- محمود شعبان
- 374 Views
نشر موقع قدس أونلاين، الجمعة 11 يوليو/تموز 2025، تقريرا أكد فيه أن ميدان المعركة المستقبلية المادي لن يكون ساحة لمواجهة الأسلحة التقليدية فحسب، بل سيغدو ميدانا للتنافس في الذكاء الاصطناعي والقدرات التكنولوجية. وهذا التحول العميق في العقائد والتطبيقات العسكرية لا يُعد مجرّد توقع، بل هو واقع ظهر إلى العيان من خلال الاستثمارات الضخمة ووضع الاستراتيجيات الوطنية في الدول المتقدمة.
وأضاف الموقع أن الولايات المتحدة تبرز كأحد اللاعبين الرئيسيين في مجال التكنولوجيا، إذ تركّز على نهج قائم على الذكاء الاصطناعي في صناعاتها العسكرية. فالولايات المتحدة، بعيدا عن الأضواء الإعلامية والتحليلات الدبلوماسية، تعيد بهدوء وبشكل متواصل تعريف مفهوم الحرب بالاعتماد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وتابع: “يبدو أن المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية بدأت، منذ فترة ليست بالقصيرة، في إعادة تصميم جوهري لمفاهيم القيادة، والرصد، وتحليل التهديدات، وحتى تنفيذ العمليات، اعتمادا على الذكاء الاصطناعي، كل ذلك من دون ضجيج إعلامي أو دعاية براقة”.
وأردف أن فهم موقع هذه التكنولوجيا في السياسات الدفاعية الأمريكية، وما يترتب عليه من آثار على بقية الدول، خصوصا في المنطقة، يُعد أمرا حيويا. ويستعرض هذا التقرير مكانة الذكاء الاصطناعي في السياسات العسكرية الأمريكية، ويُبرز ضرورة استعداد الدول، وعلى رأسها إيران، لصياغة سياسات وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي.
الإسناد الاستراتيجي: خرائط تُرسم بهدوء وبلا ضجيج
أوضح الموقع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصدر الأمر التنفيذي 14179 في 23 يناير/كانون الثاني 2025، مُعيدا صياغة سياسات الذكاء الاصطناعي باعتباره أولوية وطنية لتعزيز القيادة العالمية. وبالتزامن، سُرّعت وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الفيدرالية عبر المذكرة M-25-21، مع تركيز خاص على دمجه بهدوء داخل البنية الدفاعية والعسكرية الأمريكية.
وذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية أنشأت مكتبا جديدا يُدعى مكتب الرئيس الرقمي والذكاء الاصطناعي لتنسيق تقنيات الذكاء الاصطناعي وقيادة صناعة القرار العسكري المعتمد على الخوارزميات. ورغم التحديات التي أشار إليها تقرير المفتش العام في البنتاغون، فإن هذا المكتب يُعد الأساس الفعلي لمستقبل السياسات العسكرية الأمريكية.
القبول على أعلى مستويات الإدارة المدنية والعسكرية
أفاد الموقع بأن المديرة التنفيذية لمكتب البيانات والذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع الأمريكية، كريستين جانز، أكدت الدور التحولي للذكاء الاصطناعي في تعزيز الكفاءة اللوجستية والصيانة الاستباقية وتقليل التكاليف العسكرية. وفي السياق ذاته، شدد رئيس الأركان السابق، الجنرال مارك ميلي، على أهمية الذكاء الاصطناعي في تسريع اتخاذ القرار كعامل حاسم في حروب المستقبل.
الذكاء الاصطناعي والبيانات في صميم العمليات الفضائية
أورد الموقع أن قوة الفضاء الأمريكية تُعدّ من أكثر فروع الجيش تكيفا مع متطلبات الحروب الحديثة المعتمدة على البيانات والذكاء الاصطناعي. وقد عبّرت عن هذا التوجه في خطة العمل الاستراتيجية للبيانات والذكاء الاصطناعي لعام 2025، التي تمثل تحولا من التجريب إلى التشغيل الفعلي، وتحدد أربعة توجهات رئيسية لضمان تفوق الولايات المتحدة في الفضاء.
الأهمية الاستراتيجية للبيانات والذكاء الاصطناعي بالنسبة لقوة الفضاء
بيَّن الموقع أن قوة الفضاء الأمريكية أدركت أن التفوق الفضائي لم يعد يعتمد فقط على التقنيات، بل على القدرة في تحليل الكم الهائل من البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي. ووفقا لوثيقتها الاستراتيجية، تسعى القوة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في كل المستويات التشغيلية، من التخطيط واتخاذ القرار إلى تنفيذ المهام، لجعل العمليات أكثر ذكاء وفعالية.
أربعة توجهات رئيسية في خطة العمل الاستراتيجية للبيانات والذكاء الاصطناعي
أولا: إعادة تصميم الهياكل من أجل تحسين العمليات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي
نوّه الموقع إلى أن قوة الفضاء الأمريكية تركّز على إعادة تصميم هياكلها وعملياتها الداخلية لتمكين الاستخدام الفعّال للذكاء الاصطناعي، من خلال فرق متعددة التخصصات، وتحديد أدوار جديدة، وتوحيد المعايير. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين القيادة والسيطرة وتحليل التهديدات الفضائية بشكل لحظي، عبر مراكز عمليات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الإنذارات المبكرة.
ثانيا: تعزيز ثقافة البيانات داخل هيكل قوة الفضاء
لفت الموقع إلى أن نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي في قوة الفضاء الأمريكية يعتمد على مدى تأهيل العنصر البشري، لذا يُركز التوجه على تدريب الأفراد بمختلف مستوياتهم عبر دورات وورش عمل وبرامج تبادل معرفي، لتعزيز فهمهم للبيانات والذكاء الاصطناعي. ومن أبرز المبادرات برنامج البيانات للجميع، الذي يزوّد جميع أفراد القوة بتدريب أساسي في محو الأمية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ثالثا: تسريع تبني التقنيات المبتكرة في الميادين العملياتية
أبرز الموقع أن هذا التوجه يهدف إلى تسريع تحويل تقنيات الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى الاستخدام العملي، عبر تقليص دورات التطوير، واعتماد منهجيات مرنة، والتعاون مع شركات ناشئة، وإجراء تجارب ميدانية واقعية.
وأوضح أنه يركز على تطبيقات تشغيلية مباشرة مثل الصيانة التنبؤية، وتحسين المسارات المدارية، والكشف عن التهديدات، مع استخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي الطرفي Edge) AI) لمعالجة البيانات على متن الأقمار الصناعية بشكل لحظي.
رابعا، التعاون الوثيق مع القطاع الصناعي والجامعات لدفع مشاريع الذكاء الاصطناعي
أبلغ الموقع أن قوة الفضاء الأمريكية تعترف بأن الابتكار في الذكاء الاصطناعي يتطلب شراكات خارج الإطار الحكومي، لذا تسعى لبناء نظام تعاوني يشمل شركات خاصة، وناشئة، ومراكز بحث جامعية. كما تشمل هذه الشراكات مشاريع مشتركة، وعقود تطوير، وتبادل كوادر، بهدف تسريع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الفضائية. ومن الأمثلة: التعاون مع شركات مثل بالانتير ولوكهيد مارتن، ومع جامعات مثل إم آي تي وستانفورد.
من اتخاذ القرار حتى تنفيذه.. الاستقلالية في ساحة المعركة!
أظهر الموقع أن دراسات عسكرية أمريكية حديثة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح يلعب دورا متقدما كعامل رئيسي في اتخاذ القرار الميداني، مما يسرّع زمن الاستجابة بين اكتشاف الهدف والهجوم عليه في بيئات العمليات المعقدة.
وأشار إلى أن الجيش الأمريكي يطوّر أنظمة ذكاء اصطناعي تُعرف بالعميل الذكي قادرة على تحليل البيانات فورا، واقتراح خطط تكتيكية، وتعديلها بسرعة وفقا لساحة المعركة. وهذه الأنظمة تتمتع باستقلالية عالية، حيث يتحول دور الإنسان إلى مراقب أو متدخل فقط عند الضرورة، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي الجزء الأكبر من التحليل واتخاذ القرارات التشغيلية، مع بقاء المسؤولية النهائية بيد الإنسان، وفق نموذج الإنسان داخل الحلقة أو على الحلقة.
وأورد أن بعض المصادر تشير إلى أن مصطلح الذكاء الاصطناعي العامل في الأدبيات العسكرية يشير إلى أنظمة ذكية قادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية وتنفيذها بشكل مستقل، بما في ذلك الهجوم والدفاع، دون تدخل بشري، مما يعني أن الإنسان قد لا يكون صاحب القرار النهائي في بعض الحالات الحرجة.
وأبرز أن الجيش الأمريكي يسعى لتطوير منصات قيادة رقمية متقدمة تجمع البيانات من مصادر متعددة لتحليلها وتنفيذ العمليات في الوقت الحقيقي ضمن مشروع القيادة والسيطرة المشتركة متعددة المجالات (JADC2). ويهدف هذا التحول إلى زيادة سرعة اتخاذ القرار وتقليل الوقت بين الاكتشاف والاشتباك، وتخفيف العبء الإدراكي عن القادة عبر تولي الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية، ورفع دقة وفعالية العمليات العسكرية.
وأقرَّ بأنه رغم التحديات الأخلاقية والقانونية المرتبطة باستخدام هذه التكنولوجيا، فإنّ الولايات المتحدة تركز على استثمارها لضمان التفوق العسكري، مع تأجيل معالجة القضايا الأخلاقية إلى مراحل لاحقة.
التهديدات الخفية للذكاء الاصطناعي: التحديات البنيوية في فنون الحرب الحديثة
ذكر الموقع أن مستقبل الحرب يرتبط بشكل متزايد بالذكاء الاصطناعي، ما يثير تحديات أمنية جديدة. وحذّرت مديرة وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA)جين إيسترلي، من الدور المزدوج للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنه يمكن أن يخدم كلا من الدفاع والهجوم السيبراني. لذلك، تركّز الوكالة على تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية.
وأبلغ أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تُجري دراسات معمّقة حول التهديدات المتزايدة الناتجة عن العوامل السيبرانية الذكية الذاتية، القادرة على العمل بشكل مستقل وبسرعة فائقة. وتشمل مخاطر هذه الأنظمة تحليل البيانات الضخمة، واختراق البنى التحتية الحيوية، وتنفيذ هجمات سيبرانية معقدة، وفي ظل غياب الرقابة الفعالة قد يؤدي إلى كوارث يصعب احتواؤها.
وبيَّن أن الدعوات إلى دمج الذكاء الاصطناعي تتزايد بسرعة في الهياكل العسكرية، وهو ما يؤيده الجنرال تشارلز براون جونيور، الذي يرى ضرورة تحقيق تكامل فعال بين الإنسان والآلة في القوات المسلحة الأمريكية.
وأضاف أن ما بين عامي 2023 و2024، ركّز الجنرال تشارلز براون جونيور على أهمية أن تتصدر الولايات المتحدة مجال الذكاء الاصطناعي العسكري، مشددا على ضرورة دمج الإنسان والآلة لتحقيق قرارات أسرع وأكثر فعالية، وخاصة ضمن إطار مبادرة القيادة والسيطرة المشتركة متعددة المجالات (JADC2).
وتابع أن التقرير النهائي للجنة الوطنية الأمريكية للأمن والذكاء الاصطناعي مارس/آذار 2021 اعتبر نقطة تحول، حيث دعا لتسريع تطوير هذه التقنيات ورفع التمويل، محذرا من التقدّم الصيني المتسارع. وأكد المحللون على أهمية العوامل شبه المستقلة في تنفيذ المهام المعقدة والنائية، لقدرتها على اتخاذ قرارات لحظية مع إبقاء درجة من الرقابة البشرية، وهو ما يُعدّ توازنا ضروريا بين الكفاءة التشغيلية والمخاوف الأخلاقية.
أين تقف إيران من كل هذا؟
سلط الموقع الضوء على أن إيران تمتلك مقومات قوية تؤهلها لريادة الذكاء الاصطناعي الدفاعي، لكن غياب الاستراتيجية الوطنية يُهدد هذه الفرصة. فالصمت تجاه التطورات التقنية قد يؤدي إلى مفاجأة تكنولوجية تعرّض إيران لهجمات مباغتة قبل الاستعداد لها، سواء خارجيا أو بسبب ارتباك داخلي.
وفي الختام أقرَّ الموقع بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا، بل ضرورة تستوجب بناء سياسة دفاعية-تكنولوجية شاملة، تقوم على المعرفة المحلية والحوكمة الأخلاقية، لتأمين موقع إيران في مشهد عالمي يُعاد رسمه حاليا.

