الطاقة تكشف الحقيقة.. وعود بزشكيان تنهار تحت ضغط الواقع

في ظل تصاعد الضغوط على الحكومة الإيرانية لإثبات قدرتها على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية، يبرز ملف الطاقة كاختبار حقيقي لجدية الوعود الإصلاحية التي أطلقتها الإدارة الجديدة، فبين التفاؤل الرسمي والشعارات الطموحة، تتزايد التساؤلات حول مدى واقعية الخطط المعلنة في مواجهة عجز هيكلي تراكم على مدى عقود، هذا التحدي لا يرتبط فقط بإنتاج الكهرباء أو تنويع مصادر الطاقة، بل يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تجعل من كل مشروع جديد ميداناً لقياس الكفاءة والمصداقية.

فقد شهدت إيران، السبت 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مراسم تدشين محطة طاقة شمسية بقدرة 250 ميغاواط، وإطلاق الأعمال التنفيذية لمحطة أخرى بقدرة 450 ميغاواط، بحضور الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عبر الفيديو كونفرانس.

Image

جدير بالذكر أن حكومة بزشكيان ومنذ وصولها إلى سدة الحكم في أغسطس/آب 2025، كانت قد وجهت جهودها في مجالات الطاقة المتجددة والشمسية منها، وشملت تلك الجهود تركيب الألواح الشمسية في المباني الحكومية والوزارات منذ ربيع هذا العام، الأمر الذي وصل إلى تصريح بزشكيان بأنه لا كهرباء ستمنح إلى الإدارات والوحدات الحكومية إلا بعد تركيب ألواح الطاقة الشمسية.

لا انقطاع للكهرباء في صيف 2026

خلال كلمته في مراسم الافتتاح، شدد بزشكيان على ضرورة تسريع وتيرة بناء محطات الطاقة الشمسية قائلاً: “على الحكومة أن تزيل أي عقبة أمام تسريع إنشاء هذه المحطات، وأن تهيئ الظروف أمام القطاع الخاص للعمل بحرية في هذا المجال، يجب أن نضمن أنه في صيف العام القادم، لن تواجه أي من المصانع نقصاً في الكهرباء، فهذا من أولوياتنا القصوى”، وأضاف: “إن كافة المشاريع التي تسهم في زيادة إنتاج الطاقة، ومن بينها محطات الطاقة الشمسية، يجب أن تنفذ بسرعة قصوى”.

كما وجَّه الرئيس الإيراني المحافظين بمتابعة تراخيص المشاريع الخاصة والتأكد من إزالة أي عراقيل تواجهها، مشيراً إلى إمكانية تنفيذ جميع العقود المبرمة لبناء محطات الطاقة الشمسية خلال عام واحد فقط، مؤكداً أن لهذه المشاريع بُعداً بيئياً مهماً، إذ ستسهم في تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة بشكل ملحوظ.

كما أشار بزشكيان إلى ضرورة التركيز على إنشاء محطات الطاقة الشمسية في جنوب البلاد، بالنظر إلى مشاريع تحلية المياه الكبرى المخطط تنفيذها على سواحل الخليج الفارسي وبحر عمان، مؤكداً أن “هذه المحطات ستلعب دوراً مهماً في دعم التنمية الساحلية وتوفير الطاقة لمشاريع البنية التحتية الحيوية”.

وزير الطاقة: تدشين 100 ميغاواط أسبوعياً

بدوره، أوضح وزير الطاقة عباس علي ‌آبادي أن الطاقة الإنتاجية من مصادر متجددة في إيران بلغت حالياً 2550 ميغاواط، منها 2030 ميغاواط من الطاقة الشمسية، 370 ميغاواط من طاقة الرياح، و100 ميغاواط من الطاقة الكهرومائية الصغيرة، إضافة إلى 372 ميغاواط من محطات الغاز الحيوي، كما بيَّن أن هذه المشاريع ساهمت في توفير 124 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي شهرياً، وتقليل انبعاثات الغازات الضارة بمقدار 257 ألف طن سنوياً، معتبرا أن هذا إنجاز بيئي مهم على المستوى الوطني.

Image

وأضاف علي ‌آبادي أن تنفيذ المشاريع الجديدة تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، مشيراً إلى أنه “بعد أن كانت القدرة المضافة لمحطات الطاقة الشمسية لا تتجاوز 100 ميغاواط سنوياً، أصبحنا اليوم نفتتح محطة جديدة كل أسبوع تقريباً بقدرة 100 ميغاواط”، كما أشار إلى إطلاق سوق تحسين كفاءة الطاقة وإصدار أول رمز رقمي لتجارة وفورات الطاقة، واصفاً هذه الخطوة بأنها تحوُّل اقتصادي في إدارة الطلب وتخفيض تكاليف الإنتاج.

لا تضيع وقتك بافتتاح محطات الطاقة الشمسية

على أن نهج الحكومة في مواجهة الأزمة لم يلقَ استحسان عدد من الأطراف، فقد كتبت صحيفة هم ميهن الإصلاحية في افتتاحيتها الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، نقداً مباشراً لهذا المشروع، حيث ذكرت: “إن الأمر الذي يجب الالتفات له هو أنه إذا استمر النمو الحالي في استهلاك البنزين، فستحتاج البلاد بحلول عام 2028 إلى استيراد بنزين بقيمة 16 مليار دولار، إن حل مشكلة البنزين أهم بكثير، لكنه ظل مستعصياً على جميع الحكومات خلال العقدين الماضيين، بل إن كل واحدة منها جعلت الأزمة أسوأ، أزمة البنزين كشفت عجز الحكومات المتعاقبة، بل وضعت الهيكل السياسي الإيراني كله أمام اختبار فشل فيه الجميع”.

وتابعت الصحيفة موضحة أن نفس السياسات القديمة تطبق اليوم في مجالات الكهرباء وسائر مصادر الطاقة، وقالت موجهة خطابها إلى الرئيس الإيراني: “يا سيد بزشكيان، مشكلتك ومشكلة النظام ليست في الكهرباء، ولا في البنزين، ولا في الخبز، ولا في الماء، ولا في أي سلعة أخرى، ولا حتى في الفساد، المشكلة الحقيقية هي ماذا ستفعل مع هذا الاقتصاد الريعي، والتسعير غير المنطقي، وتدخلات الدولة اللامتناهية، والعلاقات الخارجية المتأزمة، والعقوبات، وسياسة التعيينات، والقوانين المرتبطة بها، ومجلس النواب؟”.

وأضافت الصحيفة: “هذه الافتتاحات، تقصد محطات الطاقة الشمسية، ليست علاجاً لاختلالات الطاقة الواسعة في البلاد، فالمشكلة الرئيسية ليست في ضعف الإنتاج، وحتى لو كانت، فإن استمرار الوضع الحالي لن يسمح لكم بتأمين الاستثمارات اللازمة أو رفع كفاءة الإنتاج، إن المشكلة في غياب السياسة الرشيدة، صحيح أن الحكومة ليست المسؤولة الوحيدة، لكن الناس ينظرون إلى النظام ككل واحد، ولا يفرقون بين مؤسساته، سياسة الوفاق التي ترفعون شعارها كان ينبغي أن تعالج هذا الخلل الجذري، لا أن تقتصر على توازنات شكلية في التعيينات والمناصب”.

واستطردت الصحيفة بنبرة انتقادية: “لا ينبغي أن تضيع وقتك في افتتاح محطة طاقة شمسية بقدرة 250 ميغاواط، بينما نعاني الآن من عجز صيفي يعادل مئة محطة مثلها، يجب أن تطرح خطة جديدة تماماً، يبدو أن بزشكيان وحكومته غارقون في التفاصيل التنفيذية الصغيرة إلى درجة لا تتيح لهم معالجة القضايا الكبرى، بالطبع نحن على يقين من أن بزشكيان يدرك أن استمرار السياسات الحالية للطاقة في إيران يضر بالشعب وبالبلاد، لكن لماذا لا يشرح ذلك علناً؟ يبدو أن الحماس الذي أبداه في البداية لحل هذه القضايا الجوهرية قد خمد”.

وتابعت “هم ميهن” أن استمرار الوضع الحالي يعني أن أزمات الكهرباء والغاز والبنزين ستبقى قائمة، مؤكدة أن “حتى نقل المياه من طالقان إلى طهران ليس حلاً نهائياً، لأنه عندما ينقص الماء من جديد، من أين سنجلبه؟”، وختمت الصحيفة بالقول: “بدلاً من تحسين كفاءة الاستهلاك، تنفق الحكومة الميزانية القليلة المخصصة للاستثمار، الحلول الجذرية والعلمية تحتاج إلى دعم وثقة الشعب، لكن يبدو أنه لم يُتخذ أي إجراء لتحقيق هذا الهدف حتى الآن”.

كذلك، فقد حذر حسين أفضلي، الخبير في قطاع الكهرباء، من أن حجم العجز الحالي يجعل من الصعب تحقيق الوعود الحكومية بالكامل، حيث صرح خلال حديث صحفي: “إذا أردنا سد هذا العجز البالغ أكثر من 20 ألف ميغاواط عبر الطاقة الشمسية فقط، فسنحتاج إلى أكثر من 35 ألف هكتار من الأراضي، وهذا رقم ضخم، القوانين الحالية تجعل تخصيص هذه الأراضي للمستثمرين أمراً معقداً وبطيئاً”.

Image

وأوضح أن تحقيق أهداف الحكومة يتطلب تعديلات تشريعية عاجلة تتيح للدولة تخصيص الأراضي البور وغير الصالحة للزراعة بسرعة، محذراً من أن استمرار البيروقراطية الحالية سيجعل من الصعب تجاوز إنتاج 3 إلى 4 آلاف ميغاواط فقط خلال الفترة المقبلة، كما أشار إلى صعوبات في تمويل المشاريع واستيراد الألواح بسبب العقوبات، لافتاً إلى أن “الاعتماد الكامل على السوق الصينية قد يكون ضرورة واقعية، لكن يجب التدقيق في جودة المنتجات المستوردة لتفادي المشكلات المستقبلية”.

وأضاف الخبير في قطاع الكهرباء أن “مشاركة مختلف الجهات من المحافظات والوزارات والقضاء والبرلمان ضرورية لتسريع الإجراءات وإقرار تشريعات شاملة لدعم الطاقة المتجددة”، داعياً إلى دور أكبر لمنظمة الطاقة المتجددة في التنسيق بين المؤسسات، وختم أفضلي بالقول: “الإنتاج المنزلي للطاقة الشمسية خيار متاح من الناحية التقنية، لكن بسبب الدعم الحكومي الكبير للكهرباء التقليدية، لا يجد المواطنون حافزًا للاستثمار فيه، فهم يفضلون بيع الكهرباء المنتجة للدولة بدلًا من استخدامها لتغطية احتياجاتهم”.

شعارات براقة انتهت إلى ظلام وانقطاعات متكررة

منذ الأيام الأولى لحملته الانتخابية، رفع بزشكيان شعار إصلاح ميزان الطاقة بوصفه إحدى أولويات حكومته الرابعة عشرة، مؤكداً أن إدارته ستنهي حالة الفوضى التي عاشها قطاع الكهرباء والغاز خلال السنوات الأخيرة، فتحدث بزشكيان عن برامج علمية ومدروسة لمعالجة نقص الطاقة وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، ووعد الإيرانيين بصيف بلا انقطاعات وشتاء بلا نقص في الغاز. غير أن الواقع، بعد مرور أشهر قليلة على توليه المنصب، قدم صورة مغايرة تماماً، انقطاعات متكررة للكهرباء في المدن والقرى، تقنين قاسٍ في المناطق الصناعية، وتحذيرات مبكرة من أزمة وقود جديدة تلوح في الأفق.

الوعود التي قدمها بزشكيان وفريقه الاقتصادي كانت، بحسب خبراء الطاقة، مجرد عناوين انتخابية بلا مضمون حقيقي، فقد وصف الدكتور سيد هاشم أورعي، أستاذ الكهرباء في جامعة شريف الصناعية ورئيس اتحاد جمعيات الطاقة في إيران، تلك الوعود بأنها جوفاء وبلا أساس، وقال في حوار مع وكالة إيسكا نيوز إن ما قدم للرأي العام حول خطط معالجة اختلال توازن الطاقة لا يقوم على أي دراسة ميدانية أو تصور واقعي، مشيراً إلى أن الأرقام نفسها التي تحدّثت عنها الحكومة تكذب وعودها، فخلال العام 2024 بلغ العجز الكهربائي 17.400 ميغاواط، بينما ارتفع هذا العام إلى 24.000 ميغاواط، ما يعني أن الفجوة اتسعت بدلاً من أن تضيق.

Image

ويؤكد أورعي أن جذور الأزمة تكمن في سوء الإدارة والطابع الحكومي لقطاع الكهرباء، إذ تهيمن الدولة على شبكة الإنتاج والتوزيع كلها، فيما يغيب التخطيط الطويل المدى وتُدار الأزمات بطريقة ارتجالية، ويضيف أن هذه الإدارة الضعيفة حولت الكهرباء من سلعة اقتصادية إلى أداة سياسية، تستخدمها الحكومات المتعاقبة لكسب الشعبية، بينما تمنع مؤسسات الدولة نفسها تعديل أسعار الكهرباء بما يتناسب مع معدلات التضخم، والنتيجة، كما يقول، أن اقتصاد الكهرباء انهار فعلياً، وأصبح القطاع يعيش على دعم غير مستدام ينهك الميزانية ولا يقدّم حلاً للمشكلة الهيكلية.

هذا وقد بقت وعود بزشكيان التي أُطلقت في أثناء الحملة الانتخابية، كالوصول إلى توازن إنتاجي خلال عام واحد، والحد من الهدر في شبكات النقل، ورفع كفاءة محطات التوليد، حبراً على ورق، فلم تدخل أي محطة جديدة كبرى الخدمة، ولم تنفذ مشاريع ترميم واسعة في الشبكة القديمة التي تعود إلى عقود مضت، وبدلاً من ذلك، لجأت وزارة الطاقة إلى تبريرات متكررة عن ارتفاع الاستهلاك وزيادة الأحمال الحرارية، في حين أظهرت الوقائع أن الحكومة لم تكن مستعدة لموسم الصيف، إذ بدأت جداول القطع المبرمج في العاصمة طهران قبل حلول شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وتكررت الانقطاعات بين ساعتين وأربع ساعات يومياً في ضواحي العاصمة والقرى المحيطة بها، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات الأعوام السابقة.

ويُحمّل أورعي الحكومة مسؤولية هذا الفشل قائلاً: “إن الوزارات المعنية عالقة في دوامة اليوميات، فوزارة الطاقة، على حد قوله، تركز فقط على تجاوز صيف كل عام بأقل قدر من الأضرار، بينما تنشغل وزارة النفط بمواجهة أزمة الغاز في الشتاء، دون أن تمتلك أي منهما رؤية استراتيجية شاملة”، ويضيف: “ما يجري اليوم ليس سوى إدارة أزمة مؤقتة، لا تخطيط لنهضة قطاع الطاقة، هذا القصور في الرؤية جعل الحكومة تعتمد على حلول ترقيعية كتقنين الكهرباء عن المصانع لتوفير التيار للمنازل، وهي خطوة ، وإن كانت ترضي المواطنين مؤقتاً، فإنها تضرّ بالإنتاج الوطني وتعمّق الركود الصناعي”.