الطريق إلى مسقط… كواليس صعبة ومفاوضات تدار في ظل التهديد

تشهد المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية، في ظل تداخل مسارات التصعيد والتهدئة، وتزاحم الرسائل العسكرية مع الإشارات الدبلوماسية. وبين الشكوك والرهانات، تعود لغة الحوار لتفرض نفسها مجددا كخيار لا غنى عنه لتفادي الأسوأ، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، وحراك سياسي كثيف خلف الكواليس. فبعد أسابيع من التوتر والالتباس، تتجه الأنظار إلى محطة مفصلية يعول عليها لكبح الانفجار المحتمل، وإعادة ضبط إيقاع المواجهة، في مشهد يعكس تعقيد اللحظة وحدّة الصراع، بقدر ما يكشف عن إدراك متزايد بأن كلفة القطيعة قد تفوق كلفة الجلوس إلى الطاولة.

من التهديد إلى طاولة مسقط… كيف ولدت المفاوضات وسط العاصفة السياسية والإعلامية؟

تأتي المفاوضات المزمع عقدها يوم الجمعة 6 فبراير/ شباط 2026، بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، في سياق سياسي وأمني بالغ التعقيد، اتسم خلال الأسابيع الأخيرة بتصعيد غير مسبوق في الخطاب والانتشار العسكري، يقابله في الوقت نفسه انفتاح حذر على المسار الدبلوماسي. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي، عاد نمط الضغط الأقصى ليهيمن على مقاربة واشنطن تجاه طهران، سواء عبر التهديدات العلنية باستخدام القوة العسكرية أو عبر تشديد العقوبات، ما خلق مناخا ضاغطا كاد أن يدفع المنطقة إلى حافة مواجهة مفتوحة.

Image

في هذا السياق، لم يكن الحديث عن التفاوض أمرا بديهيا، بل جاء نتيجة تراكب عدة عوامل متناقضة. فمن جهة، كثفت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية، ورفع مستوى الجاهزية القتالية، في رسالة واضحة مفادها أن الخيار العسكري مطروح. ومن جهة أخرى، حرص ترامب نفسه، ومعه ماركو روبيو وزير خارجيته، على التأكيد أن واشنطن تفضل الحل الدبلوماسي إذا أبدت إيران استعدادا جديا للتفاوض، وهو ما عكس ازدواجية في الخطاب الأمريكي بين الردع والترغيب.

Image

في المقابل، تبنت طهران مقاربة مزدوجة أيضا، إذ أكدت مرارا استعدادها للرد على أي اعتداء عسكري، مستندة إلى قدراتها الصاروخية وشبكة نفوذها الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته أبقت باب الدبلوماسية مفتوحا، معتبرة أن التفاوض ليس علامة ضعف، بل أداة لإدارة الصراع ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة. وقد عبر عن هذا التوجه عدد من المسؤولين الإيرانيين، من بينهم عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، الذي شدد على أن التفاوض يجب أن يتم من موقع الندية والاحترام المتبادل، مع التزام صارم بالخطوط الحمراء الإيرانية.

مجريات الساعات الأخيرة

غير أن الطريق إلى مسقط لم يكن مستقيما، فقد شهدت الساعات التي سبقت تثبيت موعد ومكان المفاوضات حالة من الارتباك الإعلامي الحاد، تحولت إلى ما وصفه بعض المراقبين بساعتين من التوتر الإخباري. فبعد تصريحات إيجابية من ترامب وروبيو حول المفاوضات، خرج موقع أكسيوس الأمريكي بخبر مفاجئ ادعى فيه أن واشنطن ألغت المفاوضات بسبب تغيير إيران لإطار ومكان التفاوض. هذا الخبر سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم، ودفع وسائل إعلام أخرى إلى التعامل معه بحذر متفاوت.

Image

من جهتها، شككت صحيفة وول ستريت جورنال في صحة خبر إلغاء المفاوضات، معتبرة أن المحادثات بين إيران والولايات المتحدة لم تلغ رسميا بعد، لكنها باتت مهددة بالإلغاء، في إشارة إلى استمرار حالة الغموض وعدم الحسم. وفي المقابل، اتخذت شبكة سي إن إن موقفا أكثر تحفظا، إذ أعلنت صراحة أنها غير قادرة على تأكيد خبر الإلغاء، مؤكدة أن المعطيات المتوافرة لديها لا تسمح بالجزم بصحة ما نشر.

على الضفة الأخرى، نقلت قناة الميادين عن مصادر إيرانية أن مفاوضات مسقط قد ألغيت بالفعل، غير أن هذا الطرح لم يلبث أن قوبل بنفي سريع. إذ عادت قنوات أخرى، من بينها قناة الحدث وقناة الجزيرة، لتنفي خبر الإلغاء نقلا عن مصادر إيرانية رسمية وكذلك عن البيت الأبيض، مؤكدة أن ما جرى تداوله حول إلغاء المفاوضات غير دقيق، وأن الاتصالات والمشاورات لا تزال قائمة.

هذا التضارب لم يحسم إلا عندما خرج عراقجي بتغريدة رسمية أعلن فيها بوضوح أن المفاوضات ستعقد يوم الجمعة الساعة العاشرة صباحا في مسقط، واضعا حدا لحالة الإرباك. ولاحقا، عاد موقع أكسيوس نفسه ليقر بأن المفاوضات استؤنفت بعد ضغوط مارستها تسع دول إقليمية على إدارة ترامب.

Image

لماذا مسقط؟ الجدل حول مكان الاجتماع وصيغة المفاوضات وأدوار الوسطاء الإقليميين

اختيار مسقط مقرا للمفاوضات لم يكن تفصيلا بروتوكوليا عابرا، بل شكل بحد ذاته محورا أساسيا في الجدل السياسي الذي سبق اللقاء. فمنذ البداية، طرحت عدة عواصم محتملة لاستضافة المفاوضات، أبرزها إسطنبول، التي كان يفترض أن تعقد فيها المحادثات بحضور مراقبين من دول إقليمية. غير أن هذا الخيار اصطدم بتحفظات إيرانية متزايدة، دفعت في النهاية إلى نقل المفاوضات إلى العاصمة العمانية.

Image

ووفق ما نقلته تقارير متعددة، أصرت طهران على أن تكون المفاوضات في مرحلتها الأولى ثنائية وغير مباشرة، ومحصورة بالملف النووي فقط، من دون توسيع جدول الأعمال ليشمل القضايا الصاروخية أو الإقليمية. هذا الإصرار كان أحد الأسباب الرئيسية لرفض عقد اللقاء في إسطنبول، حيث كان من المقرر حضور عدد من الدول العربية والإسلامية بصفة مراقب، وهو ما رأت فيه إيران خطرا بتحويل المفاوضات إلى عرض سياسي متعدد الأطراف، بدل كونها حوارا مركزا مع الطرف الأمريكي.

مسقط، في هذا السياق، بدت الخيار الأنسب، إذ تمتلك سلطنة عمان تاريخا طويلا في لعب دور الوسيط الهادئ بين الخصوم، وسبق لها أن استضافت قنوات اتصال سرية بين واشنطن وطهران، مهدت لاتفاق 2015. كما أن الطابع الهادئ وغير الاستعراضي للدبلوماسية العمانية، وفق توصيف تقارير إيرانية، يتناسب مع رغبة إيران في تقليل الضغوط الإعلامية وإبعاد المفاوضات عن الأضواء المكثفة.

في المقابل، لم تخف الولايات المتحدة ترددها إزاء تغيير مكان وصيغة المفاوضات. فقد صرح روبيو بأن واشنطن كانت تعتقد أنها توصلت إلى تفاهم بشأن عقد اللقاء في تركيا، قبل أن تفاجأ بتقارير متناقضة من الجانب الإيراني. ومع ذلك، وافقت إدارة ترامب في النهاية على خيار مسقط، ليس فقط استجابة للطلب الإيراني، بل أيضا تحت ضغط واضح من حلفاء إقليميين.

Image

تقارير دولية أشارت إلى أن دولا مثل عمان وقطر ومصر والسعودية وتركيا وروسيا لعبت أدوارا متفاوتة في دفع الطرفين نحو التفاوض ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية. غير أن دوافع هذه الدول لم تكن متطابقة، فبينما سعت عمان وقطر إلى تسهيل الحوار، انطلقت دول أخرى من هواجس أمنية مباشرة، خشية أن تؤدي أي حرب محتملة إلى زعزعة استقرار المنطقة وتهديد مشاريعها الاقتصادية والتنموية.

في هذا الإطار، أشار عدد من المسؤولين والمحللين الإيرانيين إلى أن قادة دول المنطقة يشعرون بالخطر من احتمال اندلاع حرب، وهو ما دفعهم إلى ممارسة ضغوط على واشنطن للإبقاء على مسار التفاوض. هذه الضغوط كانت حاسمة في منع إلغاء لقاء مسقط، وأسهمت في إعادة تثبيت موعده.

مع ذلك، يظل الجدل قائما حول ما إذا كان حصر المفاوضات في إطار ثنائي يخدم فعليا فرص التوصل إلى اتفاق مستدام. فبعض الخبراء يرون أن إشراك الدول الإقليمية قد يمنح أي اتفاق مستقبلي ضمانات أوسع، بينما يرى آخرون أن كثرة الأطراف في هذه المرحلة قد تعقد المسار بدل تسهيله. إيران، من جهتها، تبدو متمسكة بخيار التدرج وتثبيت التفاهم مع واشنطن أولا، ثم توسيع الدائرة لاحقا إذا اقتضت الحاجة.

ملفات على طاولة الجمعة… الأجندة النووية، الخطوط الحمراء، وآفاق ما بعد اللقاء

على مستوى المضمون، تؤكد جميع المؤشرات أن الملف النووي سيكون العنوان الرئيسي لمفاوضات مسقط، مع استبعاد واضح، في هذه المرحلة على الأقل، للقضايا الأخرى التي تسعى واشنطن إلى طرحها، مثل البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي لإيران. هذا التحديد للأجندة يعكس، بحسب تحليلات، نجاحا تكتيكيا لطهران في فرض أولوياتها، وهو ما ذهبت إليه صحف غربية مثل وول ستريت جورنال، التي وصفت نقل المفاوضات إلى عمان بأنه انتصار تكتيكي لإيران، لأنه قلص الضغوط الخارجية وشتت تركيز الطرف المقابل.

Image

إيران، من جهتها، تدخل هذه المفاوضات وهي تحمل مجموعة واضحة من الخطوط الحمراء، في مقدمتها حقها في تخصيب اليورانيوم، الذي تعتبره حقا سياديا غير قابل للتنازل، إضافة إلى رفض أي نقاش حول قدراتها الصاروخية أو دعمها لما تصفه بمحور المقاومة، ورفض قاطع لأي طرح يتعلق بالاعتراف بإسرائيل. هذه الثوابت أكدها مسؤولون إيرانيون عدة، معتبرين أن أي اتفاق لا يحترمها سيكون مرفوضا شعبيا وسياسيا.

في المقابل، تطرح الولايات المتحدة مطالب تتجاوز الملف النووي الصرف. فقد شدد مسؤولون أمريكيون على أن أي اتفاق ذي معنى يجب أن يشمل الصواريخ الباليستية، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين. ومع ذلك، تشير تسريبات متعددة إلى أن واشنطن قد تقبل مرحليا بحصر النقاش في الملف النووي إذا كان ذلك يفتح الباب أمام اتفاق أوسع لاحقا.

من بين الأفكار المطروحة بقوة في هذا السياق، فكرة إنشاء ائتلاف نووي إقليمي للتخصيب على الأراضي الإيرانية، أو كونسورتيوم بحسب ما هو متداول إعلاميا، بمشاركة دول من المنطقة ودول غربية، مع إخضاعه لرقابة دولية مشددة. هذا المقترح ينظر إليه داخل إيران كحل وسط يحفظ حق التخصيب ويبدد المخاوف الدولية بشأن الطابع السلمي للبرنامج النووي، كما قد يشكل مخرجا تفاوضيا يسمح بتجاوز عقدة صفر تخصيب التي تطالب بها بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية.

كذلك يتوقع أن تتناول المفاوضات مسألة اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، الذي تعتبره واشنطن مصدر قلق رئيسي. فقد أبدت إيران استعدادا لنقل هذا المخزون أو بيعه إلى طرف ثالث ضمن إطار اتفاق، مقابل رفع العقوبات وتقديم ضمانات بعدم تكرار الانسحاب الأمريكي من أي تفاهمات مستقبلية. هنا تبرز مسألة الضمانات كعنصر حاسم، إذ تؤكد طهران أنها لن تكرر تجربة اتفاق 2015 من دون ضمانات عملية تضمن استمراريته.

في المحصلة، تمثل مفاوضات الجمعة اختبارا حقيقيا لإرادة الطرفين. فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها التهديدات العسكرية مع الضغوط الإقليمية والدولية، وفي ظل قناعة متزايدة بأن الحرب، إن اندلعت، ستكون مكلفة للجميع. نجاح هذه الجولة قد لا يعني التوصل إلى اتفاق فوري، لكنه قد يفتح نافذة ضرورية لإدارة الصراع بدل تفجيره، وهو ما يفسر الاهتمام الإقليمي والدولي الاستثنائي بما سيجري في مسقط صباح الجمعة.