- زاد إيران - المحرر
- 347 Views
كتب: الترجمان
عاد الجدل في إيران حول رفع أسعار البنزين إلى واجهة النقاشين السياسي والاقتصادي، بعد تسريبات وتصريحات متفرقة من مسؤولين ومحللين تشير إلى نية الحكومة إدخال تعديلات تدريجية على تسعيرة الوقود.
الملف، الذي ظلّ مؤجّلاً لسنوات خشية انفجار الشارع، عاد اليوم تحت ضغط أزمات مالية متراكمة، وعقوبات خانقة، وارتفاع مطرد في استهلاك الطاقة، غير أنّ التوقيت والآليات والانعكاسات الاجتماعية والسياسية تجعل هذا القرار المحتمل اختبارًا جديدًا للتوازن بين ضرورات الاقتصاد ومخاوف السياسة.
الجذر الاقتصادي للأزمة
بحسب تقرير صحيفة اطلاعات، فإنّ النقاش حول تعديل أسعار الطاقة ليس جديداً، بل مستمر منذ أكثر من عقدين بين مؤسسات الدولة والجامعات والمراكز البيئية.
وذكرت الصحيفة أنّ استمرار الوضع الحالي غير عقلاني ولا ممكن، في إشارة إلى أن نظام الدعم السخيّ للوقود لم يعد مستدامًا في ظلّ العجز المزمن في الموازنة والزيادة المفرطة في الاستهلاك المحلي.
وأضافت أن الحكومات المتعاقبة – خصوصًا خلال العقدين الأخيرين- تجنّبت مواجهة هذا الملف اعتمادا على المثل الشعبي الذي يقول: “لماذا نعالج رأسًا لا يؤلمنا؟”.
لكن استمرار هذا التجنّب، زاد من اتساع الأزمة يومًا بعد آخر حتى باتت قضية البنزين تمسّ الأمن الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
وتشير اطلاعات إلى أنّ الحلول المقترحة تتراوح بين رفع السعر تدريجيًّا إلى مستويات 0.7 دولار للبنزين المدعوم، 1.9 دولار للبنزين الحرّ، وهو ما يعني عمليًّا مضاعفة السعر الحالي.
غير أنّها تحذّر من أن المكاسب المالية المحتملة -المقدّرة بنحو 3 مليارات دولار سنويا- لن تكون كافية لتعويض الأضرار النفسية والاجتماعية والتضخمية القصيرة المدى.
بين الواقعية الاقتصادية والحسابات السياسية
تتفق تحليلات موقع اقتصاد نیوز مع ما أوردته “اطلاعات” حول حتمية إصلاح أسعار البنزين، لكنها تذهب أبعد من ذلك في طرح البعد السياسي للقرار.
ففي حوار مع عضوَي غرفة التجارة الإيرانية، آرش نجفي وحميد رضا صالحي، اعتبر نجفي أنّ تأخير تعديل السعر كان خطأ استراتيجياً، بينما يرى صالحي أنّ كل عام يمرّ من دون إصلاح يزيد من كلفة التغيير لاحقاً.
لكن اللافت هو تحذير صالحي من أن الحكومة لم تُطلع الشعب على أسباب الزيادة ولا على وجهة الأموال المتحصّلة منها، وهو ما وصفه بأنه تهديد مباشر لثقة الناس.
ويضيف أنه في عام 2019 حين رُفع السعر فجأة، شهدنا ما حدث في الشوارع. لو كان القرار تدريجياً ومتزامناً مع برامج دعم واقعية، لما انفجرت الأوضاع بتلك الصورة.
في المقابل، يرى نجفي أن إصلاح السعر ضرورة لا علاقة لها بالعقوبات أو الآلية المعروفة بـ آلية الزناد، مؤكداً أنّ المشكلة داخلية وهيكلية في الاقتصاد.
ويقترح تنفيذ رفع الأسعار على مراحل تدريجية مع تقديم حزم دعم غير نقدية للفئات الفقيرة، مثل بطاقات الوقود الخاصة أو تخفيضات في النقل العام.
ويكشف الموقع أن النقاش حول البنزين يعكس انقساماً داخل دوائر صنع القرار الإيرانية بين تيارٍ تكنوقراطي يرى ضرورة المضي بالإصلاح مهما كلّف، وتيار سياسي يخشى تكرار سيناريو 2019 حين تحوّل قرار اقتصادي إلى أزمة سياسية وأمنية هزّت البلاد.
ذاكرة نوفمبر.. كابوس الإصلاح الاقتصادي
تجربة نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ما زالت حاضرة في ذهن الساسة الإيرانيين.
ففي ذلك العام، قررت حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني رفع سعر البنزين بنسبة 200% في خطوة مفاجئة، أدت إلى احتجاجات واسعة قوبلت بقمع شديد، وانتهت بقطيعة طويلة بين الحكومة والشارع.
ولذلك، تتعامل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان –وفق مراقبين– مع هذا الملف بحذرٍ بالغ.
النائب الأصولي حميد رسائي نشر مؤخراً على منصة “إكس” منشورًا يتهم فيه الحكومة بالتضليل، قائلاً: “بينما ينفي المسؤولون نية رفع البنزين، هناك مصادقة حكومية تقضي بإضافة تكاليف النقل وعمولة المحطات إلى سعر الوقود، ما يعني أن البنزين سيصل إلى 1.3 دولار”.
وردًا على ذلك، ذكّر معلقون بأن بزشكيان نفسه كان قد نفى خلال حملته الانتخابية وجود أي خطة لزيادة البنزين، وهو ما يُستعاد اليوم كحجة على تناقض الخطاب والواقع.
تثير هذه السجالات تساؤلات حول مصداقية الحكومة الجديدة وقدرتها على إدارة التوقعات الشعبية، خاصة في ظلّ ضغوط اقتصادية خانقة وانخفاض قيمة العملة المحلية وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

تسريبات الموازنة تشعل الجدل حول البنزين
بعد مرور أكثر من عام على عمر حكومة الرئيس مسعود بزشكيان ومع اقتراب موعد إعداد مشروع الموازنة، ترددت تسريبات عن احتمال تعديل أسعار البنزين. وانتشرت صورة منسوبة إلى مصادقة الحكومة تشير إلى اتساع الفارق السعري بين البنزين والغاز المضغوط (CNG) وتحديد سقف للحصص واعتماد نظام متعدد الأسعار»، لتتحوّل سريعًا إلى العنوان الأبرز في وسائل الإعلام.
لكنّ مسؤولي الإعلام الحكومي سارعوا إلى نفي الخبر، مؤكدين أنّ الحكومة لا تملك حالياً أي خطة لرفع أسعار البنزين. ومع ذلك، فإنّ شركة التكرير وتوزيع المشتقات النفطية لم تُصدر نفياً رسمياً، ما زاد من حجم الغموض والشكوك.
معادلة الدعم والعدالة الاجتماعية
يؤكد خبراء الاقتصاد الإيراني أن الإصلاح وحده لا يكفي إن لم يُصاحَب بإعادة توزيع عادلة للعوائد، ففي حين تستفيد الطبقات الثرية أكثر من البنزين المدعوم بسبب امتلاكها سيارات متعددة، تتحمّل الطبقات الفقيرة عبء التضخم دون استفادة تُذكر.
يقترح بعض الاقتصاديين تحويل الدعم من المركبات إلى الأفراد، أي تخصيص حصة وقود لكل مواطن وليس لكل سيارة، عبر منظومة بطاقات ذكية.
آخرون يرون ضرورة البدء بقطاع الصناعة، عبر رفع أسعار الطاقة للقطاعات كثيفة الاستهلاك أولاً، وتخفيض الهدر في شبكات النقل والتوزيع، قبل المساس بسعر البنزين الشعبي.
لكنّ ما يجمع عليه معظم الخبراء هو أن أيّ إصلاح مفاجئ أو بلا شفافية سيحوّل ملف البنزين إلى قنبلة سياسية جديدة، في وقتٍ لا يحتمل فيه النظام الإيراني أي توترات داخلية إضافية.
الإصلاح تحت ظلال العقوبات والماكينة السياسية
توقيت عودة هذا النقاش لا ينفصل عن المستجدات السياسية الأخيرة، خصوصًا بعد تفعيل “آلية الزناد” وعودة العقوبات الغربية المشددة على صادرات الطاقة.
ورغم تأكيد المسؤولين، مثل نجفي وصالحي، أن القرار اقتصادي بحت، فإنّ الواقع يقول إنّ أي خطوة في ملف البنزين تُقرأ دوليًا كإشارة على مدى متانة الحكومة داخليا.
فكل اضطراب داخلي سيضعف موقف طهران في التفاوض، ويمنح خصومها ورقة ضغط إضافية.
ولهذا، يصف بعض المراقبين الإصلاح الاقتصادي في إيران بأنه رهينة السياسة الخارجية، فالحكومة لا تستطيع تحريك الأسعار دون ضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي، ولا يمكنها تمويل الدعم دون فتح مسارات تصدير جديدة.
إنها معادلة مغلقة: العقوبات تمنع الإصلاح، والإصلاح من دون ثقة شعبية قد يفجر الشارع.
بين الضرورة والمخاطرة
من الواضح أنّ إيران وصلت إلى مفترق طرق في سياستها المتعلقة بالطاقة، فاستمرار الدعم الحالي لم يعد ممكناً اقتصادياً، لكنّ كلفة التغيير مرتفعة سياسياً واجتماعياً.
وبين هذين الحدّين الضيقين، تحاول حكومة بزشكيان إيجاد معادلة وسط تُظهرها كحكومة إصلاحية مسؤولة من دون أن تتحول إلى شرارة اضطراب، فالتجارب السابقة تثبت أن المشكلة ليست في رفع السعر بحد ذاته، بل في غياب الشفافية والتواصل مع المجتمع.
وحين يدرك المواطن أن ما يُقتطع منه سيعود عليه بخدمات أو تعليم أو نقل عامّ أفضل، فإنّ تقبّله لأي إصلاح يصبح أكبر، أما حين يشعر بأن القرارات تُتخذ في الغرف المغلقة لتغطية عجز الميزانية فقط، فإنّ كل “ريال” إضافي يتحوّل إلى عبء سياسي.
الطريق أمام طهران إذن محفوف بالمخاطر: فالإصلاح الاقتصادي المطلوب لا يمكن أن ينجح دون إصلاح سياسي وإداري يضمن المشاركة والمساءلة.

