من نيويورك إلى طهران… ملف التفاوض يعود وسط ضغط دولي وانقسام داخلي

Image

لم تكن جلسة مجلس الأمن الأخيرة مجرد اجتماع دوري لمراجعة تقرير أممي عن قرار دولي قديم، بل كانت مرآة مكبرة لاصطفافات عالمية تتشكل من جديد حول إيران، ومسرحا مباشرا لصراع إرادات بين واشنطن وطهران على تعريف الشرعية وحدود الدبلوماسية ومعنى عدم الانتشار النووي، ففي نيويورك، بدا أن الكلمات تقال بحدة محسوبة، وأن الصمت بين الجمل يشي بقدر أكبر مما تقوله الخطب نفسها.

الانطباع الذي خرج به كثيرون من القاعة أن الملف لم يعد محصورا في تفاصيل تقنية حول نسب التخصيب أو صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل صار جزءا من معادلة ضغط أوسع، تتداخل فيها العقوبات، ومسارات التفاوض، وتوازنات الشرق والغرب داخل مجلس الأمن، فضلا عن أثر الاشتباك الإقليمي الذي لا يبتعد كثيرا عن القضية النووية حتى حين لا يذكر صراحة.

وسط هذا المناخ، أخذت الدبلوماسية شكلا متناقضا، فبين يد ممدودة للتفاوض بحسب الخطاب الغربي، وأخرى تمسك بشرط صفر تخصيب الذي تراه طهران نفيا لجوهر التفاوض نفسه، وليظهر سؤال أكبر، هل نحن أمام محاولة لإعادة بناء إجماع دولي متعدد الأطراف ضد إيران، أم مجرد تثبيت لواقع انقسام دولي يمنع أي قرار حاسم لكنه لا يمنع تراكم الضغوط؟

مجريات جلسة مجلس الأمن…من تقرير 2231 إلي صفر تخصيب

انعقدت الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، الثلاثاء 23 ديسمبر/ كانون الأول 2025، ضمن بند عدم الانتشار لمراجعة تنفيذ القرار 2231، وهو القرار الصادر في 20 يوليو/ تموز 2015 الذي صادق على خطة العمل الشاملة المشتركة، الاتفاق النووي الإيراني، وقد اكتسبت الجلسة أهمية إضافية لكونها الجلسة الأولى التي تأتي بعد تفعيل آلية الزناد، السناب باك، من جانب الترويكا الأوروبية، في ظل نزاع قانوني وسياسي حول ما إذا كان القرار 2231 قد انتهى فعليا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وقت تفعيل الآلية، أم أنه ما زال يمثل إطارا ساريا يسمح بإعادة تفعيل العقوبات الأممية السابقة.

Image

وقد افتتحت الجلسة على إيقاع انقسام واضح، حيث اعتبرت كلا من إيران وروسيا والصين أن القرار 2231 انقضى وأن مجلس الأمن لم يعد مختصا بالملف، بينما أكدت الولايات المتحدة ودول الترويكا والاتحاد الأوروبي أن مسار تفعيل العقوبات قد أعاد قرارات العقوبات السابقة إلى الحياة، وأن المجلس ما زال معنيا بملف عدم الانتشار فيما يتعلق بإيران، هذا الانقسام لم يكن خلفية هادئة للنقاش، بل كان موضوع النقاش نفسه منذ اللحظة الأولى.

خلال الجلسة، قدم التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ القرار، وتلاه عرض من روزماري ديكارلو ،وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، شددت فيه على أنه رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة خلال النصف الثاني من عام 2025، فإن لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن مسار البرنامج النووي الإيراني، مشيرة إلى أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا، دول الترويكا، أخطرت المجلس في 28 أغسطس/ آب 2025 بنيتها تفعيل السناب باك، وأنه لعدم صدور قرار يوقف هذا المسار، فقد أعيد تطبيق العقوبات السابقة بدءا من 27 سبتمبر/ أيلول 2025، بما في ذلك إعادة تنشيط لجنة العقوبات 1737.

Image

وهنا برزت نقطة محورية في النقاش، فلجنة 1737 التي كانت قبل الاتفاق النووي والتي عدت إحدى أدوات الرقابة والعقوبات الأممية، عادت لتظهر كعنوان عملي لمسعى غربي لإعادة تنظيم الضغط ضمن قالب مؤسسي دولي، الولايات المتحدة، على لسان مسؤولين من بعثتها، ركزت على أن المجلس لا يستطيع أن يكون غير مبال تجاه ما تعتبره خروجا عن معايير الشفافية الدولية، وأن إعادة تفعيل قرارات مثل 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929 يمثل مسارا طبيعيا وفق آلية العودة التلقائية للعقوبات.

في المقابل، صاغ أمير سعيد إيرواني، سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، رد طهران بخطاب مزدوج، قانوني وسياسي، حيث أكد أن القرار 2231 انتهى بوضوح في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وأن المجلس ولا الأمانة العامة ولا أي جهة أخرى تمتلك صلاحية عقد جلسات أو تقديم تقارير على أساسه بعد هذا التاريخ، معتبرا أن الاستمرار في طرح الملف ضمن بند عدم الانتشار يمثل إساءة استخدام للإجراءات وتحويرا متعمدا لغاية القرار.

Image

وفي معرض دفاعه عن الموقف الإيراني، قال إيرواني إن إيران ترحب بأي “مفاوضات منصفة وذات معنى” لكنها ترفض بشكل قاطع شرط “صفر تخصيب”، معتبرا إياه مخالفا لحقوق إيران كعضو في معاهدة عدم الانتشار، وبالأخص حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، كذلك شدد إيرواني على أن إيران لن تخضع للضغط أو الابتزاز، وأن الإصرار على التخصيب الصفري دليل على غياب نية حقيقية للتفاوض.

على الجهة المقابلة، تصدرت مورغان أورتيجاس، التي حضرت ممثلة للولايات المتحدة في الجلسة بصفتها نائبة المبعوث الخاص لترامب في الشرق الأوسط، مشهد المواجهة الكلامية، حيث طالبت إيران بمفاوضات مباشرة وذات معنى، واستخدمت تعبيرا لافتا حين دعت طهران إلى “الابتعاد عن النار ومصافحة يد الدبلوماسية” حسب تعبيرها، لكنها وضعت السقف الأمريكي بوضوح حين قالت “لا يمكن أن يكون هناك أي تخصيب داخل إيران، معتبرة ذلك مبدأ ثابتا.

Image

هذا التحديد الحاد فتح باب الرد الإيراني مباشرة، فإيرواني اعتبر أن الإصرار على صفر تخصيب ليس إطارا تفاوضيا، بل شرط استسلام، وأن واشنطن إن أرادت مسارا دبلوماسيا فعليا فعليها الاعتراف بحقوق إيران ورفع العقوبات ضمن ترتيبات عادلة وقابلة للتحقق.

Image

روسيا، عبر سفيرها فاسيلي نبنزيا، ذهبت إلى أقصى درجات التشكيك في شرعية الاجتماع نفسه، فقد وصف المسعى الغربي بأنه استعراضي هدفه إعادة العقوبات وتعميق الانقسامات داخل المجلس، مؤكدا أن القرار 2231 انتهى، وأنه لا توجد آلية معتبرة لإحيائه، ومحذرا من إضعاف قواعد المجلس والقانون الدولي. الصين، عبر ممثلها دعمت هذا الموقف، مشيرة إلى غياب إجماع داخل المجلس حول صلاحية الأوروبيين لتفعيل السناب باك، ومحذرة من أن إعادة إحياء ملفات مختومة قانونيا يضعف مصداقية مجلس الأمن.

Image

أوروبا بدورها حاولت تثبيت روايتها، فممثلة بريطانيا قالت إن آلية الزناد قد تمت على أساس القرار 2231، واتهمت إيران بتقييد وصول الوكالة وبأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لديها غير مبرر ولو حتى للأغراض السلمية، فرنسا بدورها كررت التحذير من أن التخصيب قد يقود إلى قدرات خطرة، وألمانيا دفعت باتجاه تفعيل عملي للجنة 1737 وتعيين رئيس لها، الاتحاد الأوروبي، بلسان ممثلته قدم خطاب يحاول الجمع بين العصا والجزرة، فعودة العقوبات يجب ألا تعني نهاية الدبلوماسية بل بدايتها، مع مطالبة إيران ببيانات محدثة وقابلة للتحقق للوكالة.

هكذا انتهت الجلسة بلا قرار وبلا بيان، لكنها لم تنته بلا آثار، فالنتيجة الأبرز لم تكن نصا يصوت عليه المجلس، بل تكريس ساحة اشتباك سياسي، غرب يريد إبقاء مسار الضغط المؤسسي حيًا حتى دون إجماع كامل، وشرق يصر على أن الإطار القانوني انتهى وأن إعادة تدويره هي مجرد إعادة هندسة للضغط تحت لافتة الشرعية الدولية.

الداخل الإيراني والتفاوض… بين إصلاحيين يدفعون باتجاه قنوات سرية وأصوليين يرفضون لغة التنازل

وإذا كانت نيويورك قد شهدت سجالا بين دولتين، فإن طهران بدورها قد شهدت سجالا بين رؤيتين لموقع إيران في العالم وكيفية إدارة الصراع مع واشنطن، اللافت أن الخلاف الداخلي لا يدور حول رفض التفاوض من حيث المبدأ لدى الجميع، بقدر ما يدور حول شروطه، وحدوده، وتوقيته، ومَن يملك حق إعلان الاستعداد له وبأي لغة.

في قلب هذا الجدل جاءت تصريحات إيرواني في مجلس الأمن حول الترحيب بمفاوضات منصفة وذات معنى، هذه العبارة، التي بدت في نيويورك صيغة دبلوماسية تقليدية لتأكيد الاستعداد المشروط، ارتدت داخليا بوصفها مادة قابلة للتأويل والصدام، وظهر ذلك بوضوح في ردود نواب برلمانيين أصوليين اعتبروا أن مجرد إعلان الاستعداد في هذا التوقيت وبعد طلب صفر تخصيب يمس صورة الردع والسيادة.

فداخل البرلمان، برز اسم مهدي كوجك ‌زاده، نائب طهران، الذي انتقد بشدة ما اعتبره تناقضا بين هذه اللغة وبين السياسات العامة والدستور، فمن وجهة نظره، فإن الحديث عن تفاوض منصف بعد الهجمات والضغوط واشتراط صفر تخصيب يفهم كأنه تراجع أو ليونة غير مبررة، بل وذهب إلى ربط أزمة الغلاء والضغط الاقتصادي في الداخل بما يصفه مقاربات تفتح الباب أمام تحميل إيران أثمانا إضافية.

Image

ولم يتوقف الأمر عند قبة البرلمان. ففي الفضاء العام ومنصات التواصل، ظهرت دعوات تتجاوز نقد العبارة إلى نقد صاحبها، ووصلت إلى مطالبات بإنهاء مهمة إيرواني في الأمم المتحدة، ومن هنا جاء تعليق نائب آخر هو مجتبى زارعي، الذي كتب موجها حديثه إلى عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، معتبرا أن الإعلان غير المناسب عن الاستعداد للتفاوض مع أمريكا المجرمة لا يليق بشأن القوة الوطنية، على حد تعبيره، ومتسائلا” ألم يكن مقررا أن تنتهي مهمة إيرواني؟” واصفه إياه بأنه يجيد الكلام لكن قدرته على التشخيص ضعيفة.

Image

هذا، ومن خلال التقارير والتصريحات، فإن التيار الأصولي يبني موقفه على ثلاث ركائز، أولا، أن واشنطن لا تفاوض إلا بهدف فرض شروطها، وأن شرط صفر تخصيب يساوي نزع حق سيادي ثابت بموجب معاهدة عدم الانتشار، وثانيا، أن تقديم إشارات مرنة في لحظة ضغط قد يقرأ دوليا كاستعداد للتراجع، ما يرفع سقف المطالب بدل خفضه، وثالثا، أن كلفة إدارة التفاوض في الداخل عالية سياسيا، وأن أي خطوة غير محسوبة قد توظف ضد الدولة بوصفها تنازلا.

في الجهة المقابلة، فلم تنكر الأصوات الإصلاحية أو الأقرب للإصلاح مخاطر التفاوض، لكنها ترى أن الكلفة الاقتصادية والسياسية لاستمرار الانسداد أعلى، وأن المطلوب ليس تفاوضا علنيا يستهدف من الداخل والخارج، بل قنوات هادئة تقلل الأضرار وتتيح تبادلا واقعيا للمصالح، وهنا يبرز اسم عبدالرضا فرجي ‌راد، الدبلوماسي السابق وأستاذ الجغرافيا السياسية، الذي قال صراحة إن استمرار الوضع يضر إيران اقتصاديا، وإن الضغط لا يقع على الطرف الآخر بنفس القدر.

Image

فرجي ‌راد من جانبه لم يدافع عن تصفير التخصيب، بل أكد أن إيران محقة في رفضه لأنه يتعارض مع NPT، لكنه اقترح مسارا عمليا مفاوضات سرية تتضمن أخذا ورد حول القضايا الكبرى مع أمريكا، فحجته الأساسية تقوم على أن ترامب يطرح شروطه علنا ثم يصعب عليه التراجع عنها علنا لأنها قد تعد انتحارا سياسيا، بينما يسمح التفاوض السري بإنتاج تسوية تحفظ ماء الوجه للطرفين وتمنح ترامب إنجازا داخليا دون أن يظهر وكأنه تراجع.

إلى جانب فرجي ‌راد، جاءت تصريحات نعمت الله إيزدي، السفير الإيراني الأسبق، الذي رأى أن عقد جلسات مجلس الأمن قد يكون هدفه إبقاء سناب باك حيا، وأن عدم صدور قرار أو بيان ضد إيران في الجلسة يمكن اعتباره غير سلبي، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الأثر الحقيقي يظهر في سلوك الشركاء التجاريين لإيران، أي أن العقوبات تعود فعليا من بوابة الاقتصاد والعلاقات التجارية حتى إن ظلت القاعة بلا قرارات.

Image

إيزدي يذهب إلى نقطة حساسة، وهي أن حتى الصين، التي تدعم إيران سياسيا في مجلس الأمن، قد تعيد حسابات مصالحها النفطية والتجارية في ظل تغيرات السوق العالمية، ما يعني أن التعويل الحصري على فجوة الشرق والغرب قد لا يضمن لإيران نفس هامش المناورة الذي عرفته سابقا.

موقف جهاز السياسة الخارجية الأمريكي وتوجهاته تجاه التفاوض مع إيران

على أن قراءة الخطاب الأمريكي في مجلس الأمن لا تنفصل عن الصورة الأوسع حول طبيعة فريق السياسة الخارجية في ولاية ترامب الثانية، فالمعادلة التي ظهرت في نيويورك، والتي جاءت تحت معادلة “نحن منفتحون على التفاوض، لكن لا تخصيب في إيران” تعكس اتجاها تفاوضيا شكليا سقفه أعلى من قدرة الطرف الآخر على قبوله، ما يحول التفاوض إلى أداة ضغط بحد ذاته.

داخل هذا الفريق، تبرز شخصيات غير تقليدية دخلت المجال من بوابة المال والأعمال والصفقات، وعلى رأسها ستيف ويتكاف، رجل الأعمال والصديق المقرب لترامب، الذي يوصف في المواد بأنه السمسار الدبلوماسي الأبرز، فويتكاف، بحسب تلك القراءة التي قدمتها صحيفة اعتماد في عددها الصادر الخميس 25 ديسمبر/ كانون الأول 2025، يتحرك بمنطق الصفقة السريعة والنتيجة الملموسة، لا بمنطق التدرج الدبلوماسي الطويل، وهو ما ينتج اندفاعا في بعض الملفات وارتباكا في أخرى، كما ظهر في ملف روسيا وأوكرانيا.

Image

إلى جانب ويتكاف، يظهر جاريد كوشنر بدور غير رسمي لكنه حاضر في القضايا الكبرى، ويجسد فكرة الدبلوماسية عبر الدائرة الضيقة، فحين يدار التفاوض مع إيران بهذه الروح، يصبح من السهل أن يبنى على معادلة ضغط ومكسب، حيث تقديم عرض قاس ثم انتظار أن تدفع العقوبات الطرف المقابل للقبول، بدل بناء مساحة وسط.

Image

في المقابل، تأتي شخصية ماركو روبيو بوصفه عنصر توازن داخل الإدارة، يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، فروبيو، يملك خبرة سياسية تقليدية أكثر، وقد لعب أدوار تهدئة مع الحلفاء الأوروبيين في ملفات أخرى، وهو ما يوحي بأن داخل واشنطن تيارين، تيار الصفقة الصلبة وتيار الإدارة المؤسسية التي تحسب أثر المواقف على الحلفاء وعلى الشرعية الدولية.

Image

أما في البنية الصلبة للسياسة الأمنية، فتظهر أسماء مثل بيت هيغسيث في الدفاع، وجي دي  فانس في موقع نائب الرئيس، وستيفن ميلر في ملف الهجرة وتأثيره على العلاقات الثنائية، ووجود هؤلاء يعزز صورة أمريكا أولا التي تميل إلى فرض الشروط وإعادة تعريف الالتزامات الدولية بمنطق داخلي، وتقلل من أهمية توافق الحلفاء عندما يتعارض مع السقف السياسي المحلي.

Image
Image
Image

في هذا السياق، يصبح شرط صفر تخصيب ليس مجرد مطلب تقني، بل عنوانا سياسيا للاستهلاك الداخلي الأمريكي، فقدرة الإدارة على الظهور بمظهر من أوقف إيران ومنعها من الاقتراب من العتبة النووية، حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل مسار التفاوض. كما أن إعادة تفعيل أطر مثل لجنة 1737 داخل مجلس الأمن تحمل دلالة أخرى، فتحويل الضغط من عقوبات أمريكية أو أوروبية إلى ضغط أممي أو شبه أممي، بما يوسع دائرة الالتزام ويصعب على الدول والشركات تجاهل المسار.

إجمالا، تتجه واشنطن، حسب طبيعة تركيب فريقها الدبلوماسي وإدارتها للشئون الخارجية، إلى دبلوماسية مشروطة تعطي الأولوية لنتيجة محددة مسبقا، وتستخدم المنابر الدولية لتثبيت هذا السقف، وهي دبلوماسية تراهن على الزمن والعقوبات وتآكل القدرة الاقتصادية لإيران أكثر مما تراهن على مقايضة متوازنة بين الحقوق والقيود.

قراءة مستقبلية… ما الذي تفيده المؤشرات في المرحلة المقبلة؟

على خلفية قراءة كامل المشهد بعناصره الإقليمية والدولية والقانونية، فيتجه العديد من الخبراء إلى أن الوضع القادم يبدو مرهونا بثلاثة مسارات متوازية يمكن أن تتقاطع أو تتصادم، فالمسار الأول أممي إجرائي، تستمر فيه عقد جلسات مجلس الأمن كل ستة أشهر وفق ما يجادل به الغرب، واستمرار الجدل حول صلاحية السناب باك وإحياء لجان مثل 1737، وحتى إن لم يصدر قرار، فإن تكرار الجلسات يخلق اعتيادا مؤسسيا على فكرة أن الملف لا يزال حيا، ويزيد العبء على الشركاء التجاريين لإيران الذين يخشون المخاطر القانونية والمالية.

المسار الثاني تفاوضي سياسي، حيث يطرح فيه المختصين احتمال فتح قنوات تفاوض، علنية أو سرية، الأمر الذي يتوقف على قابلية تعديل السقف الأمريكي أو إنتاج صيغة لا تسمى صفر تخصيب لكنها تقترب منه عمليا عبر قيود مشددة وتحقق صارم وتجميد طويل، وهنا قد يظهر دور القنوات الخلفية التي تحدث عنها فرجي‌ راد، خصوصا إذا رأت واشنطن أن ضغط العقوبات وحده يرفع المخاطر الإقليمية بدل أن ينتج تنازلات.

Image

المسار الثالث أمني إقليمي، ويعتمد على تأثير إسرائيل والبيئة الإقليمية، واحتمال أن تستخدم التهديدات كورقة ضغط لتليين المواقف، وبهذا الشأن تشير تقييمات إعلامية أن لقاء ترامب ونتنياهو، المقرر خلال الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025، ربما يدفع نحو مزيد من التصعيد، وحتى لو لم ترغب واشنطن في حرب واسعة، فإن ارتفاع احتمالات الاحتكاك العسكري وتوجيه ضربة محدودة ورد محسوب، يبقى قائما ما دام الملف بلا تسوية.

وبالنسبة، لإيران، فستظل معضلة الداخل محددا رئيسيًا: إن اتجهت القيادة إلى تفاوض علني، ستواجه مقاومة خطابية وسياسية من أجنحة أصولية ترى في ذلك تهديدا للثوابت، وقد تضطر إلى تغليف أي مسار تفاوضي بسردية انتزاع الحقوق لا تقديم التنازلات، وإن رفضت التفاوض كلية، فستواجه ضغطا اقتصاديا متراكما وتضييقا على الحركة التجارية، وربما تراجعا في قدرة الاستفادة من انقسامات القوى الكبرى كما حذر بعض المحللين.

أما واشنطن، فتواجه بدورها معضلة النتائج، فالإصرار على شعار صفر تخصيب قد يعطل أي صفقة واقعية، لكن التراجع العلني عن هذا الشعار قد يضع الإدارة أمام كلفة داخلية، وهنا تصبح المرونة الشكلية محتملة، حيث إبقاء الشعار علنا، مع البحث عن صيغة في الغرف المغلقة تتحدث عن لا تخصيب مؤثر أو تخصيب معدوم عمليا، عبر آليات رقابة وتجميد، دون استخدام المصطلح ذاته.