التنمية الإقليمية في إيران.. بين فجوة الاستثمارات وتمكين المحافظات

سلّطت صحيفة “آكاه” الضوء، السبت 20 سبتمبر/أيلول 2025، في تقرير لها، على التحديات التي تواجه التنمية الإقليمية في إيران، محذّرة من اتساع الفجوة الاقتصادية نتيجة تركّز الاستثمارات في عدد محدود من المدن الكبرى ولا سيما طهران، وأكدت الصحيفة أن معالجة هذا الخلل تتطلب اعتماد نموذج تنموي متوازن يقوم على استثمار الطاقات المحلية، وتطوير البنى التحتية في مجالي النقل والطاقة، وتوجيه الاستثمارات وفق المزايا النسبية لكل محافظة، إضافة إلى تعزيز العدالة في توزيع الميزانيات ومنح المحافظات صلاحيات أوسع في إدارة مواردها.

فجوة اقتصادية

ذكرت الصحيفة أن إيران بلد واسع يتمتّع بتنوّع جغرافي ومناخي واقتصادي نادر، فمن المناجم الغنيّة في كرمان ويزد إلى القدرات الزراعية في خوزستان وكلستان، ومن الصناعات الحرفية في غرب البلاد إلى مصادر الطاقة المتجددة في سيستان وبلوشستان، لكل منطقة من هذا البلد قدرة فريدة على الإسهام في النمو الوطني. 

ومع ذلك، فإن تركّز الإمكانات والاستثمارات في عدد من المدن الكبرى، ولا سيّما طهران، خلال العقود الأخيرة، أدّى إلى تهميش جزء كبير من هذه الطاقات، وأخذت التنمية في البلاد طابعا غير متوازن.

 وكانت نتيجة هذا النهج اتساع الفجوة الاقتصادية، والهجرة الواسعة لسكان الريف والشباب إلى المدن الكبرى، وزيادة الضغط على البنى التحتية الحضرية، وفي المقابل تفشّي الركود والبطالة في المحافظات الأقل حظا.

وتابعت أن الحاجة إلى التنمية الإقليمية تبرز بشكل أوضح هنا؛ فإذا كان الاقتصاد الوطني يسعى إلى تحقيق نموّ مستدام وشامل، فلا بدّ أن يقوم على أساس استثمار الطاقات المحلية.

 إن الاستخدام الأمثل لموارد كل منطقة، وخلق فرص متكافئة للعمل والإنتاج، وتقليص الفوارق الإقليمية، وتعزيز الأمن الاجتماعي، جميعها من ثمار تنمية يكون تركيزها موجّها إلى مختلف المحافظات والمدن بدلا من انحصاره في العاصمة، لا شكّ في أن اقتصادا يقتصر نشاطه على بضع نقاط في البلاد، لن يكون قادرا على الصمود أمام الأزمات الداخلية والخارجية.

وأضافت أن وزير الاقتصاد مدني‌ زاده، وفي لقاء جمعه مؤخرا بمديري عموم دوائر وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية في المحافظات، اعتبر البرنامج العام للحكومة «الخصخصة القصوى»، مؤكدا أن من أبرز إشكالات الخصخصة في الماضي بقاء إدارة المنشآت بيد الدولة حتى بعد نقل ملكيتها، وبحسب قوله، فإن هذا النهج يجب أن يُصحّح، بحيث يصبح القطاع الخاص الحقيقي اللاعب الرئيس في الاقتصاد على مستوى المناطق.

وأشارت إلى أن مدني‌ زاده اعتبر تطوير المناطق الحرة واعتماد رؤية استراتيجية قائمة على التصدير من التوجّهات العامة الأخرى للحكومة، وأعلن في هذا السياق عن تشكيل «هيئة التنمية الإقليمية».

 وأوضح أن المهمة الأساسية لهذه الهيئة ستكون تحديد مشكلات كل منطقة ووضع مشاريع تؤدّي إلى تنميتها، على أن تضطلع الهيئة بدور في تأمين التمويل وإزالة العقبات القانونية والإدارية أمام تلك المشاريع.

وتابعت الصحيفة بالقول إن وزير الاقتصاد شدّد على أن كل منطقة، إلى جانب طاقاتها المحلية، سيكون لها أيضا مهمة خاصة على المستوى الوطني؛ فعلى سبيل المثال ستتولى منطقة مهمة تفعيل الأصول غير المستغلة، فيما تُعهد إلى منطقة أخرى مسؤولية تطوير المناطق الحرة.

 واعتبر أن مثل هذا التقسيم للمهام يجعل التواصل بين المديرين الإقليميين والمقار المركزية منظّما، ويتيح لكل منطقةٍ المشاركة بشكل أكثر فاعلية، في مسار النمو الوطني، وهذا التوجّه الجديد يدلّ على أن الحكومة أدركت بدورها ضرورة اللامركزية ومنح الصلاحيات للمحافظات، إذ إن التنمية الإقليمية دون مشاركة حقيقية ومنح سلطة اتخاذ القرار للمسؤولين المحليين لن تفضي عمليا إلى نتائج.

Image

البنية التحتية

وتابعت الصحيفة أن شرط البنية التحتية يعدّ أساسيا لتحقيق التنمية الإقليمية؛ إذ يؤكد خبراء هذا المجال أن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون توفير المتطلبات الأساسية.

 وأول هذه الشروط، وربما أهمها، إنشاء بنى تحتية مناسبة في مجالي النقل والطاقة، فلا أيّ مستثمر محلي أو أجنبي يقبل بالعمل في مناطق مختلفة من البلاد ما لم تتوافر له طرق ووسائل نقل برية وسكك حديدية ومطارات أو شبكة طاقة موثوقة، وغالبا ما تعاني المناطق المحرومة في إيران من هذا النقص، وهو ما أدّى إلى تخلّفها عن ركب التنمية.

وأضافت أن الاستثمار الموجّه يلعب دورا حاسما إلى جانب البنى التحتية؛ إذ يجب توجيه رؤوس الأموال بما يتناسب مع المزايا النسبية لكل محافظة، ففي محافظة تتمتع بقدرات معدنية، تبرز أهمية تطوير الصناعات التحويلية؛ وفي محافظة زراعية يجب أن تحظى الصناعات التحويلية والتعبئة والتغليف بالأولوية؛ أما في محافظة ذات إمكانات سياحية، فإن الاستثمار في البنى التحتية الثقافية والخدمية يمكن أن يشكّل محركا للنمو، وقد أدّى غياب مثل هذه الرؤية الدقيقة للاستثمار في إيران إلى عجز العديد من المحافظات عن استغلال قدراتها الحقيقية.

وأشارت إلى أن مسألة القوى البشرية والتعليم لا تقلّ أهمية؛ فالتنمية الإقليمية لا تتحقق بالموارد الطبيعية والمالية وحدها، بل تحتاج إلى كوادر بشرية متخصصة وماهرة. 

وينبغي للجامعات والمراكز التعليمية أن تخطّط بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية لكل منطقة، فإذا كانت منطقة ما مؤهلة للزراعة الحديثة، يجب تعليم شبابها المعارف والمهارات الزراعية، وإذا كانت منطقة ذات إمكانات سياحية، يجب أن تكون الأولوية للتدريب المتعلق بإدارة السياحة وخدمات الفنادق، ومن دون هذا الرأسمال البشري، لن تثمر التنمية الإقليمية.

وتابعت بتأكيد أن من بين المتطلبات الأساسية أيضا اللامركزية ومنح الصلاحيات للمحافظات؛ إذ إن كثيرا من مشكلات التنمية في إيران ناجمة عن الإفراط في تركيز القرار في طهران. 

والواقع أن المسؤولين المحليين أدرى من غيرهم بقدرات مناطقهم واحتياجاتها، وإذا ما مُنحت المحافظات صلاحيات جذب الاستثمارات وإدارة الموارد ووضع برامج التنمية، فإن سرعة وكفاءة اتخاذ القرارات ستزداد بشكل ملحوظ.

Image

 توزيع الموارد

وأوضحت الصحيفة أن العدالة في توزيع الموارد المالية تمثّل بدورها ضرورة لا يمكن إنكارها. فيجب أن يتم تخصيص الميزانيات الحكومية استنادا إلى مؤشرات مثل مستوى الحرمان، ومعدلات البطالة، والقدرات الفعلية والكامنة لكل منطقة. 

أما الاكتفاء بتوزيع الميزانيات على أساس عدد السكان أو المساحة الجغرافية، فلا يمكنه معالجة أوجه عدم المساواة القائمة، فكثير من المحافظات، بسبب سنوات من نقص الاستثمار، بحاجة إلى دعم خاص لتتمكن من بلوغ مستوى مقبول من التنمية.

وأضافت أن نظرة إلى التجارب العالمية تُظهر أن التنمية الإقليمية تعدّ من أكثر السبل فعالية لتحقيق النمو الاقتصادي، ومن ثمّ، يمكن لإيران أيضا أن تستلهم هذه التجارب وتصمم مسارا متوافقا مع خصوصياتها للتنمية الإقليمية.

وأشارت إلى أن العقبات والتحديات في إيران ليست قليلة؛ فالبيروقراطية الإدارية المعقدة، وضعف البنى التحتية، والقيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية بسبب العقوبات، والتاريخ الطويل من المركزية المفرطة، تعدّ من أبرز العقبات أمام التنمية الإقليمية، كما تشكل التغيرات المناخية وأزمة المياه تهديدا خطيرا، وإذا لم تؤخذ في الاعتبار ضمن خطط التخطيط، فقد تجعل أي عملية تنمية غير مستدامة.

وختمت بتأكيد أن التنمية الإقليمية ينبغي أن تُصمَّم برؤية مستدامة ومتوافقة مع البيئة، ويبدو أن مفتاح النمو الاقتصادي في إيران مرهون بتغيير نظرة صانعي السياسات؛ إذ يجب الابتعاد عن نموذج الاقتصاد أحادي المركزية والاتجاه نحو نموذج متعدد الأقطاب، بحيث يكون لكل محافظة ومنطقة دور حقيقي في الاقتصاد الوطني مستندا إلى قدراتها الذاتية. 

وفي ظل هذه الشروط فقط يمكن أن يصبح نموّ الاقتصاد في البلاد ليس مجرد رقم قصير الأجل، بل مسارا مستداما قائما على العدالة.