- زاد إيران - المحرر
- 449 Views
كتب: الترجمان
في عالم الترجمة السياسية، لا تأتي الأخطاء دائما من المصطلحات الثقيلة أو الجمل المعقّدة، ولا من النصوص المليئة بالإحالات القانونية أو الخلفيات التاريخية، بل كثيرا ما تتسلل من أبسط ما يمر أمام عين المترجم: اسم شخص. اسم يبدو واضح المعنى لغويا، فيتعامل معه المترجم على أنه مفردة قاموسية، وينسى أن ما أمامه ليس كلمة قابلة للتأويل، بل اسم عَلَم له وظيفة واحدة فقط: التعريف بصاحبه، لا وصفه.
ومن النوادر التي صادفتها خلال عملي في ترجمة الأخبار الإيرانية في موقع “زاد إيران”، نادرة تبدو طريفة في ظاهرها، لكنها كاشفة عن خلل مهني شائع، وتتعلق بنائب معروف في البرلمان الإيراني، اسمه مهدي کوچک زاده، أحد الأصوات المثيرة للجدل تحت قبة البرلمان.
غير أن الترجمة العربية التي وصلت إلى النشر قدّمته للقارئ باسم مختلف تماما: مهدي صغير زاده.
وهنا بدأ الخلل الحقيقي.
كنت أراجع خبرا مترجما عن سجال سياسي حاد داخل البرلمان الإيراني، فوجدت الاسم يتكرر أكثر من مرة بهذه الصيغة: “قال النائب مهدي صغير زاده إن…” وأضاف صغير زاده خلال الجلسة…”
توقفت عند العبارة، لا لغرابتها اللغوية، لكن لخطورتها السياقية. عدت فورا إلى النص الفارسي الأصلي –مع أني أعرف النائب فاسمه يتردد يوميا في المواقع والصحف الإيرانية- فوجدت الاسم مكتوبا بوضوح: مهدی کوچک زاده، دون أي شرح أو توصيف إضافي. لا صفة، ولا لقب، ولا محاولة لتفسير الاسم، بل اسم معروف ومتداول في الإعلام الإيراني منذ سنوات طويلة.
استدعيت المترجمة المسؤولة عن المادة وسألتها بهدوء:
– لماذا تُرجم الاسم؟
فجاء الرد بثقة كاملة:
– لأن «کوچک» معناها صغير، و«زاده» تعني ابن، فترجمتها حرفيا.
والإجابة، رغم بساطتها، كشفت جوهر المشكلة.
في الفارسية، كما في العربية وسائر اللغات، كثير من الأسماء تحمل معاني لغوية واضحة، لكنها تفقد هذه الدلالة تماما عندما تتحول إلى أسماء أعلام. فـ«کوچک زاده» لا تعني في السياق السياسي أو الإعلامي «الصغير» ولا «ابن الصغير»، ولا تحمل أي توصيف جسدي أو اجتماعي أو تهكمي، بل هي كنية مستقلة، شأنها شأن أسماء كثيرة مثل: «بزرگ زاده»، «نوروزي»، «جهانگير»، وغيرها.
الخطأ هنا لا يُعدّ لغويا بحتا، بل هو خطأ مهني وسياقي. فعندما يتحول الاسم إلى صفة، يفقد الشخص هويته، ويتحوّل من شخصية سياسية محددة إلى توصيف مبهم قد يفتح الباب أمام تأويلات غير مقصودة. القارئ العربي، الذي لا يعرف الخلفية الفارسية، قد يظن أن «صغير» لقب سياسي، أو توصيف ساخر، أو حتى تلميح مقصود للتقليل من شأن النائب، بينما النص الأصلي بريء تمامًا من كل ذلك.
شرحت للمترجمة – ولمن حضر المراجعة – قاعدة أساسية في الترجمة الصحفية:
الأسماء الأعلام لا تُترجم، بل تُنقل صوتيا.
فنقول: مهدي كوچك زاده، أو مع تبسيط صوتي: مهدي كوجك زادة، دون محاولة تفكيك الاسم أو شرحه داخل النص، لأن الخبر السياسي ليس درسا لغويا، إنما مادة إخبارية يفترض فيها الوضوح والدقة.
هذا النوع من الأخطاء يتكرر كثيرا في الترجمة من الفارسية، حتى صار من الأخطاء “الكلاسيكية”، مثل ترجمة الأسماء بدل نقلها، أو التعامل مع الاسم كأنه جملة تحتاج إلى تفسير، أو الانسياق خلف المعنى القاموسي دون الالتفات إلى السياق. ومع النسخ المتبادل بين المواقع، تنتشر الترجمة الخاطئة بسرعة، وتتحول إلى صيغة شائعة، بينما يُهمَّش الاسم الصحيح أو يُمحى تماما من التداول.
وفي العمل الصحفي، الاسم ليس تفصيلًا شكليا ولا زينة لغوية، بل جزء أصيل من المعلومة نفسها. وأي عبث به، ولو بحسن نية، يربك النص، ويشوّه المعنى، ويُضعف ثقة القارئ في المحتوى المترجم.
وأحيانا، خطأ واحد في اسم، يكفي ليحوّل نائبا معروفا في البرلمان… إلى صفة لغوية لا وجود لها.
وإلى لقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.

