علي أكبر صالحي.. رجل الملفات النووية الحساسة (بروفايل)

كتب: ربيع السعدني 

في قلب العاصمة الإيرانية طهران، وفي ظل التوترات الدولية حول البرنامج النووي الإيراني، برز اسم علي أكبر صالحي كأحد أبرز الشخصيات التي شكلت مسار إيران النووي والدبلوماسي على مدار عقود. 

لم يكن صالحي مجرد أكاديمي أو دبلوماسي، بل كان جسرا بين العلم والسياسة، متسلحا بذكاء استراتيجي وبراغماتية جعلته محاورا لا يُستهان به على الساحة الدولية، من مواليد كربلاء إلى قاعات المفاوضات في فيينا، يروي سجل حياة صالحي قصة رجل عصامي، جمع بين الجذور الدينية المحافظة والطموح الأكاديمي، ليصبح أحد أعمدة إيران في أكثر ملفاتها تعقيدا.

من شوارع كربلاء إلى أروقة العلم

ولد علي أكبر صالحي في 24 مارس/آذار 1949 في مدينة كربلاء العراقية، في أسرة دينية محافظة من أصول فارسية، باستثناء والده أحمد، المولود في قزوين، كان أربعة من أجداده لأبيه عراقيين. 

بدأ الشاب صالحي العمل بجوار متجر والده في السادسة من عمره، لم يكن طالبا متفوقا، فرسب في الصف الأول الابتدائي، ويقول إن العراقيين في المدرسة يعاملون الإيرانيين بازدراء، كان والده تاجرا في كربلاء، وهو نفسه ولد في مدينة قزوين الإيرانية، لكن العائلة استقرت في العراق لما يقرب من قرنين، حيث امتلكوا منزلا عائليا كان شاهدا على طفولة صالحي المبكرة، في مذكراته، يروي صالحي كيف كان يجلس أمام دكان والده في سن السادسة، يبيع السجائر للمارة في أحياء بغداد، حيث تعلم اللغة العربية من خلال اللعب مع أطفال الحي، مما زرع فيه حبا للعراق ولغته.

أنهى الشاب صالحي دراسته الثانوية في مدرسة داخلية سورية وفي عام 1958، تزامنت زيارة عائلية لطهران مع الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم ضد الملك فيصل الثاني في العراق، مما دفع العائلة لاتخاذ قرار بالاستقرار في طهران نهائيا هناك، أكمل صالحي تعليمه الثانوي، لكنه شعر بالإحباط من المناهج التعليمية الإيرانية، فأرسله والده إلى دمشق، ثم إلى بيروت، حيث التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، حصل على بكالوريوس الفيزياء عام 1968، ثم ماجستير في الاختصاص ذاته عام 1971.

ولم يكتفِ صالحي بهذا، بل سافر إلى الولايات المتحدة ليحصل على الدكتوراه في الهندسة النووية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عام 1976، بأطروحة حول إدارة الوقود النووي، ممولة من وزارة الطاقة الأمريكية.

محطات أكاديمية

بعد عودته إلى إيران، انخرط صالحي في العمل الأكاديمي، حيث شغل منصب أستاذ الهندسة النووية في جامعة شريف للتكنولوجيا، إحدى أعرق الجامعات التقنية في إيران، لم يكتفِ بالتدريس، بعد عام واحد من انتصار الثورة عام 1979 أصبح الطبيب، البالغ من العمر ثلاثين عاما، نائبا لرئيس جامعة شريف للشؤون التعليمية. 

ثم سافر إلى الولايات المتحدة لفترة لتجنيد أعضاء هيئة تدريس من الإيرانيين، وكان الدكتور صالحي أيضا نائبا لوزير التعليم ووزيرا للعلوم لفترة قصيرة، بل تولى رئاسة الجامعة خلال فترتين (1982-1985 و1989-1993)، وساهم في تعزيز مكانتها كمركز للبحث العلمي.

كما كان عضوا في الأكاديمية الإيرانية للعلوم والمركز الدولي للفيزياء النظرية في إيطاليا، مما عزز مكانته كأكاديمي عالمي، خلال فترة رئاسته لجامعة شريف، لعب صالحي دورا محوريا في دعم مركز بحوث الفيزياء التابع لوزارة الدفاع الإيرانية، والذي كان يهدف إلى تطوير برنامج نووي سري.

ساهم في التواصل مع جامعات ومعاهد غربية للحصول على مواد ومعلومات مرتبطة بالتكنولوجيا النووية، وهي خطوة أثارت جدلا دوليا، حيث اتهمه البعض بالسعي للحصول على تقنيات ذات استخدام مزدوج، وفقا لتقارير معهد العلوم والأمن الدولي.

الأبناء والأسرة

الدكتور علي أكبر صالحي متزوج بالسيدة زهراء راد ولديه ثلاثة أطفال.

ابنته طبيبة متخصصة، وهي ربة منزل؛ لأن زوجها يعارض العمل. ابنه الأكبر حاصل على ماجستير في الهندسة المعمارية والإنشاءات، وابنه الثالث حاصل على ماجستير غير مكتمل في الصناعات الغذائية، ويعمل أيضا برأس المال الذي أعطاه له والده.

يتقن الدكتور علي أكبر صالحي سبع لغات حية، وهي: العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية والإسبانية، بالإضافة إلى الفارسية.

النووي والسياسة

بدأ صالحي مسيرته الدبلوماسية كممثل إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بين عامي 1998 و2003 في هذه الفترة، وقّع عام 2003 على البروتوكول الإضافي لاتفاق الضمانات، وهي خطوة أثارت جدلا داخل إيران، حيث اعتبرها البعض تنازلا للغرب، بينما رآها آخرون دليلا على براغماتيته. 

شغل الدكتور صالحي منصب نائب الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي من عام 2005 إلى عام 2009، وكان يقيم بجدة، المملكة العربية السعودية. 

يقول إن هذه الفترة كانت من أجمل فترات حياته، وأنه تمكن من أداء العمرة قرابة خمسين مرة وفي عام 2009، تولى رئاسة منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، واستمر في المنصب حتى 2010، ثم عاد إليه من 2013 إلى 2021، ليصبح أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالملف النووي الإيراني.

في ديسمبر/كانون الأول 2010، عينه الرئيس محمود أحمدي نجاد وزيرا للخارجية بالإنابة، خلفا لمنوشهر متكي، واستمر في المنصب حتى 2013، خلال هذه الفترة، لعب دورا رئيسيا في المفاوضات النووية مع الدول الغربية.

أظهر صالحي قدرة على الجمع بين الصلابة في الدفاع عن مصالح إيران والمرونة في الحوار، كما شارك إلى جانب وزير الخارجية محمد جواد ظريف في مفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA)، الذي اعتبر إنجازا دبلوماسيا كبيرا، رغم التحديات التي واجهته لاحقا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، أعلن في مقابلة مع وسائل إعلام أوروبية أن راتبه الشهري الذي كان 3000 دولار حتى العام الماضي، انخفض الآن إلى 700 دولار شهريا.

براغماتية تحت الضغط

يُعد صالحي من الشخصيات القليلة التي خدمت في عهد رؤساء مختلفي التوجهات، من الإصلاحي محمد خاتمي إلى المحافظ محمود أحمدي نجاد، ثم حسن روحاني.

هذا التنوع جعله شخصية مقبولة من أجنحة النظام الإيراني المختلفة، كما رأت فيه الدول الغربية محاورا معتدلا. 

تحت سيف العفوبات

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية (أوفاك) في بيان أصدره في 30 يناير/كانون الثاني 2020 بأنه تم إدراج اسم علي أكبر صالحي ضمن قائمة الحظر الثانوية، وبناء على هذا الحظر يتم تجميد أي أموال أو ممتلكات تعود للأفراد المدرجة أسماؤهم في القائمة بالولايات المتحدة، كما لا يسمح للمواطنين الأمريكيين إجراء أي معاملة معهم.

كما زعمت وكالة فرانس برس أن سويسرا أدرجت علي أكبر صالحي على قائمة الأفراد الخاضعين للعقوبات في البلاد وكان اسمه مدرجا سابقا على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي عندما كان رئيسا لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، لكنه رُفع من قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي بعد حصوله على ثقة البرلمان كوزير للخارجية وانتقاله إلى مبنى الحديقة الوطنية. 

في عام 2012، وفي أثناء زيارة رسمية إلى قبرص، واجه صالحي موقفا محرجا عندما احتجزته الشرطة في المطار بسبب إدراج اسمه في قائمة العقوبات الأوروبية، وأصر مكتب مكافحة الإرهاب بالمطار على أنه لم يُسمح لصالحي بالسفر إلى الاتحاد الأوروبي لأن اسمه كان مدرجا على القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي، ليتم إطلاق سراحه لاحقا بعد تدخل دبلوماسي.

وتشير التقارير إلى أن هذا الإجراء الذي اتخذته قوات أمن المطار القبرصية تسبب في توترات في المطار، ولكن تم حل المشكلة في نهاية المطاف بتدخل وزارة الخارجية القبرصية، وقد اعتذرت الحكومة القبرصية رسميا لإيران عن هذا “سوء الفهم” و”سوء السلوك”.

وردّ المتحدث باسم الخارجية الإيرانية آنذاك عباس موسوي، على القرار الأمريكي لإدراج رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية “صالحي”، على قائمة الحظر أحادي الجانب واللا قانوني الأمريكي، وقال: “إنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف العلماء النوويين الإيرانيين من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي”.

في عام 2023، وفي مقابلة مع الجزيرة نت، أبدى صالحي موقفا قويا داعما للمقاومة الفلسطينية خلال عملية “طوفان الأقصى”، وصف صمود حركة حماس بأنه انتصار على إسرائيل، وانتقد ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، داعيا إلى محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها في غزة.. هذا الموقف عزز صورته كسياسي يجمع بين الدبلوماسية والالتزام بالمواقف الإيرانية المبدئية.

رجل الملفات الحساسة

علي أكبر صالحي ليس مجرد عالم أو دبلوماسي، بل رمز للتوازن بين العلم والسياسة في إيران ما بعد الثورة. بفضل خلفيته الأكاديمية العالمية ومهاراته الدبلوماسية، استطاع أن يترك بصمة في واحد من أكثر الملفات تعقيدا في العالم: البرنامج النووي الإيراني، قدرته على التنقل بين الأجنحة السياسية المختلفة داخل إيران، مع الحفاظ على احترام الدول الغربية، جعلته شخصية فريدة.

من شوارع كربلاء إلى قاعات المفاوضات الدولية، حياة صالحي هي قصة صعود عصامي، مدفوع بحب العلم والالتزام بوطنه ورغم الجدل الذي أحاط ببعض مواقفه، يبقى صالحي رمزا للقدرة على الجمع بين الصلابة والمرونة، في عالم يتطلب التوازن بينهما لتحقيق النجاح.