- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 536 Views
كتب: الترجمان
في وقت تتصاعد فيه التهديدات الإقليمية حول إيران من الخليج إلى القوقاز، تبدو وزارة الخارجية غائبة عن ساحة المبادرة، وكأن حركة الدبلوماسية مرهونة بالكامل بمسار التفاوض مع واشنطن. هذا النهج، الذي تعكسه تصريحات ومقابلات وزير الخارجية عباس عراقجي، فتح الباب أمام انتقادات واسعة ترى أن السياسة الخارجية الإيرانية اختزلت دورها الإقليمي، وسمحت للخصوم بفرض رواياتهم وتحركاتهم، بينما دخلت الدبلوماسية الرسمية في حالة جمود غير معلن.
شنّت صحيفة فرهيختكان الأصولية الإيرانية هجوما حادا على أداء وزير الخارجية عباس عراقجي، معتبرة أن الدبلوماسية الإقليمية الإيرانية دخلت فعليا في حالة «تعطيل غير معلن»، في وقت تتكاثر فيه التهديدات السياسية والأمنية المحيطة بإيران من مختلف الاتجاهات.
ووفق تقرير الصحيفة، فإن «عجلات آلة الدبلوماسية الإيرانية باتت شبه مفرغة من الهواء»، بينما تحيط بالبلاد أزمات متلاحقة؛ من تجدد ادعاءات الإمارات بشأن الجزر الثلاث، إلى تنامي الحضور الإسرائيلي في القوقاز، مرورا باتهامات التدخل في الانتخابات العراقية، ووصولا إلى التوترات المتصاعدة على الحدود مع أفغانستان وباكستان.
اختزال الخارجية في مفاوضات واشنطن
تنتقد الصحيفة بحدة ما وصفته بـ«الانكماش الوظيفي» لوزارة الخارجية، مشيرة إلى أن مقابلات عباس عراقجي مع وسائل إعلام دولية، من بينها شبكة «الجزيرة»، تعكس تصورا مفاده أن الوزارة علّقت كل مفاتيح حركتها على باب البيت الأبيض، وكأن انسداد مسار التفاوض بين طهران وواشنطن يعني تلقائيا شلل السياسة الخارجية برمتها.
وتذهب الصحيفة أبعد من ذلك، معتبرة أن عراقجي، الذي سبق أن لمح إلى أحقية دونالد ترامب بجائزة «نوبل للسلام»، يتجاهل حقيقة أن واشنطن تنشط اليوم على عشرات الجبهات الدولية في آن واحد؛ من أوكرانيا وروسيا، إلى غزة، والصين، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، في حين اختزلت طهران سياستها الخارجية في ملف واحد هو الولايات المتحدة.

العراق… المتهم الخطأ
وفي الملف العراقي، ترى الصحيفة أن غياب رد إيراني قوي ومبادر على اتهامات «التدخل في الانتخابات البرلمانية» ساهم في ترسيخ سردية معادية لطهران داخل الإعلام الإقليمي والدولي.
ورغم أن موقف إيران المعلن كان احترام إرادة الشعب العراقي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن وزارة الخارجية العراقية ذهبت إلى وصف هذه المواقف بأنها «تدخل واضح»، دون أن تبادر طهران إلى تفكيك هذا الاتهام أو قلبه على الطرف الحقيقي المتدخل، أي الولايات المتحدة.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن مارست، بشكل علني وموثق، ضغوطا سياسية واقتصادية وهندسة مباشرة للمشهد السياسي العراقي، ومع ذلك بقيت إيران في موقع المتهم، بينما ضحك المتدخل الحقيقي على الطرفين.
القوقاز… إسرائيل تتمدد وطهران تراقب
في القوقاز الجنوبي، تحذّر الصحيفة من توسع النفوذ الإسرائيلي عبر بوابة أرمينيا، مستفيدة من أدوات «النفوذ الناعم» التي يشرف عليها جهاز «ماشاو» التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية.
وترى أن هذا التمدد قد يفضي إلى إنشاء «مثلث نفوذ أمني–سياسي» قرب الحدود الإيرانية، دون أن يقابله تحرك دبلوماسي إيراني علني أو تحذير إعلامي واضح.
وتنتقد الصحيفة صمت وزارة الخارجية إزاء ملفات حساسة، مثل انعقاد اجتماعات لحاخامات في باكو، أو مشروع «ممر زانغزور»، الذي تؤكد تقارير غربية أنه مشروع أمريكي–إسرائيلي بواجهة اقتصادية.
الجزر الثلاث… بيانات مكررة وتهديدات تتصاعد
وتخصص الصحيفة جزءا مهما من هجومها –والذى تناقلته مواقع إيرانية– لملف الجزر الإماراتية الثلاث، معتبرة أن الاكتفاء ببيانات دبلوماسية تقليدية لم يعد كافيا في ظل سعي أبوظبي إلى تدويل القضية، واستمالة أطراف دولية كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.
وتحذّر من أن أي تأخير في فرض «السيادة العملية» على الجزر، عبر تعزيز الوجود السكاني والاقتصادي والعسكري، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات قانونية وسياسية معقدة يصعب تداركها لاحقًا.
أفغانستان ولبنان… مبادرات بلا حماية سياسية
أما في الملف الأفغاني، تشير الصحيفة إلى أن رفض طالبان المشاركة في اجتماع إقليمي دعت إليه طهران شكّل ضربة معنوية للدبلوماسية الإيرانية، خاصة مع تضخيم عنوان «رفض دعوة إيران» إعلاميا، دون صدور رد حاسم من وزارة الخارجية يشرح الملابسات أو يعيد ضبط الرواية.
وفي لبنان، فتنتقد الصحيفة ما تصفه بـ«العجز الدبلوماسي» في مواجهة الضغوط العربية–الإسرائيلية المتصاعدة على حزب الله، معتبرة أن الحزب لا يجب أن يشعر بأنه يُترك وحيدًا في الميدان السياسي.
وزارة خارجية صامتة… وأصوات بديلة تملأ الفراغ
وتخلص الصحيفة إلى أن أخطر ما تواجهه السياسة الخارجية الإيرانية اليوم هو تراجع الصوت الرسمي، ما فتح المجال أمام فاعلين غير رسميين لاحتلال المشهد.
وترى أن غياب الموقف الواضح يدفع الإعلام الدولي إلى التعامل مع هذه الأصوات بوصفها ممثلًا فعليًا لسياسة طهران، وهو ما يربك الرسائل الخارجية ويقيد هامش الحركة التفاوضية.
وتؤكد الصحيفة أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تراكم كلفة استراتيجية طويلة الأمد، مشددة على أن الدبلوماسية لا يمكن أن تُدار بالانتظار، ولا تختزل في واشنطن، ولا تُترك في إجازة بينما الإقليم يغلي.

وزير خارجية أم مفاوض دائم؟
لم يقف الهجوم والنقد على الصحف الأصولية فقط، بل امتد إلى الصحف الإصلاحية فقد أجرت صحيفة “هم ميهن” حوارا مع الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي ذكر فيه أنه منذ تولي عراقجي المنصب، قدم نفسه بوصفه رجل التفاوض، لا رجل الإقليم.
وأضاف أنه مع انسداد مسار طهران–واشنطن، بدا وكأن الخارجية الإيرانية دخلت حالة شلل، انعكست بوضوح في مقابلات الوزير مع وسائل إعلام دولية، أبرزها حواره مع قناة «الجزيرة»، حيث كرر للمرة السابعة أن إيران «ستنتظر» مقترحا أمريكيا متوازنا.
وأشار إلى أن هذا الخطاب لم يُفسَّر داخليا بوصفه صبرا استراتيجيا، بل كـاعتراف ضمني بالعجز. فالدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي يرى أن الطرف الذي يعاني اليوم هو إيران، وأن من يتعرض لعقوبات مدمِّرة لا يملك رفاهية الانتظار. ومع ذلك، يصر عراقجي على سياسة الترقب، وكأن حل أزمات إيران الإقليمية والاقتصادية معلق حصريا بقرار في واشنطن.
دبلوماسية منفعلة ووزير بلا صوت
وفي حوار لوكالة “خبر أونلاين” يصف مهران كامروا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون، الدبلوماسية الإيرانية بأنها «غير نشطة وغير استشرافية»، ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن وزير الخارجية نفسه ليس نشطا بما يكفي، وإن السفارات الإيرانية في الدول العربية فشلت في بناء قوة ناعمة حقيقية أو مخاطبة شعوب المنطقة خارج القوالب الأيديولوجية.
وفق هذا التقييم، فإن عباس عراقجي لم ينجح في تقديم نفسه كوزير خارجية إقليمي، بل كموظف تفاوضي ينتظر اللحظة الأمريكية المناسبة.

جدير بالذكر أن الهجوم على عباس عراقجي في الصحافة الإيرانية لا يستهدف شخصه، بل نموذجه في إدارة السياسة الخارجية. نموذج يقوم على الانتظار، رد الفعل، وتجنّب الاشتباك الإعلامي والسياسي، في منطقة لا تعترف إلا بالمبادرة والضغط المتبادل.
الدبلوماسية ليست كلها مفاوضات مع أمريكا. وحين تختزل وزارة الخارجية دورها في هذا المسار، فإن الإقليم لا ينتظر، بل يعيد ترتيب نفسه… غالبا على حساب إيران.

