- محمود شعبان
- 467 Views
في خضم مرحلة سياسية وأمنية بالغة التعقيد، يجد لبنان نفسه أمام منعطف مصيري يهدد توازناته الهشة ويعيد إلى الأذهان مشاهد من أزمات ماضية، فتصاعد الجدل في الشارع وفي أروقة الحكم حول قضايا تتعلق بمستقبل البلاد واستقرارها، وسط ضغوط إقليمية ودولية متشابكة، وانقسام داخلي يعكس عمق التحديات التي تواجه النظام السياسي اللبناني.
الأحداث الأخيرة لم تقتصر على السجالات السياسية، بل امتدت إلى الشارع، حيث تنذر الاحتجاجات والمواقف المتباينة بإمكانية انزلاق الأوضاع إلى سيناريوهات أكثر خطورة، في وقت يترقب فيه الداخل والخارج مسار التطورات وتداعياتها على المديين القريب والبعيد.
لبنان بين مشروع نزع السلاح وشبح الحرب الأهلية
فبهذا الشأن، صدرت صحيفة هم ميهن عددها ليوم السبت 9 أغسطس/آب 2025، بتقرير مفصل عن الموضوع، قالت فيه: “أقر مجلس الوزراء اللبناني، بأغلبية أعضائه، المبادئ العامة لخطة أمريكية تهدف إلى حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، ما يعني عمليا الشروع في نزع سلاح حزب الله، القوة العسكرية الأبرز في الطائفة الشيعية، القرار فجر احتجاجات واسعة في شوارع بيروت وعدة مدن، شارك فيها أنصار حزب الله وحركة أمل، وسط مخاوف من انزلاق البلاد نحو مواجهة داخلية مسلّحة على غرار أحداث مايو/أيار 2008”.

وتتابع: “الخطة الأمريكية التي قدمها المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، تام باراك، تشمل إزالة الوجود المسلح للفصائل غير الحكومية، تعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحساسة، حل ملف الأسرى عبر مفاوضات غير مباشرة، وترسيم الحدود مع إسرائيل وسوريا، حيث يعتبر واشنطن وحلفاؤها نزع السلاح شرطا مسبقا لإنهاء التوتر مع إسرائيل، بينما يرى معارضو القرار أن المقاومة وجدت أصلا لمواجهة الاحتلال، وأن السلاح لا يسلم إلا بعد زواله”.
وتكمل: “ظهر الانقسام الطائفي في لبنان بوضوح، فالقوى المسيحية وعلى رأسها حزب الكتائب، رحبت بالقرار بوصفه خطوة لصالح جميع اللبنانيين، مدعومة بمواقف مؤيدة من فرنسا، الولايات المتحدة، ومجلس التعاون الخليجي، في المقابل، رفض حزب الله وحركة أمل القرار، وغادر وزراؤهما جلسات الحكومة، مؤكدين أن السلاح خط أحمر وأداة حماية للبنان”.
وعن الموقف الإيراني ذكرت أن “إيران بدورها أبدت موقفا داعما لحزب الله، إذ أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن طهران تحترم قرار الحزب دون تدخل، فيما هاجمت وزارة الخارجية اللبنانية هذه التصريحات واعتبرتها تدخلا في الشأن الداخلي، كما صرح قياديون في الحرس الثوري بأن خطة نزع السلاح مصيرها الفشل”.
كذلك فقد قدمت تحليل للموقف، فذكرت أن “محللين رأوا أن القرار يأتي ضمن سياق الترتيبات الإقليمية بعد 7 أكتوبر، حيث تضغط واشنطن وتل أبيب لتطبيق كامل لقرار مجلس الأمن 1701، بما يشمل انسحاب حزب الله شمال نهر الليطاني، وقد اعتبر قاسم محبعلي، المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في الخارجية الإيرانية، أن الهدف الإسرائيلي هو إزالة أي تهديد عسكري من الجنوب اللبناني، بينما حذر محمد خواجوي من أن تنفيذ القرار سيعني صداما مباشرا بين الجيش والحزب، ما يفتح الباب أمام حرب أهلية أو تدخل إسرائيلي”.
وختمت بقولها: “خلاصة الموقف أن لبنان يواجه مفترق طرق خطير إما المضي في تطبيق القرار وما قد يستتبعه من مواجهة مفتوحة داخلية وخارجية، أو البحث عن تسوية سياسية تؤجل الانفجار، لكن، وفي ظل الضغوط الإقليمية والدولية، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، ويظل سلاح حزب الله عقدة الصراع اللبناني الإسرائيلي، ورمزا لصراع أوسع على مستقبل ميزان القوى في المنطقة”.
معارضة أنصار حزب الله
بدورها كتبت صحيفة سازندكي بعددها لليوم نفسه: “شهد لبنان الأسبوع الماضي تطورا سياسيا بارزا تمثل في موافقة الحكومة على أهداف خطة أمريكية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو ما يعني عمليا نزع سلاح حزب الله، الاجتماع الحكومي الذي عقد الثلاثاء 5 أغسطس/آب 2025 كان مخصصا لمناقشة هذا الملف، وشهد انسحاب وزراء يمثلون حزب الله وحركة أمل قبل انتهائه، في مؤشر واضح على الخلافات داخل الحكومة حول الخطة. هذه الخطوة كسرت ما كان يعتبر خطا أحمر في السياسة اللبنانية، إذ طالما شكل سلاح حزب الله محور نزاعات سياسية حادة. ورغم توقعات بعض المراقبين بأن الحكومة لن تقدم على هذه الموافقة”.

وتكمل: “هذا بينما رفض وزراء حزب الله وحركة أمل مناقشة الخطة باعتبارها اتفاقا ملزما، مؤكدين ضرورة تأجيل أي بحث في ملف سلاح الحزب حتى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها وبدء إعادة الإعمار/ وقد حاول الرئيس اللبناني إقناعهم بالبقاء في الجلسة لكن دون جدوى، فيما أوضح وزير العمل محمد حيدر أن الخروج من الاجتماع جاء رفضا للتعاطي مع الوثيقة الأمريكية كمرجعية سياسية”.
وتتابع: “على الصعيد الشعبي، تحولت موافقة الحكومة إلى شرارة احتجاجات ليلية واسعة في مناطق عدة أبرزها بعلبك وصور والنبطية، حيث خرجت مسيرات داعمة لحزب الله، وشهدت بيروت أعمال قطع طرقات وإحراق إطارات، إضافة إلى تجمعات أمام مواقع دينية ورمزية. المحتجون رأوا في القرار مساسا بحق المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي”.
كما تذكر أنه “في المقابل، أصدر حزب الله بيانا شديد اللهجة اتهم فيه الحكومة بارتكاب خطأ كبير يضعف موقف لبنان أمام إسرائيل وأمريكا، معتبرا أن الخطة تحقق ما فشلت إسرائيل في تحقيقه عسكريا، وتفتح الباب أمام إضعاف محور المقاومة في المنطقة، البيان شدد على أن السلاح كان وما زال ضمانة لردع العدوان وحماية لبنان، وأن نزعه في هذه الظروف يخدم الأجندة الإسرائيلية”. وتختم بالقول: “بهذا دخل لبنان مرحلة جديدة من الجدل الداخلي العميق حول مستقبل سلاح حزب الله، وسط موازنة صعبة بين ضغوط دولية وإقليمية، ومخاوف من تداعيات أمنية وسياسية قد تهدد الاستقرار الهش في البلاد”.
نزع سلاح المقاومة مقدمة لانعدام الأمن في لبنان
في عدد صحيفة همشهري، كتب السفير الإيراني السابق لدى لبنان، أحمد دستمالجيان، رؤيته للقرار، حيث قال: “لطالما كان سلاح حزب الله أداة دفاعية ووطنية لحماية وحدة الأراضي وضمان أمن البلاد، أمن يستفيد منه جميع الطوائف وشرائح الشعب اللبناني، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. ومنذ أن وضع هذا السلاح في يد حزب الله عام 2003، كان دائما في خدمة مقاومة المحتلين الصهاينة، ولم يُستخدم يوما خارج إطار المقاومة المشروعة”.

ويتابع: “إن حزب الله ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو رمز وطني للمقاومة في لبنان، تنظيم يحظى بمكانة راسخة في قلوب الناس، وبشرعية اجتماعية مميزة جعلته يحتل موقعا خاصا في البنية السياسية والاجتماعية للبلاد، وفي عام 2008، حاولت بعض القوى المرتبطة بجهات خارجية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، إضعاف هذا السلاح، إلا أن هذه المحاولات فشلت بسبب البنية المعقدة للبنان وضرورة الحفاظ على التوازن الطائفي”.
ويذكر أن “الإخلال بهذا التوازن قد يدفع لبنان مجددا نحو أزمة داخلية ستكون عواقبها خطيرة على الجميع. ومع الأسف، فإن الحكومة اللبنانية الحالية تتجاهل هذه الحقائق الاستراتيجية، وتسير في نهج غير واقعي متبعة أوامر بعض القوى الخارجية بهدف نزع سلاح المقاومة”.
في حين وصف هذا القرار بأنه خطا كبير، فقال: “لقد ارتكبت حكومة لبنان خطأ فادحا، وإذا لم تتراجع عن هذا القرار، فإنها ستدفع بالبلاد نحو حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن، وهي وضعية لن تصب في مصلحة أحد. وفي هذا الظرف الحساس، يتعين على جميع القوى والطوائف والزعماء السياسيين اللبنانيين التحلي بالحكمة، واتخاذ قرار حاسم وذكي دفاعا عن المصلحة الوطنية ومستقبل البلاد، لأن الندم غدا لن يعوض خسائر القرارات الخاطئة اليوم”.
الرصاصة التي ستنهي وحدة لبنان
بالشأن نفسه كتبت صحيفة جوان: “وضعت الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي موضوع نزع سلاح حزب الله على جدول أعمالها بضغط من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وعلى الرغم من المعارضة الشديدة، صادقت على الخطة. هذه الخطوة، التي فجرت موجة من الغضب الشعبي في العاصمة وأكدت إصرار حزب الله على الاستمرار في المقاومة ضد أي عدوان، قضت عمليا على اتفاق الطائف الذي وقع عام 1989 لحل الأزمات الداخلية اللبنانية”.

وتذكر أنه “عقب الإعلان، خرج آلاف اللبنانيين ليلا إلى شوارع بيروت دعما للمقاومة، رافعين رايات حزب الله ومنددين بالخطة، واصفين إياها بمشروع صهيوني حمله مبعوث الرئيس الأميركي، توم باراك. وطالبوا الدولة والجيش بعدم الرضوخ للضغط الأميركي المتماهي مع الاحتلال، بينما حذر محللون من أن هذا القرار قد يفتح انقساما سياسيا عميقا كما حدث عام 2008، لكن في ظروف اقتصادية أشد سوءا”.
كما ذكرت أن “التوتر مع إسرائيل تصاعد بالتزامن، إذ أعلنت تل أبيب استهداف قيادي في حزب الله في البقاع. في المقابل، رحبت واشنطن وباريس ودول مجلس التعاون الخليجي بالقرار، معتبرة إياه خطوة لتعزيز سلطة الدولة واستقطاب الاستثمار.
وتابعت أن “علي المقداد، نائب من كتلة الوفاء للمقاومة، أكد أن القرار يخدم أمريكا وإسرائيل، وأن الجيش وحده لا يستطيع حماية لبنان، محذرا من أن نزع السلاح يعني إعطاء الاحتلال شرعية”
خيالات خطيرة حول نزع سلاح المقاومة
فيما كتبت صحيفة قدس أونلاين: أنه “في الأيام الأخيرة، لم يكن النقاش الأبرز في لبنان عن الأزمة الاقتصادية أو الجمود السياسي، بل عن مسألة نزع سلاح حزب الله وبقية فصائل المقاومة، فقد وافق مجلس الوزراء اللبناني برئاسة نواف سلام، في خطوة مثيرة للجدل، على وثيقة أمريكية تنص على نزع سلاح حزب الله والمقاومة، القرار الذي قوبل برد فعل حاد من حزب الله”.

وتتابع: “هذا الموقف يستند إلى التجربة التاريخية للبنانيين؛ إذ إن الجيش اللبناني خلال العقود الثلاثة الماضية لم يتمكن من حماية سيادة البلاد أمام الاعتداءات الإسرائيلية، بينما اعتمدت إعادة الإعمار دوما على قدرات المقاومة الشعبية والجهادية، فثقة الناس في حزب الله ليست أمنية فحسب، بل سياسية واجتماعية أيضا، وقد انعكست في فوز كبير له في انتخابات البلديات.
وتذكر: “تكشف أبعاد الخطة في محورين رئيسيين الأول يتمثل في تأمين الراحة النفسية لإسرائيل، فرغم وقف إطلاق النار، لا يزال سكان شمال فلسطين المحتلة يخشون العودة إلى منازلهم، وتدرك تل أبيب ومعها حلفاؤها الغربيون أنه ما دام حزب الله مسلحا، يمكن قلب المعادلة في أي لحظة. لذا يُمارس ضغط سياسي واقتصادي على لبنان لتهيئة الظروف لعودة المستوطنين والحد من الهجرة العكسية، والثاني إخضاع لبنان سياسيا واقتصاديا للغرب، حيث ترى الحكومة الحالية أن بقائها ورفع العقوبات مرهون بتنفيذ مطالب واشنطن، لكن التجربة أثبتت أن هذه الوعود سراب، وأن الهدف الحقيقي هو إضعاف قدرة لبنان الردعية، وتوفير منطقة آمنة لإسرائيل. واتخاذ القرار بهذه السرعة، رغم إدراك واشنطن المسبق لمعارضة حزب الله القاطعة، هو جزء من سيناريو أكبر يجرّ لبنان إلى مسار خطر”.

