- زاد إيران - المحرر
- 546 Views
في مشهد حاسم عكس مدى حساسية العلاقة بين السلطة والمجتمع في إيران، جاء قرار الحكومة سحب مشروع قانون الفضاء الإلكتروني ليشعل موجة جديدة من النقاشات المحتدمة حول حدود حرية التعبير، وأدوار الدولة، ومسؤوليات الإعلام، وحقوق المواطنين في العصر الرقمي، في لحظة بدا فيها أن المضي قدما بالمشروع سيفتح أبواب المواجهة مع شرائح واسعة من المجتمع، اختارت الحكومة التراجع، مثيرة بذلك إعجابا لدى البعض وانتقادات لاذعة لدى آخرين، فبين من اعتبر الخطوة انتصارا للإرادة الشعبية، ومن رأى فيها دليلا على ارتباك القرار التنفيذي.
فقد أعلنت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، صباح الأربعاء 30 يوليو/تموز 2025، على حسابها بمنصة إكس، أن مجلس الوزراء صادق في جلسته التي عقدت اليوم نفسه على سحب مشروع قانون الفضاء الإلكتروني، حيث كتبت: “في إطار الحفاظ على التماسك الوطني، وبناء على تأكيد رئيس الجمهورية، تمت المصادقة على سحب مشروع قانون الفضاء الإلكتروني في جلسة الحكومة اليوم”.

وحسب وكالة ايرنا، فقد أشارت مهاجراني إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، كان ولا يزال يؤكد على أهمية سماع صوت الشعب والخبراء، ويؤمن بأن أي قرار مهم يجب أن يُتخذ بتوافق ومشاركة المجتمع، وأضافت، موضحة أسباب سحب مشروع القانون: “بناء على توجيهات الرئيس، واقتراح من النائب القانوني، ومصادقة مجلس الوزراء، ونظرا إلى التقييمات التي أُجريت وضرورة المزيد من الدراسة لمواد مشروع القانون، من أجل اتباع نهج تنظيمي يضمن الحماية المناسبة لحرية التعبير المشروعة ضمن إطار الدستور، تقرر سحب هذا المشروع”.
وتابعت قائلة: “إن الحكومة تؤمن بأن السياسات المتعلقة بمثل هذه القضايا تتطلب حوارا، وتوافقا مهنيا، والانتباه إلى هواجس الرأي العام، ومن دون مشاركة وحوار مع الشعب، لن تكون القرارات فعالة ولا مستدامة”.
جدير بالذكر أن مشروع قانون مكافحة نشر المحتوى الإخباري غير الواقعي في الفضاء الإلكتروني كان قد طرح بصفة مستعجلة على جدول أعمال الجلسة العلنية للبرلمان في 28 يوليو/تموز 2025 وحاز موافقة 205 نواب، حيث تقرر أن تناقش مواده العامة بعد دراستها في اللجان المتخصصة بالبرلمان، وبحسب قرار البرلمان، كان من المفترض تشكيل لجنة مشتركة تضم لجان الشؤون القانونية والصناعية والثقافية لدراسة هذا المشروع المؤلف من 22 مادة.
ترحيب حكومي وإصلاحي واسع
هذا وقد حظي هذا القرار بالعديد من ردود الفعل الإيجابية، أولها من أعضاء الحكومة، فقد صرح محمد جعفر قائم بناه، نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، قائلا: “اليوم، صوَّت مجلس الوزراء بأغلبية ساحقة على سحب لائحة القانون مثار الجدل خلال الأيام الأخيرة، إن حكومة الوفاق الوطني والرئيس بزشكيان يستمعان إلى صوت الشعب، ولن يقفا في وجه إرادة الأمة”.

من جانبه، قال عبد الكريم حسين زاده، نائب الرئيس لشؤون تنمية المناطق الريفية والمحتاجة: “إن الرئيس بزشكيان أصدر بنفسه، في بداية جلسة الحكومة اليوم وقبل بدء النقاشات، أمرا بسحب لائحة القانون، إن احترام آراء ومطالب الرأي العام حي في وجدان وروح الرئيس والحكومة، وتنعكس الاختلافات السياسية في الإصغاء لصوت المجتمع لصالح الشعب”.

كذلك، أكد إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، تعليقا على سحب المشروع: “هذه الحكومة جاءت لخدمة الناس، ولن تقوم بأي خطوة قد تثير قلقهم أو استياءهم”.

هذا في حين لم تغب الوجوه الإصلاحية الأشهر عن مشهد الإشادة بقرار الرئيس بزشكيان، فقد قالت عبرت آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات الإيرانية، عن تأييدها لتلك الخطوة، قائلة: “إن خطوة الحكومة في سحب اللائحة المقيدة لحرية التعبير جديرة بالتقدير، فكل مشروع قانون يتعلق بحقوق الشعب والحريات الأساسية والنظام الاتصالي في المجتمع يجب ألا يصاغ فقط في بيئة شفافة، بل يتطلب أيضا مشاركة فاعلة من النشطاء المدنيين، والمتخصصين القانونيين، والعاملين في الإعلام، والنقابات المهنية المستقلة”.

كذلك، قال محمد صادق جوادي حصار، عضو المجلس المركزي لحزب اعتماد ملي: “هذه الخطوة كانت محمودة وشجاعة في آن، وتعد صفحة مشرقة تضاف إلى سجل سلوك وأعمال السيد بزشكيان، ومع ذلك، لا يمكن التغاضي بسهولة عن خطأ إرسال هذا المشروع إلى البرلمان من الأساس، لأنه لم يكن تصرفا صحيحا، لكنهم أدركوا الخطأ بسرعة وسعوا إلى تداركه ولم يقعوا في فخ العناد، بل أُعلن الأمر بصدق، وقيل إنه إذا اطلع الخبراء الجامعيون على المشروع وقرروا رأيا، فإن الرئيس سيتفق معهم. هذه خطوة بالغة الحكمة والرشد”.

فيما عبر جلال رشيدي كوتشي، النائب البرلماني السابق، عن شكره للرئيس الإيراني، فقال: “أشكرك يا دكتور بزشكيان لأنك كنت أول رئيس بين الرؤساء في الدورات الأخيرة الذي امتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، واستجبت لصوت الشعب وسحبت اللائحة غير المناسبة والمقلقة المتعلقة بالفضاء الإلكتروني. أرجوك، أكمِل هذه الخطوة الجميلة برفع الحجب عن الإنترنت”.

أيضا، قال غلام علي جعفر زاده إيماني آبادي، نائب سابق في البرلمان: “نظرا إلى اعتماد الناس المتزايد على الإنترنت، فإن الضغط على هذا الفضاء بات مؤلما للناس، أولئك الذين يعارضون سحب اللائحة يعتبرون أنفسهم أوصياء على الناس، لكن الذين صوتوا لبزشكيان لديهم توقعات منه، وقد احترم بزشكيان آراءهم من خلال هذه الخطوة. هذه هي الحكومة الأخلاقية والمثقفة التي يطمح إليها الناس”.

وعلق محمد علي أبطحي، الناشط السياسي الإصلاحي الشهير، على قرار السحب، قائلا: “لقد سحبت الحكومة لائحة تقييد الفضاء الإلكتروني بذكاء وشجاعة، لكن في الحقيقة، بزشكيان مظلوم. فعلى مدار الأيام الماضية التي شهدت توترا كبيرا في الفضاء الإلكتروني حول هذه اللائحة، لم يخرج أي من نوابه، لا وزير العدل، ولا النائب القانوني، ولا البرلماني، ولا وزير الاتصالات، ولا الهيئات الإعلامية الواسعة، لإجراء مقابلة. الحكومة أصبحت شديدة التحفظ”.

أيضا، صرح محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات السابق، قائلا: “أشكر الرئيس المحترم على اهتمامه باعتراضات عامة الناس وسحب اللائحة الأخيرة، وآمل أن نشهد قريبا شكرا آخر من الناس له وللمسؤولين المعنيين، من خلال رفع القيود المفروضة على الإنترنت، كما وعدوا خلال الانتخابات”.

من جانبه، تعجب عزت الله ضرغامي، وزير التراث الثقافي السابق، من سرعة إرسال القانون وسرعة سحبه، حيث صرح: “نقدم مشروع قانون بصفة عاجل جدا، ثم نسحبه بصفة أكثر من عاجل، لماذا تضحك؟ هل هو مضحك؟”.

جبهة معارضة لسحب القانون
لم تمنع الإشادة الواسعة بمشروع القرار ظهور أصوات أصولية معارضة لسحب اللائحة، فقد علق موقع رجا نيوز الإخباري، المقرب من جبهة الصمود وتيار سعيد جليلي، على تقديم وسحب مشروع القرار، حيث كتب: “هذه التصرفات المتناقضة ليست دليلا على التسامح أو الاستماع إلى صوت المنتقدين، بقدر ما هي مؤشر على غياب قيادة موحدة”.

وتابع: “فعندما تعجز الحكومة عن الثبات في أبسط قراراتها التنفيذية، فكيف يمكن توقع أن يكون لديها برنامج حاسم ومنسجم لمواجهة التحديات الاقتصادية والدولية الكبرى؟ من حق المواطنين أن يتساءلوا هل هذا الارتباك هو جزء من سيناريو معقد لإدارة البلاد، أم أنه ببساطة نتيجة طبيعية لحكومة لم تتمكن حتى الآن من تحديد موقفها مع نفسها؟”.
واختتم بقوله: “في كل الأحوال، فإن إدارة البلاد على قاعدة التجربة والخطأ، واتباع أسلوب اليوم كذا وغدا كذا، لن يؤدي إلى نتيجة، والخسارة الحقيقية في هذا المسار هي فقدان الثقة العامة، والوقت الثمين الذي يجب أن يستثمر في حل مشاكل البلاد الحقيقية”.
هذا فيما علقت صحيفة كيهان، المقربة من المرشد الإيراني على خامنئي، على سحب المشروع، بمقال على صفحتها الأولى اليوم الخميس 31 يوليو/تموز 2025، تحت عنوان “الوفاق مع الكاذبين”، قالت فيه: “لا يليق بالدكتور بزشكيان الذي لطالما شدد على آيات القرآن الكريم وتنفيذ السياسات العامة للنظام واتباع قائد الثورة أن يرضخ لأصحاب الاصطفاف مع مروجو الشائعات ومن يقفون وراء الانفلات والفوضى في الفضاء السيبراني ووسائل الإعلام المرتبطة، ومخلي الأمن النفسي للمجتمع، ومثيري الفتنة في اضطرابات 2009 في مواجهة مشروع قانون مكافحة نشر المحتوى الإخباري الكاذب في الفضاء المجازي، لقد امتنعت الحكومة عن أداء حق الناس في الأمن النفسي”.

وتكمل: “لقد تعالى صراخ المطالبين بالإصلاح بعد إرسال القانون للبرلمان، هذه الفئة، التي لطالما شاركت في أنشطة تهدد الأمن الوطني وتستخدم وسائل إعلامها لتغذية أجهزة الاستخبارات المعادية وبعض السفارات الأجنبية، لقد طالبوا بسحب هذا المشروع بزعم أنه يتعارض مع حرية التعبير.
بمعنى آخر، لو أقر المشروع، لما تمكن هؤلاء من تسمية من يحرقون سيارات الإسعاف التي تنقل المرضى، وينزعون الحجاب قسرا عن رؤوس النساء المحجبات، بالمحتجين السلميين، ولم يكونوا ليستطيعوا بعد الآن التستر وراء شعارات الاحتجاج المدني لدعم مثيري الشغب المرتبطين بالنظام الإرهابي الأمريكي، والذين كانوا يثيرون الرعب بين التجار لإجبارهم على الإضراب، ويحرقون علم إيران والمصارف والمتاجر والمساجد والقرآن الكريم، ويهاجمون قوات الأمن”.
وتتابع مستدركة: “لكن الأشخاص الذين طالبوا بسحب المشروع يتسمون بالكذب، وتحريف وتشويه الحقائق، وتضليل الرأي العام، ونشر اليأس، وتأجيج الأوضاع وخلق الأزمات لتحقيق مصالح العدو، وتجاهل الأخبار الإيجابية، وتصغير الإنجازات وتضخيم العيوب، والتشكيك في المبادئ الإسلامية والثورية. للأسف، اختارت الحكومة التوافق مع هؤلاء الكاذبين في خضم مشاكل اقتصادية كثيرة تسبب بها هذا التيار نفسه من داخل الحكومة”.
وتردف: “وقد اعتبر هؤلاء سحب المشروع استجابة لصوت الشعب، بينما في الحقيقة، كان المشروع يهدف إلى منع التيار الأرستقراطي المتغرب الفاسد من بث الفوضى النفسية وإضعاف النظام، ومع ذلك، فإنهم يقدمون سحب المشروع على أنه وقوف الحكومة بجانب الشعب”.
ويختتم الصحيفة بقولها: “إن التيار المتطرف الذي يدعي الإصلاح يسعى دائما لخلق الأزمات وتشويه الحقائق بأخطاء تحليلية، ويدمّر الأمن النفسي في المجتمع، في حين أن هذا الأمن هو من أركان الحقوق العامة، ويجب على الحكومة أن تصونه عبر منع نشر الأكاذيب وتوفير الهدوء للناس، هؤلاء يسعون لإيقاع الحكومة في فخ الثقة بالعدو، وتجميد القدرات الوطنية، وتبديد الفرص، وتعطيل الاقتصاد، وإعادة البلاد إلى الوراء”.

