- زاد إيران - المحرر
- 393 Views
لم تعد معركة الإنترنت في إيران تدور فقط حول تطبيقات بعينها، بل باتت مرآة لصراع أوسع على شكل الدولة وحدود السلطة وحق المجتمع في المجال الرقمي، فبين خطاب رسمي يتحدث عن التوافق والتهدئة ووعود بتحسين حياة الناس الرقمية، وبين حراك سياسي يعيد إنتاج الأدوات نفسها كلما اقتربت لحظة انفراج، تتأرجح السياسات بين قرارات جزئية وارتدادات سريعة. وفي قلب هذا المشهد، يعود سؤال الثقة إلى الواجهة من يقرر؟ ولمصلحة من تدار القيود إذا صح التعبير؟ وكيف تحولت الفلترة والحجب من إجراء تنظيمي إلى ملف يلامس الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آن واحد؟
محاولة أصولية جديدة لحجب الإنترنت
عاد تطبيق واتس آب ليتصدر العناوين الداخلية في إيران مع تجدد النقاشات حول سياسات الفضاء الإلكتروني، لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد سجال إعلامي أو اختلاف في التصريحات، بل تحرك برلماني، حيث تقدم 51 نائبا من البرلمان الإيراني، الأربعاء 24 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بخطوة رسمية تمثلت في توقيع رسالة وإرسالها إلى مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، مطالبين بإعادة فرض القيود والحجب على واتس آب بعد فترة قصيرة من رفعه.

الرسالة، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الإيرانية، جاءت بمبادرة من حسان عظيمي راد، النائب البرلماني، وبمساندة 50 نائبا آخري، وقد حملت دعوة صريحة إلى إعادة النظر في السياسة الأخيرة التي انتهجتها الدولة بشأن رفع القيود عن بعض المنصات، وتحديدا واتس آب، وصولا إلى قرار بإعادة حظره.

أصحاب الرسالة قدموا الأسباب المتكررة في الخطاب الرسمي الأصولي، فهم يرون أن منصات المراسلة غير المحلية مثل واتس آب لا تمتثل للقوانين الداخلية لإيران، وأن خوادمها تقع خارج البلاد، ما يجعلها، وفق زعمهم، خارج نطاق الرقابة القانونية والتقنية للجهات الداخلية، كما يرون أن استمرار عملها دون التزام قانوني واضح يفتح الباب لانتهاك الخصوصية وإساءة استخدام البيانات وظهور تهديدات أمنية وثقافية.
وتضيف الرسالة، بحسب مضمونها، أن إبقاء المنصات الأجنبية تعمل بحرية يعرقل دعم منصات محلية يفترض أنها أكثر قابلية للرقابة والمساءلة والاستجابة لمتطلبات الحوكمة كما وصفوها.
وعود بزشكيان بشأن رفع الحجب.. ما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق؟
كان رفع الحجب أحد أبرز الوعود التي رافقت مسعود بزشكيان إلى السلطة منذ حملته الانتخابية، ففي المناظرات الانتخابية، كرر تعهداته بمواجهة الحجب ونظام الفلترة على الإنترنت، معتبرا إياهما سياسة تضر بالبلاد، وبدا آنذاك أن التنفيذ ممكن سريعا، بل إن التوقعات ذهبت إلى أن رفع الحجب قد يتحول إلى قرار مبكر ضمن المئة يوم الأولى من عمر الحكومة الرابعة عشرة.

غير أن لغة هذه الوعود بدأت تتغير بمجرد بدء الحكومة عملها، فالعبارات الحاسمة من نوع “فور استقرار الحكومة وفي أول اجتماعات المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، تراجعت تدريجيا لصالح خطاب جديد يركز على الدراسات التخصصية وضرورة التوافق بين أركان الحكم، وفي هذا السياق، تكررت تصريحات وزير الاتصالات ستار هاشمي حول إعداد خطة شاملة لرفع الحجب، ما أوحى بأن المسألة تتحول من وعد سياسي مباشر إلى مسار بيروقراطي طويل ومعقد.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، برزت عبارة لافتة في الخطاب الحكومي، وهي أنه ينبغي الصبر حتى يتشكل إجماع كامل بين أركان الحكم، وقد عكست هذه الجملة واقعا مفاده أن القرار الرقمي لا يحسم بإرادة تنفيذية منفردة، وأن شبكة صنع القرار أكثر تشابكا مما بدا عليه الخطاب الانتخابي، ومع ذلك، تحقق لاحقا أول اختراق فعلي، حين رفع الحجب عن واتس آب وجوجل بلاي في الاجتماع الثالث للمجلس الأعلى للفضاء السيبراني في ديسمبر/ كانون الأول من العام 2024.

في المقابل، جرى الحديث عن اعتماد خطة مكونة من 32 بندا لرسم مسار رفع الحجب تدريجيا، إلا أن هذه الخطة لم تنشر للرأي العام، ولم يعلن مضمونها، كما لم تظهر خطوات عملية تالية على الأرض، وحتى ما عد خطوة أولى لم يتحول إلى مسار منتظم، وبقيت الخطوة التالية معلقة، ما جعل الإنجاز يبدو أقرب إلى استجابة ظرفية لضغط اجتماعي منه إلى سياسة عامة متماسكة.
بعد رفع الحجب الجزئي، تكررت اجابة المسؤولين على أسئلة الصحافيين بعبارة واحدة، وهي أن الموضوع قيد الدراسة، ثم جاءت الحرب مع إسرائيل، والتي استمرت 12 يوما وما رافقها من انقطاع كامل للإنترنت داخل إيران، لتتحول إلى ذريعة مركزية جديدة لتبرير عدم استكمال رفع الحجب عن المنصات الأخرى، وفي الذكرى الأولى لتوليه الرئاسة، قال بزشكيان إن جدولا زمنيا كان محددا داخل المجلس الأعلى، ولولا اندلاع الحرب لتم فتح منصات أخرى وفق ذلك الجدول.

حينها قدم وزير الاتصالات تفسيرا إضافيا، مشيرا إلى أن ممثلي منصات أجنبية زاروا إيران وكان مخططا أن يفتتحوا مكاتب لهم، لكن الحرب أخرت هذه الخطوة، غير أن كثيرا من الخبراء كانوا يرون أن فكرة وجود تمثيل رسمي لمنصات أجنبية داخل إيران غير عملية أساسا، في ظل العقوبات وغياب العلاقات الطبيعية مع الغرب، ما جعل معيار التنفيذ يتأرجح بين الرغبة السياسية والقيود الواقعية.
وبعد الحرب، مرت ستة أشهر دون تسجيل أي تقدم ملموس، وتتابعت الوعود مجددا، إذ أعلن أن الحجب عن معظم المنصات سيرفع حتى مارس/ آذار 2026، مع الإشارة إلى بقاء مسائل فنية واتفاقات بين عدة جهات، وفي الوقت نفسه، صرح أحد أعضاء المجلس الأعلى للفضاء السيبراني بأن غالبية الأعضاء يعارضون رفع الحجب، ليظهر بوضوح أن العائق سياسي بقدر ما هو تقني.
وعلى خط مواز، تكررت الوعود بشأن تلجرام ويوتيوب، مع حديث عن مرحلة ثانية وتحديد مواعيد محتملة، وتصريحات عن مفاوضات إيجابية، قبل أن تمر هذه المهل دون نتائج واضحة أو شرح رسمي لأسباب التعطيل.
في المحصلة، بقي ما تحقق من وعود بزشكيان محصورا في رفع الحجب عن واتس آب وجوجل بلاي، بينما ظلت بقية الوعود معلقة على شبكة قرار معقدة تضم المجلس الأعلى، ولجانا مختصة، واعتراضات داخلية، ومناخا سياسيا يعيد شد الحبل كلما ظهرت إشارة تخفيف.
أزمة الحجب في إيران… من المستفيد منها؟
تتجسد أزمة الحجب في إيران في ثلاثية واضحة، ذلك قدمتها صحيفة اعتماد في تقريرها الصادر 25 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهي بطء الإنترنت، كثرة الاضطرابات، واتساع القيود، فتظهر المؤشرات الدولية أن إيران تقع في ذيل الترتيب العالمي من حيث جودة الإنترنت وسرعته واستقراره، مع متوسط سرعة لا يتجاوز 5.5 ميجابت في الثانية، مقابل متوسط آسيوي يبلغ نحو 13 ميجابت، إضافة إلى حجب أكثر من 36% من نطاقات الويب.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بسوء الخدمة، بل بمن يستفيد من استمرار هذا الوضع، فقد اثبتت التجربة أن القيود لم تمنع الوصول، بل دفعت المجتمع إلى الاعتماد الواسع على أدوات تجاوز الحجب، ويشير خبراء في قطاع الاتصالات والأعمال الرقمية إلى أن الفلترة خلقت سوقا مزدهرة لأدوات VPN، كسر الحظر، وأنتجت تعارض مصالح داخل السياسة الرقمية، حيث يتحمل المستخدمون والشركات والاقتصاد كلفة القيود، بينما تستفيد شبكة غير شفافة من بائعي أدوات كسر الحجب.

ومع إعلان رسمي بأن نحو 80% من حركة الإنترنت في البلاد تمر عبر VPN، فقد أصبح من الصعب الدفاع عن الفلترة بوصفها أداة فعالة للضبط، فهي لا تضيق المجال بقدر ما تنقل النشاط الرقمي إلى مسارات مجهولة خارج الرقابة، وتزيد المخاطر حتى من منظور الدولة نفسها.
وتبرز هنا مفارقة أمنية لافتة، إذ أدى الاستخدام الواسع لأدوات غير آمنة إلى تحويل عدد كبير من الأجهزة إلى شبكات تستخدم في هجمات إلكترونية، ما ساهم في تلويث الشبكة الداخلية وحظر عناوين IP الإيرانية خارجيا، وبذلك، فإن السياسة التي تسوق على أنها لحماية الأمن قد تنتهي عمليا بتوسيع دائرة المخاطر وتقليل التحكم الفعلي.
اما اقتصاديا، تكبدت الأعمال الرقمية خسائر كبيرة، لا سيما تلك التي تعتمد على الشبكات الاجتماعية، فالكثير من هذه الأعمال يعتمد على منصات مثل إنستغرام كمصدر رئيسي للدخل، ومع الحجب تراجعت الإيرادات وتباطأ نمو الاقتصاد الرقمي، كما تتحمل الأسر كلفة مباشرة سنوية تُقدّر بآلاف المليارات من الريالات نتيجة الاعتماد على أدوات تجاوز الحجب، فضلا عن كلفة غير مالية تتعلق بضياع الوقت والتوتر وتراجع جودة الحياة الرقمية.
وفي سياق متصل، برز مفهوم الإنترنت الطبقي، ذلك مع فتح الوصول إلى بعض المنصات لشرائح محددة مثل الجامعات، بينما بقيت القيود قائمة على العموم، ورغم نفي الحكومة تبني هذا النهج، فإن الاستثناءات المؤسسية عمقت الإحساس بأن الحجب لا يدار وفق معيار موحد للجميع.
الأصوليون سبب عدم الاستقرار في البلاد
يتجاوز الجدل حول الحجب الجانب التقني ليصل إلى عمق الصراع السياسي، فقد تحول الضغط البرلماني والاستجوابات إلى أدوات لتوليد أزمات متكررة، في وقت لم تستقر فيه سياسات الحكومة بعد، وبهذا الشأن يرى سعيد شريعتي، الناشط السياسي الإصلاحي، أن تصاعد تحركات النواب المتشددين وأعضاء جبهة بايداري، جبهة الصمود والتي تمثل التيار الأصولي في البرلمان، ضد الحكومة يعكس رفضا صريحا لنهج التوافق الذي أعلنت عنه حكومة بزشكيان، ويؤكد أن هؤلاء النواب يتعاملون مع الحكومة بمنطق فئوي ضيق، لا بمنطق المصلحة العامة، وأنهم لم يستوعبوا جوهر شعار التوافق القائم على التعاون بين القوى السياسية والتنفيذية والتشريعية لحل مشكلات البلاد بعيدا عن الاستقطاب الحزبي.

وبحسب شريعتي، فإن رفض يد التوافق تجسد في خلق أجواء ضغط مبكرة على الحكومة، رغم أن عمرها لم يتجاوز عاما ونصف، من خلال افتعال أزمات متكررة ووضع العراقيل أمام الوزراء والمديرين، كما يحذر شريعتي من أن وضع تسعة وزراء في دائرة الاستجواب، حتى دون تنفيذ فعلي، يرسل إشارة واضحة بعدم الاستقرار، ويعطل عمل المؤسسات، وينعكس مباشرة على معيشة الناس، ويحمل أقلية متشددة صاخبة في البرلمان مدعومة إعلاميا، على حد وصفه، مسؤولية التقلبات السياسية والاقتصادية، داعيا بزشكيان إلى مخاطبة الرأي العام بوضوح وشرح طبيعة العراقيل التي تواجه الحكومة، معتبرا أن زمن المجاملات قد انتهى.
من جانبه، يقدم حسين كنعاني مقدم، وهو ناشط أصولي، نقدا من داخل التيار نفسه، معتبرا أن استجواب الوزراء في ظروف إقليمية واقتصادية حساسة يضر بالبلاد ويزعزع الاستقرار، ويرى أن تجارب الاستجوابات السابقة أظهرت آثارا سلبية على الاقتصاد والمعيشة، وأن استهداف عدد كبير من الوزراء يوحي بالرغبة في إسقاط الحكومة، وهو ما يخدم خصوم إيران ويقوض الثقة العامة، ويقترح كنعاني مقدم تشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والبرلمان لتنسيق المواقف بعيدا عن الحسابات الفئوية، محذرا من أن استمرار الصراعات السياسية يبدد الاستقرار ويضعف الاستثمار ويضر بالمصالح الوطنية.

في النهاية، لا تبدو أزمة واتس آب حدثا منفصلا، بل حلقة في سلسلة طويلة من شد الحبل بين وعود الانفتاح وواقع القيود، حكومة وعدت بتخفيف الحجب، حققت خطوة محدودة، ثم اصطدمت ببنية قرار معقدة وتشدد سياسي يعيد إنتاج الأدوات القديمة. وبين هذين الخطين يقف المجتمع، محاولا الحصول على إنترنت طبيعي يمكن الاعتماد عليه في الدراسة والعمل والتجارة، بينما تتقاذفه السياسات بين فتح جزئي، وحجب محتمل، ووعود تتكرر أكثر مما تتحقق.

