- زاد إيران - المحرر
- 298 Views
أثارت تصريحات أُطلقت في سياق اقتصادي حساس موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما فتحت بابا واسعا لتفسيرات متباينة حول طبيعة الخطاب الحكومي في مواجهة الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية، فبين من قرأ هذه التصريحات بوصفها واقعية صادمة تفرضها الظروف، ومن رآها تعبيرا ملتبسا يزيد فجوة الثقة مع الشارع، هذا فيما تحول النقاش من حدود العبارة إلى أسئلة أعمق تتعلق بإدارة الاقتصاد، وحدود المسؤولية، والفارق بين الخطاب السياسي وتجربة الناس اليومية.
للعقوبات بركة… ولدينا مشاكل داخلية
في لقاء حمل عنوان توضيح السياسات الخارجية الذي انعقد في غرفة تجارة أصفهان، الخميس 25 ديسمبر/ كانون الأول 202، بحضور فاعلين اقتصاديين ورواد أعمال، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بإن الخارجية الإيرانية تضطلع في الظروف الراهنة بمهمتين مهمتين، أولاهما وأهمهما السعي لرفع العقوبات، وقد أكد أن هناك جهود بذلت في هذا الإطار، من بينها الاتفاق النووي ومفاوضات متعددة، وستستمر هذه الجهود مع الحفاظ على مبادئ البلاد وكرامتها، والثانية هي المساهمة في تحسين اقتصاد البلاد.

كما أضاف عراقجي في معرض تصريحاته أن المشكلات الاقتصادية لا تنبع فقط من المؤامرات والعقوبات الخارجية، بل تسهم فيها أيضا مشكلات من قبيل الفساد، ومافيات النفوذ، وأوجه القصور في الكفاءة، والجهل، وهي أمور يجب التصدي لها حسب وصفه، غير أن هناك كذلك عقوبات خارجية ومحاولة منظمة لتصوير أوضاع البلاد على أنها أسوأ مما هي عليه.
في جانب آخر من حديثه، استعاد عراقجي تجربة الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، في 12 يونيو/ حزيران 2025، بوصفها محطة تاريخية ورمزا للمقاومة، مؤكدا أكد أن أعداء إيران كانوا يظنون أنهم قادرون خلال أيام قليلة على فرض الاستسلام لكنهم اضطروا في النهاية إلى التراجع، وأن مقاومة إيران أحبطت سيناريو الإخضاع، موضحا أن الشعب فضل الشهادة والثبات والكرامة على الاستسلام، وأن سلسلة القيادة لم تنكسر رغم الخسائر، إذ مع مقتل كل قائد يحل محله آخر.

ثم جاء التصريح الأكثر إثارة للجدل، عندما قال عراقجي أنه يعرف كلفة العقوبات ومعناها، لكنه يعرف بركاتها أيضا، وأنه يجب العيش مع العقوبات، في إشارة منه إلى أن العقوبات قد دفعت الاقتصاد الداخلي إلى النمو، وزادت شعور الاعتماد على النفس وفتح سوق داخلي واسع لدى التجار الإيرانيين، كما أكد عراقجي مرة أخرى” أيا من التجار والفاعلين الاقتصاديين لم يطلب مني أن اذهب وارفع العقوبات، بل قالوا لي إن مشكلتهم في البنك المركزي والجمارك والضرائب ووزارة الزراعة ووزارة الصناعة والمناجم والتجارة، إن جوهر المعاناة داخلي، وإذا عولجت هذه العقد يمكن خلق قدرات جديدة جدا واستثمارها”.
وعاد عراقجي ليؤكد أن رفع العقوبات هو مهمته الأولى ولم ينسها، واصفا المسار لتحقيق ذلك بأنه شديد الصعوبة، قائلا إنه لا يريد الخوض في تفاصيله، وإن إيران لن تفوت الفرص في هذا الإطار.
مهمة الخارجية معروفة.. وعلينا أن نواجه أنفسنا
على وقع الانتقادات الشديدة التي لحقت به بسبب تصريحاته، نشر عراقجي نصا مطولا في قناته على تلجرام، سعى من خلاله إلى توضيح ما صرح به خلال المؤتمر ، فقد أكد عراقجي في مستهل توضيحه أن تصريحاته لا تعني بأي حال من الأحوال القبول بالعقوبات أو الرضا بها، ولا تنطوي على استخفاف بالضغوط الثقيلة التي فرضت على الشعب الإيراني والاقتصاد الوطني، وشدد على أن ما قاله هو توصيف لواقع صعب وحقيقة مرة لكنها تعليمية، فرضتها سنوات طويلة من المواجهة والعقوبات، ولا يمكن تجاهلها عند رسم السياسات المستقبلية.
وفي سياق شرحه، أوضح عراقجي أن وزارة الخارجية تعمل في المرحلة الراهنة وفق مهمتين متزامنتين ومتكاملتين، تتمثل المهمة الأولى في السعي الجاد لرفع العقوبات الظالمة، التي فرضتها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، مؤكدا أن هذا الهدف لم ينس يوما، لكنه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مفاوضات حقيقية وعادلة ومشرفة، أما المهمة الثانية، التي لا تقل أهمية في نظره، فهي العمل على تحييد آثار العقوبات وعدم رهن الاقتصاد الإيراني بالكامل بالمتغيرات الخارجية.
كما شدد على أن تحييد آثار العقوبات لا يمكن أن ينجح دون معالجة العوائق الداخلية التي ترهق الفاعلين الاقتصاديين، مثل التعقيدات الإدارية واللوائح المتضاربة والقرارات البيروقراطية، داعيا إلى تعزيز الثقة برواد الأعمال والمنتجين والتجار الإيرانيين، وتسهيل مسارات الإنتاج والتجارة، معتبرا أن جزءا كبيرا من القدرة على الصمود الاقتصادي مرهون بإصلاح الداخل.

وفيما يتعلق بمفهوم بركات العقوبات، أوضح عراقجي أنه يقصد الدروس القسرية التي فرضتها هذه الضغوط، وفي مقدمتها إدراك مخاطر الاعتماد على اقتصاد أحادي قائم على النفط، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصادرات غير النفطية، وفتح أسواق جديدة، وإيجاد مسارات بديلة للتجارة، واعتبر أن هذه الظروف أسهمت، رغم قسوتها، في تسريع نضج بعض الصناعات الوطنية ودفع التقدم العلمي والتكنولوجي.
وختم عراقجي توضيحاته بالتأكيد على أن القول بضرورة العيش مع العقوبات لا يعني الاستسلام لها، بل يعني عدم تعطيل عجلة الإنتاج والتجارة والتقدم بانتظار رفعها، والعمل في الوقت نفسه على بناء اقتصاد أكثر صمودا وتنوعا، وخلص إلى أن رؤيته للسياسة الخارجية تقوم على الجمع بين السعي الدؤوب لرفع العقوبات، وبناء اقتصاد وطني قادر على الاستمرار والنمو حتى في أقسى ظروف الضغط الخارجي.
سازندجي.. عن أي بركات يتحدث عراقجي؟
هذا ولم تكن تصريحات عراقجي لتمر على رادار الصحافة دون أثر، فقد قدمت صحيفة سازندجي، في عددها الصادر السبت 27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قراءة نقدية ركزت على الأثر الاجتماعي والنفسي للخطاب أكثر من تركيزها على هندسة السياسة الخارجية، حيث استهلت الصحيفة بتذكير القارئ بأن عراقجي نفسه سبق أن أدلى خلال السنوات الأخيرة بتصريحات شديدة اللهجة ضد العقوبات، واعتبرها غير قانونية وظالمة وجرائم يجب مساءلة من يفرضها وينفذها، كما أشار إلى آثارها المدمرة على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للإيرانيين، ومن هذه المقارنة بنت الصحيفة مفارقة أنه كيف ينتقل الخطاب من توصيف العقوبات كجريمة إلى الحديث عن بركاتها؟
وتابعت سازندجي أن العبارة التي تقول بإمكانية العيش مع العقوبات مع الإشارة إلى البركات حملت في تلقيها العام، من وجهة نظر الصحيفة، معنى مقلقا، حيث اعتبرت ذلك “وكأن وزارة الخارجية غير متحمسة بما يكفي لرفع العقوبات، أو أنها تتعامل مع أعبائها على أنها أمر واقع يمكن احتواؤه بخطاب التكيف”، ولم تكتف الصحيفة بهذا، بل نقلت أيضا ما يفيد بأن عراقجي ذهب أبعد من ذلك حين قال ما معناه إن معرفة صعوبات مسار رفع العقوبات قد تدفع المستمع إلى قول دعك من الأمر، وهو ما فهم كرسالة سلبية لدى الجمهور.

ثم طرحت الصحيفة سؤالا سياسيا مباشر مفاده إذا كانت ظروف ما بعد حرب الأيام الاثني عشر مختلفة، فما مصير وعد رفع العقوبات الذي كان من أبرز وعود الحكومة الرابعة عشرة؟ وإلى متى سيواصل الناس تحمل كلفة المعيشة المحطمة؟ في هذا الطرح، أعادت سازندجي النقاش من مستوى الاستراتيجيات إلى مستوى لقمة الخب”، معتبرة أن تبرير التأخير لم يعد مقبولا اجتماعيا.
وفي نقطة جوهرية، سألت سازندجي عن المعنى العملي للبركات في حياة الناس اليومية، وهل تظهر في زيادة الفقر؟ وفي قفزات سعر العملة والذهب؟ في تكاليف مسعرة بالدولار مقابل دخل بالريال؟ أم في ظواهر مثل تقسيط الفاكهة والمكسرات، أو تقليص الحصص الغذائية؟، كما اعتبرت أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص بعض المعروض لم يعد بحاجة إلى خطابة، لأن الناس يعيشونه يوما بيوم.
وختمت الصحيفة بنبرة مفادها أن العقوبات صنعت فجوة كبيرة بين الوعود وواقع الناس، وأن سنوات من الحديث عن رفعها لم تغير الكثير في حياة الجمهور، وأن المشكلة ليست فقط في السياسة، بل في الفارق بين لغة المسؤولين وتجربة الناس، ومن هذا المنظور، خلصت إلى أن بركات العقوبات ظهرت في دفاتر الإحصاءات والتقارير أكثر مما ظهرت في سلة الأسرة.
كيهان.. يجب أن ننظر إلى العقوبات الداخلية قبل الخارجية
على الجانب الأخر، دعمت صحيفة كيهان الأصولية، وعلى غير العادة، تصريحات عراقجي، ذلك في عددها الصادر لليوم نفسه، لتعيد تأطير كلام عراقجي ضمن سردية أكثر انسجاما مع خطاب الاعتماد على الداخل ورفض تعليق الاقتصاد على التفاوض.
فقد قالت كيهان في معرض حديثها أن بعض التيارات السياسية تقدم التفاوض بوصفه الحل الوحيد، وتتجاهل سوء الإدارة والعوائق الداخلية، بينما الواقع، كما تقول، أن الفاعلين الاقتصاديين أنفسهم يرون أن جوهر المشكلة في الداخل، في البنك المركزي والجمارك والضرائب ووزارات بعينها، وأن ما يحتاجه الاقتصاد هو تفكيك القيود المحلية قبل انتظار تغيير خارجي.
واعتمدت الصحيفة مفهوم رفع العقوبات الداخلية بوصفه المفتاح الحقيقي، معتبرة أن العوائق البيروقراطية والقرارات الفجائية وتعدد الجهات المتدخلة في الاستيراد والتصدير، كلها تنتج نوعا من العقوبة على المنتج والتاجر، كما أشارت الصحيفة إلى استطلاعا أفاد بأن نسبة كبيرة من التجار ترى المشكلات داخلية أكثر مما هي نتيجة للعقوبات الخارجية، وهو رقم استخدم لتقوية الحجة بأن التعويل على التفاوض وحده يعطل الإصلاحات الممكنة فورا.

وفي شرحها لمصادر الاختناق، سردت كيهان أمثلة تفصيلية، كتكدس البضائع في الجمارك بسبب تعاميم مفاجئة، وتدخل جهات متعددة قد تصدر قرارات متناقضة، إضافة إلى جدل البطاقات التجارية التي تستخدم لمرة واحدة وما تخلقه من طلب وهمي على العملة واحتكاك مع التجار الحقيقيين، كما تناولت إخفاقات في قطاع الزراعة وملف المدخلات، ومشكلات في تنظيم التصدير والأسواق، ثم انتقلت إلى ملف الضرائب من زاوية “العدالة الضريبية” والإعفاءات الواسعة للشركات الحكومية وشبه الحكومية.
بهذا، بدا دعم كيهان الغريب لعراقجي ليس دفاعا عن بركات العقوبات بحد ذاتها، بل دفاعا عن الاتجاه العام الذي يعطي الأولوية لتصفية العوائق الداخلية وتحرير قدرات الاقتصاد كي يصبح أكثر مقاومة للصدمات الخارجية، وهو الخطاب المعتمد لدى التيار الأصولي الإيراني، ففي منطق الصحيفة، فإن الانفعال أمام العدو لا يحل المشكلة، بل يزيده جرأة في الضغط والمطالبة بالمزيد، بينما تفكيك القيود الداخلية يجعل الاقتصاد أقل هشاشة أمام أي موجة عقوبات جديدة.

