أزمة المياه تشق الصف الإيراني… من تحذيرات البرلمان إلى صراعات المدن على المنابع

Image

لم تعد أزمة المياه في إيران مجرد ملف بيئي أو تقني يناقش في أروقة الوزارات والجامعات، بل تحولت في الشهور الأخيرة إلى قضية سيادية تمس أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي في البلاد، فالمياه، التي شكلت عبر التاريخ عنصرا حاسما في نشوء المدن واستمرار الزراعة والصناعة، باتت اليوم محور توتر دائم بين الأقاليم، ومصدر قلق للحكومات المتعاقبة، وعنوانا متكررا للاحتجاجات الشعبية.

تزامن هذا التحول مع تغيرات مناخية قاسية، وتراجع حاد في معدلات الهطول المطري، واستنزاف واسع للمياه الجوفية، فضلا عن سياسات تنموية غير متوازنة تجاهلت في كثير من الأحيان حدود الطبيعة وقدرة الأحواض المائية على الاحتمال، ومع تفاقم الأزمة، خرج ملف المياه من إطاره الفني الضيق ليدخل بقوة إلى قلب النقاش العام، ويصبح موضوعا حاضرا في البرلمان، والإعلام، والشارع.

في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في جلسة البرلمان، الثلاثاء، 23 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وكعادتها فيما يخص هذا الملف، لتكسر لغة التطمين التقليدية، وتضع الأزمة في إطارها الحقيقي بوصفها أزمة وطنية شاملة، لا تخص محافظة دون أخرى، ولا يمكن التعامل معها بمنطق المسكنات أو الحلول الجزئية.

تصريحات بزشكيان في البرلمان حول أزمة المياه

خلال الجلسة البرلمانية التي عقدت الثلاثاء، 23 ديسمبر/ كانون الأول 2025، والتي خصصت لمناقشة مشروع الموازنة وسياسات إدارة الموارد، لم يتعامل بزشكيان مع ملف المياه بوصفه تفصيلا جانبيا، بل جعله في صدارة حديثه، واصفا وضع المياه في البلاد بأنه أزمة حيوية وفورية.

Image

فخلال حديثه، استند الرئيس الإيراني إلى تقارير أعدها قرابة ثمانين أستاذا جامعيا من تخصصات مختلفة، إضافة إلى دراسات دولية وأبحاث ميدانية، مؤكدا أن جميع هذه المعطيات تقود إلى نتيجة واحدة، أن إيران دخلت مرحلة الخطر المائي، موضحا أن هذه التقارير، بعد دراستها داخل الحكومة، وضعت أمام النواب لأن الأزمة لا يمكن إدارتها بقرارات تنفيذية فقط، بل تحتاج إلى توافق وطني وتشريعي.

كما أشار الرئيس الإيراني إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على مناطق تقليدية معروفة بشح المياه، بل باتت تشمل تقريبا جميع المحافظات دون استثناء، وصرح إن كل نائب في البرلمان لديه اليوم مشكلة مياه في مدينته أو محافظته، ولا توجد محافظة يمكن القول إنها بمنأى عن هذا التحدي، وهو ما يعكس الطابع الشامل للأزمة.

وفي واحدة من أكثر فقرات خطابه دلالة، تحدث بزشكيان عن تحول أزمة المياه إلى صراعات بين المحافظات، مستشهدا بالخلافات القائمة بين أصفهان، وجهارمحال وبختياري، وكهكيلويه وبوير أحمد، وخوزستان، ويزد، معتبرا أن وصول الخلاف إلى هذا المستوى يعني أن المسألة لم تعد تقنية، بل تمس العدالة والحقوق والهوية المحلية.

Image

كما أكد بزشكيان أن مجرد الحديث عن حجم الأمطار السنوية أو الإقرار بسوء الإدارة السابقة لا يكفي لحل المشكلة، فحتى لو كانت الأرقام تشير إلى كميات كبيرة من الهطول، فإن غياب الإدارة العلمية، وسوء توزيع الموارد، واختلال أنماط الاستهلاك، يجعل هذه المياه غير قادرة على تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.

وشدد الرئيس الإيراني على أن الحل لا يكمن في نقل المياه من محافظة إلى أخرى، أو في اتخاذ قرارات فوقية، بل في إعادة النظر الشاملة في الاقتصاد المائي، وأنماط الزراعة، ونظم الري، والتوسع الصناعي غير المدروس، واعتبر أن استمرار السياسات غير العلمية سيؤدي إلى نتائج أسوأ، حتى لو بدا في ظاهر الأمر أنه يوفّر حلولًا سريعة.

وفي رسالة مباشرة للنخب والخبراء، قال بزشكيان إن كل من يدعي القدرة على حل أزمة المياه عليه أن يتقدم ويشارك عمليا في تقديم الحلول، مؤكدا أن الحكومة مستعدة لتطبيق أي مقترح علمي قابل للتنفيذ في المحافظات، هذا الخطاب حمل في طياته دعوة مفتوحة لتحمل المسؤولية الجماعية، بدل الاكتفاء بالنقد أو تبادل الاتهامات.

الخلافات المائية بين المحافظات الإيرانية.. من يتنازع مع من ولماذا؟

لم تعد الخلافات المائية في إيران مجرد تباينات فنية في توزيع الموارد، بل تحولت إلى صراعات مفتوحة بين محافظات ومدن ترى كل منها أن حقها الطبيعي أو التاريخي في المياه يتعرض للانتقاص، هذه الخلافات باتت اليوم أحد أخطر مظاهر أزمة المياه، لأنها تجمع بين البعد البيئي والاقتصادي والاجتماعي، وتترجم أحيانا في شكل احتجاجات شعبية، أو تعطيل منشآت، أو نزاعات سياسية داخل مؤسسات الدولة.

أبرز هذه الخلافات وأكثرها حساسية هو النزاع الدائر بين محافظة أصفهان ومحافظة يزد حول مياه نهر زاينده ‌رود، فبالنسبة لأصفهان، يعد زاينده ‌رود العمود الفقري للحياة الزراعية والبيئية والتاريخية للمدينة، وأي تحويل لمياهه ينظر إليه على أنه تهديد مباشر للزراعة، والفضاء الأخضر، وحتى الهوية الثقافية للمدينة، في المقابل، ترى يزد، الواقعة في قلب منطقة صحراوية، أن نقل المياه إليها مسألة وجودية تتعلق بتأمين مياه الشرب لمئات الآلاف من السكان.

هذا الخلاف لم يبق في إطار الجدل الإعلامي أو السياسي، بل تطور ميدانيا في أكثر من مناسبة، حيث شهدت مناطق شرق أصفهان احتجاجات واسعة من قبل المزارعين، وصلت في بعض الأحيان إلى الاعتداء على خطوط نقل المياه المتجهة إلى يزد، ويؤكد مزارعو أصفهان أن المياه المنقولة إلى يزد تستخدم، إلى جانب الشرب، في الصناعة والزراعة الحديثة، وهو ما تنفيه السلطات في يزد، معتبرة أن هذه الاتهامات تفتقر إلى الدقة.

Image

إلى جانب هذا النزاع، يبرز خلاف آخر لا يقل تعقيدا بين محافظة أصفهان ومحافظة تشهار محال وبختياري، حيث تنبع روافد زاينده ‌رود، فسكان جهارمحال وبختياري يرون أن محافظتهم تتحمل العبء البيئي لتغذية النهر، بينما لا تجني الفوائد الاقتصادية والزراعية نفسها التي تجنيها أصفهان، في المقابل، تؤكد أصفهان أن حقوقها المائية تاريخية ومثبتة قانونيا، وأن أي تقليص لتدفق المياه إليها ينعكس مباشرة على ملايين السكان.

أما في الجنوب الغربي، فيتمثل أحد أخطر النزاعات المائية في الخلاف بين محافظة خوزستان ومحافظات الوسط والجنوب الشرقي حول مياه نهر كارون، فخوزستان، التي تعتمد على كارون في الزراعة، وتوليد الكهرباء، والحفاظ على النظام البيئي للأهوار، تعارض بشدة أي مشاريع لنقل مياه هذا النهر إلى محافظات أخرى، وقد شهدت المحافظة في السنوات الأخيرة احتجاجات واسعة على خلفية تراجع منسوب المياه وملوحة الأراضي الزراعية.

Image

في المقابل، تدفع بعض المحافظات الوسطى باتجاه الاستفادة من مياه كارون لتغطية احتياجاتها المتزايدة، خاصة في ظل الجفاف المستمر، هذا التناقض في المصالح جعل من كارون رمزا لصراع أوسع بين منطق الحوض المائي ومنطق الحدود الإدارية، حيث تطالب خوزستان بإدارة متكاملة للنهر تمنع استنزافه، بينما ترى الأطراف الأخرى أن الأزمة الوطنية تبرر إعادة توزيع الموارد.

خلاف آخر آخذ في التصاعد هو النزاع بين محافظة فارس ومحافظات مجاورة حول مياه أنهار وروافد تصب في بحيرات داخلية، أبرزها بحيرة بختكان، فالتوسع الزراعي غير المنضبط في مناطق المنبع أدى إلى حرمان مناطق المصب من حصتها المائية، ما تسبب في جفاف البحيرات، وتدهور البيئة المحلية، واحتجاجات من قبل السكان الذين فقدوا مصادر رزقهم.

Image

وفي الشمال الغربي، لا يمكن تجاهل الخلافات غير المباشرة المرتبطة بأزمة بحيرة أورمية، حيث تتداخل مصالح محافظات أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية وكردستان، فكل محافظة تسعى للحفاظ على حصتها من المياه للزراعة والصناعة، بينما يؤدي ذلك مجتمِعا إلى تقليص المياه الواصلة إلى البحيرة، ما جعلها واحدة من أكبر الكوارث البيئية في المنطقة.

هذه الخلافات المتعددة تشترك في قاسم واحد، وهو غياب إدارة وطنية موحّدة للأحواض المائية، فبدل أن تدار الموارد وفق منطق علمي يأخذ في الاعتبار قدرة كل حوض على التحمل، يجري توزيع المياه في كثير من الأحيان بناء على اعتبارات سياسية أو ضغوط محلية، ويؤدي هذا النهج إلى تعميق الإحساس بالظلم بين المحافظات، ويحوّل المياه من مورد مشترك إلى سبب للصراع.

ويحذر مختصون من أن استمرار هذه النزاعات دون إطار حوكمة عادل وشفاف قد يدفع البلاد نحو مرحلة أخطر، حيث تتقاطع الأزمات البيئية مع التوترات الاجتماعية والاقتصادية، فالمياه، في الحالة الإيرانية، لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على إدارة التنوع الجغرافي وتحقيق العدالة بين أقاليمها.

خطة الحكومة لمواجهة الأزمة

في مقابل هذا المشهد المعقد، عرض بزشكيان ملامح رؤية حكومته للتعامل مع أزمة المياه، مؤكدا أن الحل لا يمكن أن يكون أحادي البعد أو قصير الأمد، جوهر هذه الرؤية يقوم على الانتقال من إدارة رد الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي القائم على العلم والمعرفة.

Image

أولى ركائز هذه الخطة تتمثل في الاعتماد على الخبراء والأكاديميين، ليس بوصفهم مستشارين شكليين، بل شركاء فعليين في صنع القرار، حيث دعا بزشكيان إلى تشكيل فرق تخصصية تعمل على مستوى الأحواض المائية، وتضع خرائط طريق واضحة لكل منطقة، تأخذ في الاعتبار الخصائص البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة نمط الاستهلاك الزراعي، باعتبار أن هذا القطاع يستهلك النسبة الأكبر من المياه، وتشمل هذه الهيكلة التحول نحو أنماط زراعية أقل استهلاكًا للمياه، واعتماد تقنيات ري حديثة، وربط الدعم الحكومي بالالتزام بهذه المعايير.

وفيما يتعلق بالصناعة، أكدت الحكومة على ضرورة وقف التوسع غير المدروس للصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، وربط أي مشاريع صناعية جديدة بتوافر موارد مائية مستدامة، ويأتي ذلك في إطار مراجعة شاملة لسياسات التنمية الإقليمية.

Image

وتتضمن الخطة أيضا تعزيز الشفافية في إدارة المياه، عبر نشر البيانات المتعلقة بمصادر المياه وتوزيعها واستخداماتها، بهدف استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، فغياب المعلومات الدقيقة كان أحد العوامل الأساسية في تصاعد الشائعات والنزاعات.

وفي البعد القانوني، تطرح الحكومة مراجعة الأطر التشريعية المتعلقة بتوزيع المياه، بما يضمن حماية الحقوق التاريخية، ويمنع التخصيصات غير المدروسة التي تفوق قدرة الموارد المتاحة، وينتظر أن يلعب البرلمان دورا محوريا في هذا المسار.

المياه بين مفترق القرار الوطني وخطر الاستنزاف المستمر

تكشف تصريحات بزشكيان في البرلمان، وما رافقها من نقاشات، أن إيران تقف عند مفترق طرق حاسم في إدارة مواردها المائية، فإما الاستمرار في نهج الحلول الجزئية التي تنقل الأزمة من منطقة إلى أخرى، أو الانتقال إلى مقاربة وطنية شاملة تعترف بحجم التحدي وتسعى إلى معالجته من جذوره.

أزمة المياه في إيران لم تعد مسألة مستقبلية، بل واقع يومي ينعكس في حياة المواطنين، وفي علاقات المدن والمحافظات بعضها ببعض. والخلافات القائمة اليوم ليست سوى أعراض لمشكلة أعمق تتعلق بكيفية اتخاذ القرار وتوزيع الموارد.

إذا ما نجحت الحكومة في ترجمة وعودها إلى سياسات عملية قائمة على العلم والعدالة، فقد تشكل هذه اللحظة بداية مسار جديد نحو الاستدامة، أما إذا بقيت الأزمة رهينة التجاذبات المحلية والحلول المؤقتة، فإن التحديات المقبلة قد تكون أشد تعقيدا، وأصعب احتواء، في بلد أصبحت فيه المياه عنوانا لأخطر اختبار وطني في القرن الحادي والعشرين.

كلمات مفتاحية: