الخصخصة في إيران.. كواليس القرار الحكومي المثير بشأن البنوك الكبرى 

نشر موقع “تابناك” الإخباري الإيراني الأصولي، الجمعة 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرا استعرض فيه مآلات قرار الحكومة الإيرانية بشأن خصخصة البنوك الثلاثة “ملت، تجارت، صادرات”.

قررت الحكومة بيع أسهمها المتبقية في بنوك ملت، وتجارت وصادرات، في خطوة تبدو ظاهريا بمثابة خصخصة، لكنها قد تُصبح عمليا أكبر عملية استئجار في تاريخ الاقتصاد الإيراني مقابل رسوم رمزية، يمكن للمشترين الاستحواذ على البنوك التي يتجاوز إجمالي أصولها الميزانية العامة للحكومة لهذا العام.

وتسعى الحكومة إلى بيع أسهمها المتبقية في البنوك الخاصة الثلاثة، وهو قرار سيتطلب اهتماما وحساسية، خاصة في الظروف الحالية، لأنه إذا تم تجاهل القضايا التي يناقشها هذا التقرير، فإننا سنشهد تشكيل ريع كبير تحت كلمة “الخصخصة”.

وذكر الموقع أن المجلس الأعلى للتحويلات المالية وافق، الاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2025، على بيع أسهم الحكومة المتبقية في بنوك “ملت” و”تجارت” و”صادرات”. وبموجب هذا القرار، تُطرح الأسهم المذكورة بسعر أساسي وشروط مساوية لسعر السوق في يوم الطرح (أي ما يعادل سعر إغلاق اليوم السابق للطرح) مضافا إليه 100% نقدا وأقساطا، منها 50% نقدا والباقي على أقساط، في موعد أقصاه نهاية هذا العام.

وأوضح أنه في عام ٢٠٢٠، خلال عهد حكومة  الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، طُرحت أسهم هذه البنوك الثلاثة في البورصة ضمن صندوق “داريكام” الاستثماري، إلا أنه بالنظر إلى الاعتبارات اللاحقة، فإن نقل ملكية الأسهم الحكومية المتبقية في هذه البنوك يتعارض مع السياسات العامة للمادة ٤٤ من الدستور، ويشكل تهديدا خطيرا لإدارة اقتصاد البلاد في ظل الحرب الراهنة.

النقد القانوني: استكمال خطأ الحكومات السابقة

 في هذا الصدد أشار الموقع إلى أنه وفقا للمادة 44 من الدستور، الصادر عام 2006، لم يُسمح للحكومة ببيع أكثر من 80% من أسهم البنوك الأربعة المملوكة للدولة “رفاه، وملّت، وتجارت، وصادرات” إلا أن الحكومات السابقة، في انتهاك واضح لهذا التفويض، باعت ما بين 88% و100% من أسهم كل بنك بين عامي 2006 و2020 ، والآن، تواصل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان نفس الممارسة الخاطئة، وتعتزم بيع ما تبقى من أسهم في هذه البنوك.

Image

نقد الحكومة: أزمة لا نهاية لها في الاقتصاد الإيراني

وأفاد الموقع بأنه لم تكن المصارف الخاصة في إيران مصدر أزمة فحسب، بل أدت أيضا إلى حد كبير إلى خلق عوائد مالية لأصحابها على حساب الشعب، وبينما لا يزال تحديد مصير بنوك مثل “آينده” و”إيران زامين” يمثل تحديا، فإن نقل إدارة البنوك الثلاثة الكبرى، “تجارت، ملت، صادرات”، وهي من بين أكبر خمسة بنوك تجارية في البلاد وتمتلك ما يقرب من ثلث أصول الشبكة المصرفية في البلاد، يواجه تساؤلات وشكوكا جدية.

وذكر أن إيرادات هذا التحويل ستكون  ضئيلة جدا بالنسبة للحكومة؛ فحتى وفقا لقرار مجلس التحويلات الأعلى، لن يكفي مبلغ بيع الأسهم المذكورة لدفع رواتب موظفي الحكومة لمدة شهر واحد ومع ذلك، قد يُواجه نقل إدارة هذه البنوك أزمة في الإدارة الاقتصادية للبلاد لعقود، ويُجبر صانعي السياسات الاقتصادية على حل مشاكل إدارة هذه البنوك الثلاثة.

ونوّه بأن هيكلة ملكية هذه البنوك وعدم اليقين بشأن أسهم الملكية أدت إلى خلق حالة يُفترض فيها أن يؤدي نقل ملكية الأسهم الحكومية المتبقية إلى نقل السيطرة إلى المشترين أو بمعنى آخر، يمكن لمشتري الأسهم الحكومية المتبقية، بتكلفة زهيدة، السيطرة على البنوك التي يتجاوز إجمالي أصولها  150 مليار  دولار أمريكي (أي أكثر من إجمالي الميزانية العامة للحكومة للعام الجاري).

وأردف أن بنك “تجارت” يُعد الطرف الرئيسي في معاملات الصرف الأجنبي ضمن الشبكة المصرفية للبلاد، بينما يُعد بنك ملت أكبر دائن لشركة النفط الوطنية والشركات المملوكة للدولة، ويمتلك بنك صادرات أكبر شبكة فروع مصرفية في الخارج. 

وأضاف أن تسليم هذه القوة الاقتصادية الهائلة لأفراد غير مؤهلين قد يُعرّض الاقتصاد الإيراني لأزمات لا تنتهي، كما تُظهر تجربة البنوك الخاصة في إيران، التي امتدت لـ 25 عاما بعد الثورة، أن المؤسسات المسؤولة ارتكبت أخطاء جسيمة في تحديد مؤهلات العاملين في القطاع المصرفي، واحتمال تكرار هذا الخطأ كبير جدا.

نقد التقييم والبيع على المكشوف للإيجار 

وشدد الموقع على أنه بموجب قرار مجلس إدارة التحويلات، ستُطرح هذه الأسهم بسعر أساسي وشروط تعادل سعر إغلاق اليوم السابق للطرح مضافا إليه 100%، على أن يكون 50% نقدا والباقي على أقساط حتى نهاية العام الجاري، هذا على الرغم من أن قيمة أسهم هذه البنوك، نتيجة لاضطرابات سوق رأس المال في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد حرب الأيام الاثني عشر، أقل بكثير من قيمتها الحقيقية.

كما أورد الموقع أنه على سبيل المثال، إذا اعتمدنا سعر يوم إقرار هذا القرار كأساس، فستُحوّل الحكومة أسهمها المتبقية في بنك “تجارت” والبالغة 10.15%، إلى المشتري مقابل أقل من 310 دولارات أمريكية، يُدفع نصفها نقدا والباقي على أقساط، وبمعنى آخر، ونظرا لهيكل ملكية بنك “تجارت” المُحدد، يُمكن للمشتري الاستحواذ على  سهم بنك “تجارت”  مقابل ما يقارب 310 دولارات أمريكية، يُدفع نصفها نقدا، والنصف الآخر أيضا على أقساط.

وبشكل عام، يُعدّ السعر الذي اقترحته هيئة الخصخصة لهذه البنوك منخفضا جدا، لدرجة أن نقل ملكيتها يُمكن اعتباره أكبر عائد في تاريخ الخصخصة في إيران، كما يُضاف هذا العائد إلى المزايا التي سيجنيها المشترون من الحصول على تسهيلات ائتمانية دائمة بالريال والعملات الأجنبية بأسعار فائدة منخفضة بعد الاستحواذ.

ولفت الموقع إلى أنه في ظل عجز البلاد لسنوات عن تحديد مصير بنوك متعثرة، مثل بنك “آينده”، فإن خصخصة هذه البنوك الثلاثة قد تُعرّض اقتصاد البلاد لأزمات جوهرية.

 وبيّن أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلا، إذا نُفّذ هذا التحويل للدين الحكومي إلى صناديق التقاعد، فلن يُسفر إلا عن تحويل هذه البنوك إلى أدوات لتمويل عجزها المزمن، ونشوء بنوك خاسرة تعاني من اختلالات واسعة النطاق.

Image

نقد الحوكمة: قرار غريب في خضم حرب اقتصادية

وعبر عن أنه في ظل حالة الحرب التي تعيشها البلاد، وتحتاج بشدة إلى أدوات فعالة لتمويل الحكومة وتوجيه الائتمان إلى القطاعات الإنتاجية، فإن انسحاب الحكومة من هيكل المساهمين في هذه البنوك يعني خسارة جزء مهم من أدوات الحوكمة.

وكشف عن أن التجربة في العديد من البلدان في زمن الحرب لا تتنازل عن البنوك المملوكة للدولة فحسب، بل إنها في بعض الحالات تضع البنوك الخاصة تحت سيطرة الدولة أيضا.

واختتم بأن الجزء الأكبر من البنية التحتية للوقود في البلاد تحت سيطرة بنك “ملت”، وأي اضطراب إداري فيه قد يُسبب اضطرابات خطيرة في حوكمة قطاع الطاقة، ومن غير المفهوم، في ظل هذه الظروف، اتخاذ قرار بيع أسهم الحكومة في هذه البنوك الثلاثة، وترك إدارتها لمشترين مجهولين.