- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 715 Views
منذ تغريدة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الإثنين 2 فبراير/ شباط 2026، التي أعطت الضوء الأخضر لبدء مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة، دخلت الساحة السياسية الإيرانية مرحلة جديدة من الجدل والانقسام، أعادت إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في السياسة الخارجية لإيران. هذه التغريدة لم تكن مجرد تصريح عابر، بل شكلت نقطة تحول في المزاج السياسي والإعلامي، وأطلقت موجة واسعة من التحليلات والتأويلات المتناقضة داخل إيران وخارجها.
التغريدة التي جاءت في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث كانت المنطقة قد عاشت أسابيع من التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، إلى جانب ضغوط اقتصادية خانقة وتوترات داخلية تركت أثرها العميق على المجتمع الإيراني. لذلك، بدا الإعلان عن التفاوض وكأنه محاولة لكسر حلقة التصعيد، أو على الأقل إدارة الصراع بأدوات سياسية بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

ما ميز هذا الإعلان أنه لم يأت في صيغة قرار رسمي واضح المعالم، بل ظهر كإشارة سياسية محسوبة، ما أتاح للسلطة التنفيذية مساحة مناورة واسعة بين الداخل والخارج، فمن جهة، إرسال رسالة إيجابية إلى العواصم الغربية مفادها أن طهران لا تغلق باب الدبلوماسية، ومن جهة أخرى، ضبط الإيقاع الداخلي لتفادي صدام مباشر مع التيارات الرافضة للتفاوض.
في الشارع الإيراني، قوبلت الأنباء بمزيج من الترقب والشك، فشرائح واسعة من المجتمع، المنهكة اقتصاديا، رأت في أي مسار تفاوضي أملا محتملا لتخفيف العقوبات وتحسين الوضع المعيشي، حتى وإن كانت لا تثق كثيرا بالولايات المتحدة، في المقابل، عبرت قطاعات أخرى عن خشيتها من أن يكون التفاوض مقدمة لتنازلات تمس جوهر السيادة والقدرات الاستراتيجية.
هذا الانقسام الإعلامي لم يكن انعكاسا لجدل نظري، بل تعبيرا عن صراع أعمق داخل النظام الإيراني حول تعريف المصلحة الوطنية، وحدود البراجماتية السياسية، وكيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة في مرحلة إقليمية متغيرة. هنا بالضبط، تبدأ خطوط التمايز بين المعسكرين الإصلاحي والأصولي في الظهور بوضوح أكبر.
رؤية المعسكر الإصلاحي… التفاوض كضرورة سياسية وعقلانية استراتيجية
حسبما ظهر على الصفحات الأولى لوسائل الإعلام التابعة له، فإن التيار الإصلاحي في إيران يرى أن العودة إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة ليست خيارا ترفيا، بل ضرورة سياسية تفرضها الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، هذا المعسكر ينطلق، حسب تصريحات أبرز شخصياته، من قراءة لموازين القوى، ومن إدراك عميق لحجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، ويعتبر أن إدارة الصراع عبر الدبلوماسية لا تعني التخلي عن المبادئ، بل حماية الدولة من كلفة المواجهة المفتوحة.
في هذا السياق، عبر على مطهري، نائب رئيس البرلمان الإيراني في دورته العاشرة، عن موقف واضح يدعو إلى المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، حيث صرح خلال حوار له مع موقع خبر أونلاين الثلاثاء 2 فبراير/ شباط 2026 أن الحوار المباشر أكثر شفافية وفاعلية من المسارات غير المباشرة التي أثبتت محدوديتها، مشددا على أن التفاوض، حتى لو لم يؤد إلى اتفاق نهائي، فإنه سيوفر للحكومة رصيدا أخلاقيا وسياسيا أمام شعبها وأمام الرأي العام الدولي.

ويذهب مطهري أبعد من ذلك حين يؤكد أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات، حتى في حال فشلها، يعزز التماسك الداخلي، لأن المجتمع سيكون على قناعة بأن الدولة استنفدت كل السبل السياسية قبل أي تصعيد محتمل، فمن وجهة نظره، سيحرم هذا المسار إسرائيل من استثمار أجواء الحرب، ويضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية.
أما فيما يتعلق بآلية التفاوض، فيرى مطهري أن إشراك شخصيات ذات خبرة تفاوضية عالية، مثل علي لاريجاني، الأمين العام الحالي للمجلس الأعلى للأمن القومي، أو محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، يمكن أن يشكل عنصر قوة للموقف الإيراني. هذا الطرح يعكس قناعة إصلاحية بأن التفاوض ليس مجرد قرار سياسي، بل عملية تقنية معقدة تتطلب خبرة تراكمية ومعرفة دقيقة بتفاصيل الملف النووي وتعقيداته الدولية.
من جهته، يقدم على باقري، أحد أبرز الأصوات الإصلاحية، قراءة أكثر تركيبا لمفهوم التفاوض، خلال تصريحاته مع صحيفة اعتماد، فهو يؤكد أن أي اتفاق مستدام لا يمكن أن يقوم على منطق الغلبة أو الإملاء، بل على توازن المصالح والقوة، فبالنسبة لباقري، فإن التفاوض الحالي هو ثمرة مقاومة مدروسة سبقت الحوار، وليست نتيجة ضعف أو تراجع.

ويشدد باقري على أن الخط الأحمر في أي مسار تفاوضي هو الحفاظ على القدرة الردعية والأمن القومي، لكنه في الوقت ذاته يرفض تحويل هذه الخطوط الحمراء إلى ذريعة لشل الدبلوماسية، ومن وجهة نظره، يمكن الجمع بين الردع والتفاوض، بل إن الجمع بينهما هو ما يمنح إيران موقعا تفاوضيا قويا.
في السياق ذاته، يلفت منصور حقيقت بور، الشخصية الأصولية، إلى خطر الأصوات الداخلية التي تسعى إلى إفشال أي حوار قبل أن يبدأ، معتبرا أن تخريب مسار التفاوض يخدم، ولو عن غير قصد، أجندة الخصوم. حقيقت بور، رغم انتمائه إلى التيار الأصولي التقليدي، يقترب في هذا الملف من الطرح الإصلاحي حين يؤكد أن العقوبات ألحقت أضرارا جسيمة بالاقتصاد والمجتمع، وأن تقليصها يجب أن يكون هدفا مركزيا لأي حوار.

الجامع بين هذه المواقف الإصلاحية، حسب قراءات، هو الإيمان بأن التفاوض ليس نقيضا للمقاومة، بل أداة من أدواتها السياسية. فالمقاومة، وفق هذا المنظور، لا تختزل في المواجهة العسكرية، بل تشمل القدرة على المناورة السياسية، وكسب الوقت، وتحسين شروط الاشتباك مع الخصم على المدى الطويل، كما يعكس خطاب الإصلاحيين إدراكا للتحولات الدولية، ولا سيما تراجع شهية الولايات المتحدة للحروب المباشرة، وازدياد كلفة الصراعات الإقليمية.
المعسكر الأصولي… تفكيك خطاب الرفض والتحذير من فخّ التفاوض
في المقابل، يقف المعسكر الأصولي، وخصوصا التيار الإعلامي المقرب من المؤسسات الحاكمة، موقفا متشددا من فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة، ويعبر عن هذا الموقف بوضوح في صحف مثل كيهان وجام جم، هذا المعسكر ينطلق من قراءة تاريخية تعتبر أن واشنطن لم تلتزم يوما بتعهداتها، وأن كل جولة تفاوض سابقة كانت مقدمة لضغوط أشد أو لعمل عدائي مباشر.
فترى صحيفة كيهان، في عددها الصادر الثلاثاء 3 فبراير/ شباط 2026، أن الحديث المتجدد عن التفاوض بين إيران والولايات المتحدة لا يعكس تحولا حقيقيا في السلوك الأمريكي، بل يأتي في سياق إعادة تدوير سياسة الضغط بأدوات ناعمة بعد فشل التهديد العسكري المباشر، فوفق قراءة الصحيفة، فإن واشنطن، بعد عجزها عن كسر معادلة الردع الإيرانية ميدانيا، تحاول اليوم العودة إلى طاولة التفاوض لا من باب التفاهم، بل كجزء من استراتيجية خداع تهدف إلى نزع عناصر القوة الإيرانية تدريجيا.

وتعتبر كيهان أن التجارب السابقة مع الولايات المتحدة، ولا سيما مسار الاتفاق النووي والانسحاب الأمريكي الأحادي منه العام 2018، تشكل دليلا قاطعا على أن واشنطن لا تنظر إلى التفاوض كآلية لحل النزاعات، بل كأداة لشراء الوقت، وتخفيف الضغط الدولي عنها، وتهيئة الأرضية لخيارات أكثر عدوانية، ومن هذا المنطلق، تحذر الصحيفة من أي قراءة متفائلة للتغير النسبي في الخطاب الأمريكي، معتبرة أن تبدّل اللهجة لا يعني تبدّل النوايا.
وتلفت الصحيفة إلى أن ما تصفه بالشروط المطروحة من قبل الولايات المتحدة تمس جوهر السيادة الإيرانية، وتشمل تفكيك البرنامج النووي، وتقييد القدرات الصاروخية، وإضعاف الدور الإقليمي لإيران، وترى كيهان أن القبول بمثل هذه الشروط، حتى في إطار تفاوضي تدريجي، يعني عمليا فتح مسار تفكيك استراتيجي للدولة تحت غطاء دبلوماسي.
وفي هذا السياق، تؤكد الصحيفة أن الدعوة إلى التفاوض في ظل استمرار التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية تتناقض مع أبسط قواعد الدبلوماسية المتكافئة. فالتفاوض، وفق منظور كيهان، لا يكون مجديا إلا عندما ينبع من توازن قوة حقيقي، لا عندما يفرض كاستجابة لضغط أو خوف من التصعيد، كما تربط الصحيفة بين الدعوات الحالية للتفاوض ومحاولات سابقة لاستغلال الأوضاع الداخلية في إيران، معتبرة أن واشنطن تسعى إلى توظيف أي نافذة سياسية لإعادة إنتاج سيناريوهات الضغط المركب، الذي يجمع بين الحرب النفسية والاقتصادية والدبلوماسية.
اما صحيفة جام جم فتنطلق في قراءتها للتطورات الأخيرة المتعلقة بإمكانية استئناف التفاوض من مقاربة حذِرة، تقوم على الجمع بين الواقعية السياسية وعدم السقوط في فخ التفاؤل المفرط، فالصحيفة ترى أن سجل الولايات المتحدة، بما يحمله من نقض متكرر للعهود والالتزامات، يجعل أي حديث عن تفاوض طبيعي أو تقليدي أمرا يفتقر إلى الأسس الواقعية ما لم يترافق مع تغير ملموس في السلوك الأمريكي.

وبحسب جام جم، فإن واشنطن، وبعد التظاهرات الأخيرة وما رافقها من اضطرابات داخلية وضغوط مركبة، اعتقدت أنها باتت تمتلك البيئة النفسية والأمنية المناسبة لتصعيد سياسة الضغط على طهران، غير أن هذا التقدير، كما ترى الصحيفة، جاء خاطئا، إذ أظهرت إيران قدرة واضحة على إدارة الأزمات الداخلية ومواجهة التهديدات الخارجية دون الانجرار إلى حالة انفعال أو تنازل سياسي.
وتلفت الصحيفة إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج الفارسي وشرق المتوسط، بالتوازي مع تصعيد الحرب النفسية، لم تكن تهدف إلى دعم مسار تفاوضي متكافئ، بل إلى فرض مطالب قديمة تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات الدفاعية والدور الإقليمي لإيران، إلا أن الرد الإيراني، الذي اتسم بالحزم وتعدد المستويات، أعاد تثبيت معادلة الردع، ووجه رسالة واضحة مفادها أن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة ذات كلفة عالية على جميع الأطراف.
وفي هذا السياق، ترى جام جم أن التحركات الدبلوماسية التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، سواء عبر وساطات إقليمية أو لقاءات رفيعة المستوى، لا تعني بالضرورة تغيرا جذريا في الاستراتيجية الأمريكية، بل تعكس إدراكا متأخرا لحجم المخاطر المترتبة على خيار التصعيد، ومن هنا، فإن الحديث عن التفاوض، وفق الصحيفة، يجب أن يفهم بوصفه محاولة لإدارة الأزمة لا حلها بالكامل.
وتحذر جام جم من تكرار أخطاء الماضي، مشيرة إلى أن التجربة السابقة أثبتت أن الولايات المتحدة استخدمت طاولة التفاوض غطاء لشراء الوقت وتهيئة ضغوط جديدة. لذلك، تؤكد أن أي مسار تفاوضي مقبل يجب أن يكون محكوما بإطار واضح، يقوم على احترام الخطوط الحمراء الإيرانية، ورفع مناخ التهديد والعقوبات، وضمان توازن المصالح.
وما بين التفاؤل الحذر للإصلاحيين، والتشدد التحذيري للأصوليين، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق سياسي حساس، فالتفاوض لم يعد مجرد ملف خارجي، بل بات مرآة تعكس انقسام الداخل، وحدود الإجماع الوطني، وطبيعة النقاش حول مستقبل الجمهورية الإسلامية في عالم متغير. والمرحلة المقبلة، أيا كان مسارها، ستكشف أي من هذين المنطقين سيكون أقدر على فرض رؤيته على واقع السياسة الإيرانية.

