير حسين ثابتِي، مساعد ممثل المرشد الأعلى سعيد جليلي، وكتب على منصة إكس: “أشكر الأستاذ رجبی دواني لأنه الليلة، بدون تحفظ، قال الحقيقة وكشف طبيعة روحاني وظريف وعوامل الذل في إيران أمام الرأي العام، كما أطالب رئيس التلفزيون الرسمي جبلي، بعدم التراجع أمام الدعاية والضغوط المافيوية”. 

وأفاد بأن الشعب يبحث عن هذه الصراحة في الإعلام الرسمي، واستمرار هذا المسار سيعزز مرجعية التلفزيون أكثر من أي وقت مضى.

.

وقال لرئيس القناة الرابعة شاه‌ مرادی، ومقدم برنامج سورة شبیر فیروزیان: “جزاكم الله خيرا”، بالمقابل، ردّ المستشار السياسي السابق لحسن روحاني حسام‌الدين آشنا، على هذه التصريحات في منصة إكس بسخرية، حيث كتب: “الآن، والحمد لله، عاد بعض الأطراف القديمة (الأشعث وأبو موسى) للنشاط مرة أخرى، ولا بأس أن تستخدموا بعض الأساليب التقليدية المعروفة لديكم أيضا!”.

من أين انطلقت حملة الهجوم الجديدة على روحاني وظريف؟

أوضحت الصحيفة أن شرارة الجولة الجديدة من الهجمات انطلقت بعد أن قام روحاني، بتحليل الأوضاع بعد حرب الأيام الـ12 في اجتماع مع مستشاريه، مشددا على ضرورة تعزيز العلاقات مع العالم، وأوضح أنه من أجل الحفاظ على المصالح والأمن القومي، يجب الحوار مع أي دولة مستعدة للتفاوض وتقليل التوترات، لا سيما مع الولايات المتحدة، لأن تقليل الصراع يصب في مصلحة إيران.

وأظهرت أن روحاني اعتبر أن إسرائيل لا تمتلك قوة بلا دعم أمريكي، وشدد على ضرورة الحد من العداوات غير الضرورية، كما اقترح إنشاء جهاز استخباراتي قائم على الشعب بدعم 90 مليون إيراني، لأن الجهاز الذي يعتمد فقط على عدد محدود من الأفراد ليس قويا، وأظهرت تجربة سنوات 1981 و1982 أن مشاركة الشعب كانت مفتاح النجاح ضد المؤامرات، وأن مثل هذا الجهاز اليوم يمكن أن يعالج نقاط الضعف.

وركَّز على أهمية الاستماع لرغبات الشعب، وقال إن على السلطة إعطاء الأولوية لمطالب المواطنين، ودعا خلال فترات حكمه  إلى خلق بيئة يمكن فيها للأحزاب القوية ترشيح مرشحين صالحين، بحيث تُمنح صلاحيات تقييم الكفاءات للأحزاب بدلا من الهيئات الخاصة. 

ورأى أن إنقاذ إيران مرتبط بخدمة الشعب واحترام السيادة الوطنية وفقا لأفكارهم وآرائهم، مع تأكيد أن مساعدة الدول الأخرى يجب ألا تكون على حساب مصلحة الشعب الإيراني.

وأبرز أهمية تعزيز الإعلام الوطني وإنشاء قنوات خاصة تحت إشراف جماعي لسماع صوت الشعب، ودعا إلى قضاء مستقل واقتصار مهام القوات المسلحة على الدفاع والأمن، مع ترك الاقتصاد والإعلام والسياسة الخارجية خارج مسؤولياتها.

وحثَّ على تركيز الأجهزة الاستخباراتية على جمع المعلومات فقط، وتمكين الشعب اقتصاديا ضمن القانون دون قيود، ووضع استراتيجية وطنية جديدة قائمة على إرادة الشعب لتعزيز نقاط القوة ومعالجة نقاط الضعف خلال 46 عاما.

واقترح أن يُستشار الشعب في حال وجود تردد في اتخاذ القرارات؛ لضمان تركيز الاستراتيجية الوطنية على تطوير وعظمة إيران، مع تقديم المساعدة للآخرين حسب القدرة، وأكد أن دعم 90 مليون إيراني للحكم يجعل أي قوة عاجزة عن هزيمة الأمة.

ونقلت الصحيفة عن ظريف، في مقاله بصحيفة فورين بوليسي، قوله إن الوقت قد حان لتغيير المنهجية، لافتا إلى أن مشاركة إيران في حوار متعدد الأبعاد، مستقبلي ومرتبط بالنتائج، يمكن أن يحقق كثيرا من الفوائد ويجنب إيران مصائب جسيمة. 

وأضاف أن المسار المستقبلي قد يشمل إنشاء شبكة إقليمية لمنع الانتشار والتعاون النووي السلمي مشروع المنارة، وربما اتفاق عدم اعتداء بين إيران والولايات المتحدة، وأوضح أنه لا يمكن تجاهل الماضي، ويجب الاستفادة منه دون الانغماس في إخفاقاته، وإلا فإن إيران ستظل محكومة بتكرار دائرة الفواجع المستمرة.

وأشار إلى أن مثيري الحرب ينمون عبر إغلاق كل نافذة أمام الدبلوماسية، وأنه يجب استغلال الفرصة لمنع ترسيخ نموذج التهديد وإخماد الأمل لديهم، وأردف أن وقت الاختيار قد حان، وأن الخيار لإيران والمنطقة والقوى العالمية واضح، إما تكرار الماضي الكارثي أو الشجاعة لبناء مستقبل مشترك، وأكد أن الوقت الآن مناسب لتغيير المنهجية.

ماذا يقول الجليليون؟
أوردت الصحيفة أن المعسكر المقابل أعد مسبقا أرضية الانقسام، حيث شبّه جليلي أنصار التفاوض بعبَدة العجل بعد انتصار الشعب الإيراني في حرب الـ12 يوما، جاء ذلك في الوقت الذي تم فيه تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ما أثار قلق جليلي بشأن تراجع دوره، فيما قلّص شقيقه وحيد جليلي مفهوم الوحدة الوطنية إلى وطن الحظيرة وأصر على موقفه.

وأبرزت أن “هذه الاستعارات الحادة تعكس رؤية سياسية لا تعترف بالخصم وتسلك مسار التطهير السياسي، مما أدى خلال السنوات الماضية إلى إقصاء المعتدلين وتعزيز التيار المتشدد، ورفض أهليات شخصيات مثل علي لاريجاني، ما يشير إلى أزمة في تقبل التعدد والتنوع السياسي قد تعمّق الانقسامات الاجتماعية والسياسية”.

وبيَّنت أن الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل أظهرت وحدة وطنية مؤقتة نتيجة التهديد الخارجي المشترك، لكنها لم تستند إلى توافق عميق على المصالح الوطنية، وبعد انتهاء الحرب، عادت التناقضات السياسية والاشتباكات الحزبية للظهور، مع هجمات المتشددين على شخصيات مثل روحاني وظريف لمجرد طرحهم وجهات نظر مختلفة حول السياسة الخارجية. 

وأفادت بأن هذا يعكس هشاشة الفضاء السياسي الداخلي في إيران وغياب استراتيجية وطنية موحدة، ما يزيد من تعرض إيران للأزمات ويحوّل السياسة الداخلية إلى ساحة لتصفية الحسابات الحزبية بدل التركيز على إعادة البناء وتقوية البنية الدبلوماسية.

الانقسامات الداخلية؛ من النزاع حول الرواية إلى أزمة الشرعية

ذكرت الصحيفة أن التحولات الأخيرة أظهرت أن الخلافات الداخلية في إيران مرتبطة أكثر من أي وقت مضى، برواية الحرب والسلام، فكل جناح يسعى لعرض تفسيره للحرب التي استمرت 12 يوما على المجتمع، واتهام المعارضين بالخيانة أو السذاجة تجاه العدو.

ونوَّهت إلى أن روحاني ركز على ضرورة خفض التوتر وتعزيز الدبلوماسية، محاولا تصوير الحرب الأخيرة كدليل على اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، واستنتج أن إيران يجب أن تحافظ على أمنها عبر تقليل الخلاف مع الغرب، و في المقابل، اعتبرت شخصيات مثل جليلي وأنصاره أي طرح للتفاوض خيانة لنصر الأمة الإيرانية، ووصفوه بما يشبه الانصياع الأعمى للآخرين.

ولفتت إلى أن هاتين الروايتين المتناقضتين ليستا مجرد اختلاف وجهات نظر عادي، بل تتنافسان على مستوى أعمق على شرعية أسلوب الحكم والسياسة الخارجية، فالرواية الأولى تستمد شرعيتها من ضرورة الاستجابة لرغبات الشعب وتأمين رفاهه الداخلي، بينما تستمد الرواية الثانية شرعيتها من المقاومة الأيديولوجية والصمود أمام العدو الخارجي. 

وأوضحت أنه في مثل هذه البيئة، تتحول وسائل الإعلام الوطنية، بدلا من لعب دور الحكم، إلى طرف مباشر في النزاع من خلال الانحياز لأحد الجانبين، والنتيجة هي زيادة عدم الثقة العامة بالمؤسسات الرسمية وتعميق أزمة المشاركة السياسية، فعندما يشعر بعض المواطنين بأنهم لا مكان لهم في الرواية الرسمية أو أن رغباتهم تُهمل، يبتعدون تدريجيا عن العمليات السياسية الرسمية. 

وأضافت أن هذا الخطر قد يزيد من اتساع الفجوة بين الشعب والحكومة في فترة ما بعد الحرب.

الدبلوماسية في حالة غموض؛ بين تغيير النموذج ووقف المفاوضات

أظهرت الصحيفة أن إحدى النتائج المهمة للحرب التي استمرت 12 يوما هي تعقيد آفاق الدبلوماسية الإيرانية، ففي حين تحدث ظريف، عبر مقال نشره في “فورين بوليسي” عن ضرورة تغيير النموذج، وأكد إنشاء إطار متعدد الأطراف إقليمي، عارضت التيارات المعارضة هذا الرأي بشدة. 

وبيَّنت أن هذا الوضع يشير إلى عدم وجود توافق على أعلى المستويات بشأن مسار الدبلوماسية المستقبلية، كما يمكن تفسير الغموض في مسار المفاوضات النووية ضمن هذا الإطار، فبينما يعتقد جزء من السلطة بضرورة فتح نافذة للتفاعل مع العالم، يرى جزء آخر أن أي مفاوضات تعني إعادة إنتاج ضعف القدرة والاستقلالية.

وأبرزت أن احتمال تفعيل آلية الزناد من قبل القوى الغربية، ردا على التطورات الميدانية والبرنامج النووي الإيراني، يزيد من حالة عدم اليقين، ولهذا السبب، تواجه وزارة الخارجية خيارا صعبا؛ إما الاستمرار في مسار الدبلوماسية مع دعم داخلي محدود والتعرض المستمر لعرقلة التيارات المعارضة، أو اتباع نهج انعزالي يعرض إيران لمزيد من الضغوط الدولية وعقوبات جديدة. 

وأضافت أنه في كلتا الحالتين، ستتحمل إيران تكاليف باهظة، ويقل غياب الإجماع السياسي الداخلي من قدرة إيران على إدارة هذه التكاليف.

تهديد الحرب مجددا وهشاشة الأمن الوطني

أوردت الصحيفة أن أحد أبرز المخاوف بعد الحرب هو احتمال حدوث مواجهة مباشرة جديدة بين إيران وإسرائيل، إذ إنه رغم وقف إطلاق النار، لم تُحل جذور التوتر، وتبقى حالة خفض التوتر هشة، فإسرائيل تسعى للحد من نفوذ إيران الإقليمي، وإيران تعتبر تهديداتها الأمنية غير قابلة للتجاهل، فيما تدعم الولايات المتحدة أمن إسرائيل عمليا.

وتابعت أن غياب الاستراتيجية الداخلية المتماسكة يزيد من ضعف إيران، بينما تقلل النزاعات الداخلية وتشويه صورة الشخصيات ذات المواقف المختلفة حول السياسة الخارجية من قدرتها على إيصال رسائل موحدة عالميا، كما أن تزايد دور القوات المسلحة في مجالات الاقتصاد والإعلام قد يجعل أي مواجهة جديدة غير مخططة، مما يزيد خطر اندلاع دورات حربية أطول وأكثر كلفة.

وأفادت بأن الوضع السياسي بعد الحرب حساس، مع فرصة لإعادة التفكير في الاستراتيجية الوطنية ودور الشعب في الحكم، مقابل خطر استمرار النزاعات الحزبية، وانسداد الدبلوماسية، وتصاعد الضغوط الخارجية.

وأكَّدت أنه إذا فشلت البنية السياسية الإيرانية في الوصول إلى حد أدنى من الإجماع الوطني الذي يعزز دور الأحزاب والشعب والمؤسسات المستقلة، فإن إيران قد تواجه دورة متكررة من الأزمات، تشمل تفعيل آلية الزناد، وفرض عقوبات جديدة، أو حتى حرب محتملة مع إسرائيل. 

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأنه رغم وجود فرص للإصلاح من خلال الحوار وتقليل الهجمات المتبادلة وفتح المسارات الدبلوماسية، يظل مستقبل السياسة الداخلية غامضا بسبب الانقسامات السياسية، والنزاعات الإعلامية، وغموض مسار الدبلوماسية، والأهم هو التوصل إلى حد أدنى من المصالح الوطنية والامتناع عن استغلال الأزمات الأمنية لأغراض حزبية لتجنب مخاطر أكبر.