- زاد إيران - المحرر
- 241 Views
كتب: الترجمان
مع اقتراب موعد إجراء الدورة السابعة من انتخابات المجالس المحلية للمدن والقرى، تدخل الساحة السياسية في إيران مرحلة جديدة من الحراك الانتخابي، مع بدء تسجيل المرشحين اعتبارا من 11 يناير/كانون الثاني 2026 هذا الاستحقاق المحلي، الذي يُعد من أبرز المحطات الانتخابية في إيران، لا يُنظر إليه هذه المرة بوصفه منافسة بلدية فحسب، بل كاختبار سياسي يمكن أن يرسم ملامح التوازنات الوطنية في السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، يباشر التيار الأصولي، بوصفه أحد القطبين الرئيسيين في المشهد السياسي، دراسة خياراته واستراتيجياته الانتخابية بهدف ضمان حضور فاعل، ولا سيما في المدن الكبرى التي تشكّل ثقلا سياسيا واجتماعيا لافتا. وتشير تقديرات محللين إلى أن نتائج انتخابات المجالس، خصوصا في مراكز المحافظات الكبرى، قد تمتد آثارها إلى استحقاقات لاحقة، من بينها انتخابات البرلمان والانتخابات الرئاسية.
المدن الكبرى… ساحة الرهان الأهم
تحظى مدن مثل طهران ومشهد وأصفهان وأخرى رئيسية بمكانة خاصة في حسابات التيارات السياسية. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الفوز أو الخسارة في مجالس هذه المدن لا ينعكس فقط على إدارة الشأن البلدي، بل يؤثر مباشرة في الوزن السياسي والتنظيمي للتيارات على المستوى الوطني.
ومن هذا المنطلق، يسعى الأصوليون إلى دخول هذه الانتخابات بحذر أكبر، تفاديا لتكرار تجارب سابقة كلفتهم خسائر سياسية ملموسة.
وتشير قراءات أولية للتحركات الجارية إلى أن التيار الأصولي يعمل على بلورة خارطة طريق مزدوجة الأهداف: حشد قاعدته الاجتماعية للمشاركة الواسعة في الاقتراع، ومنع التشتت الداخلي وتعدد القوائم الانتخابية، وهي إشكالية لطالما شكّلت أحد أبرز التحديات أمامه، ولا سيما في المدن الكبرى.

الانتخابات المحلية… ما وراء الإدارة البلدية
لا تبدو انتخابات المجالس، في الحسابات الأصولية، مجرد منافسة على إدارة المدن. فامتلاك الأغلبية في المجالس الكبرى أو خسارتها يمكن أن يمهّد الطريق أمام تحالفات سياسية مستقبلية أو يعقّدها.
وبذلك، تتحول هذه الانتخابات إلى استحقاق استراتيجي طويل الأمد، تتجاوز نتائجه الإطار المحلي لتلقي بظلالها على المشهد السياسي العام خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الإطار، يرى رحيم عزيزي، الأكاديمي والخبير سياسي، أن اقتراب موعد الانتخابات أخرج الأجواء السياسية تدريجيا من حالة السكون، وبدأت ملامح مرحلة أكثر نشاطًا من التنافس الانتخابي بالظهور.
يقول عزيزي، في حديث لصحيفة «آرمان امروز»، إن التحركات الحالية للتيارات السياسية تؤكد أن الانتخابات المحلية تحظى بأهمية تتجاوز المستوى البلدي لدى العديد من الفاعلين السياسيين.
ويضيف أن مجالس المدن والقرى، ولا سيما في المراكز السكانية الكبرى، ليست مجرد هيئات خدمية، بل تلعب دورا مؤثرا في تشكيل موازين القوى السياسية. ويشير إلى أن السيطرة على إدارة المدن الكبرى تتيح للتيارات السياسية تعزيز موقعها الاجتماعي والتنظيمي، ومنحها أفضلية في المنافسات المقبلة.
حسابات أدق ووحدة داخلية
يتابع عزيزي، في إشارة إلى نهج التيار الأصولي، أن المؤشرات الحالية تدل على دخول هذا التيار المعترك الانتخابي بحسابات أكثر دقة. فالتجارب السابقة، بحسب قوله، أظهرت أن تجاهل التماسك الداخلي وتعدد القوائم قد يترتب عليه أثمان سياسية باهظة، وهو ما يبدو أنه يحظى هذه المرة باهتمام أكبر.
ويؤكد الخبير السياسي أن المنافسة في انتخابات المجالس بالنسبة للأصوليين لا تعني مجرد المشاركة في الإدارة المحلية، بل تمثل جزءا من استراتيجية أوسع للحفاظ على السلطة السياسية وإعادة إنتاجها.
ويرى أن نتائج الانتخابات في المدن الكبرى قد تبعث برسائل واضحة حول حجم القواعد الاجتماعية للتيارات المختلفة، وتؤثر في شكل الاصطفافات السياسية للسنوات المقبلة.
استحقاق يتجاوز الإطار المحلي
يخلص مراقبون إلى أن ما يميّز الدورة السابعة من انتخابات المجالس المحلية هو النظرة الاستراتيجية التي تتعامل بها التيارات السياسية مع هذا الاستحقاق، بوصفه حلقة مؤثرة في سلسلة التحولات السياسية، لا غاية نهائية بحد ذاتها. وعليه، فإن النجاح أو الإخفاق في هذا الميدان لن يقتصر أثره على إدارة المدن، بل سيتجاوز ذلك ليطال مسار المنافسة السياسية الوطنية في المرحلة المقبلة.

أزمة المشاركة والمسؤولية الوطنية
أعلن الأمين العام لحزب مؤتلفة الإسلامي، محمد علي أماني، أن الأولوية القصوى للحزب في الوقت الراهن هي إنقاذ العملية الانتخابية من تدني المشاركة الشعبية، والتي قدرها بنحو 7% فقط بناء على استطلاعات ميدانية. وأكد أن الحزب مستعد للتضحية بمكاسبه السياسية في سبيل زيادة حضور المواطنين، معتبرا أن استمرار العزوف الحالي يشكل خطرا حقيقيا، حتى لو أسفرت زيادة المشاركة عن فوز التيار المنافس.
وشدد أماني على أن الحزب، بجذوره الدينية والنشاطية التي تمتد لـ 60 عاما، يضع وحدة “الأصوليين” كهدف استراتيجي، شريطة التخلي عن “الأنا” الفئوية. وفيما يخص اعتماد نظام “الانتخابات التناسبية” لأول مرة، وصفه بأنه تجربة غامضة النتائج، محذرا من تحويلها إلى مجرد “شركة مساهمة” لتقاسم الحصص السياسية بدلاً من كونها وسيلة لخدمة المجتمع.
وقد أعلن الحزب عن تفويض صلاحيات إدارة الانتخابات لأمناء المحافظات والمناطق المحلية، بدلاً من فرض قرارات مركزية من طهران، وذلك لمراعاة الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية. كما حدد الحزب مساراً صارماً لاختيار مرشحيه يرتكز على ثلاثية: التخصص العلمي، القاعدة الشعبية، والنزاهة المهنية.
واختتم أماني بالإشارة إلى القوة البشرية للحزب، موضحا امتلاكه كفاءات قادرة على شغل مناصب عليا كالدولة والوزارات. وكشف عن استراتيجية مبتكرة لـ “العضوية العائلية” لتعزيز صفوف الحزب، مشيراً إلى أن ثقل “مؤتلفة” يتجسد في كتلة تضم أكثر من 80 نائبا في البرلمان الحالي، منهم 24 عضوا رسميا يحملون بطاقات الحزب.

رؤية مجلس العاصمة والمخاوف التنفيذية
وفي نفس السياق، أعلن المتحدث باسم مجلس مدينة طهران، علي رضا ناد علي، أن نظام “الانتخابات التناسبية” يحمل في طياته مزايا وعيوبا؛ فبينما يفتح الباب أمام التعددية الحزبية، فإنه يواجه تحديات تشريعية وتنفيذية.
وأشار ناد علي إلى وجود تباين في وجهات النظر تجاه هذا القانون، معتبرا أنه كان من الأفضل اختبار هذه الآلية في مدينة أخرى كبرى قبل تعميمها على العاصمة طهران، لتجنب أي إرباك في إدارة المركز، خاصة في ملف “اختيار العمدة” الذي يعد المهمة المحورية للمجلس.
وأكد ناد علي أن “الديمقراطية الدينية” هي المحرك الأساسي للحيوية السياسية في البلاد. وبالانتقال إلى أداء المجلس الحالي، أوضح أن التركيز انصبّ على “العمل الميداني” بدلا من الصراعات السياسية، مما أثمر عن استكمال مشاريع كبرى كانت معطلة، مثل “ميدان فتح” و”محطة شرق”، رغم الضغوط الاقتصادية.
كما لفت إلى إنجازات ملموسة في الملف الاجتماعي، تمثلت في تنظيم أوضاع نحو 20 ألف مدمن مشرد وتقليص ظاهرة “أطفال الشوارع” إلى أدنى مستوياتها، لضمان استمرارية النهضة الخدمية في العاصمة.

