العام الدراسي الجديد في إيران يبدأ وسط فصول مزدحمة تهدّد جودة التعليم

ترجمة:ساره شعبان المزين 

نشرت صحيفة “رسالت” الإيرانية، الأحد 21 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أنّ أحد التحدّيات الجدية في النظام التعليمي، لا سيّما في المدارس الحكومية بأطراف المدن الكبرى، يتمثّل في الأعداد الكبيرة للتلاميذ داخل الصفوف الدراسية. 

وأضافت الصحيفة أنّ كثيرا من هذه المدارس تشهد ازدحاما يصل إلى نحو 40 إلى 45 تلميذا في الصف الواحد، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التدريس والتعلّم والتفاعل بين التلاميذ. 

وتابعت أنّ نقص المساحات التعليمية والازدحام المفرط في الصفوف أدّيا إلى تراجع ملحوظ في مستوى التعليم، رغم أنّ مصوّبة المجلس الأعلى للتربية والتعليم تنصّ على ألّا يتجاوز عدد التلاميذ في صفوف المرحلة الابتدائية 26 تلميذا بأي حال من الأحوال، في حين أنّ بعض الصفوف تُعقد بأعداد تفوق هذا السقف، وتصل أحيانا إلى 40 تلميذا.

عجز المدارس أشد في الضواحي والمدن الجديدة

ذكرت الصحيفة أنّه خلال السنوات الماضية ارتفع معدّل نصيب الفرد من المساحات التعليمية في البلاد من 17.5 مترا مربعا عام 2016 إلى 28.5 مترا مربعا، غير أنّ هذا الرقم ما زال بعيدا عن المعيار القانوني المحدَّد بثمانية أمتار مربعة لكل تلميذ. 

وأشارت إلى أنّ معدّل المساحات التعليمية في محافظة طهران لا يتجاوز 16.5 مترا مربعا، وهو ما يعكس حاجة عاجلة لبناء مدارس جديدة في هذه المحافظة.

وبيّنت الصحيفة، نقلا عن مسؤولي وزارة التربية والتعليم، أنّ الوصول إلى المعدّل المعياري على مستوى البلاد يتطلّب إنشاء 13 ألف صفّ جديد في طهران وأنّ هذا العجز في المدارس أكثر وضوحا في المناطق الهامشية والمدن الجديدة، حيث أكّد المسؤولون أنّ 695 مدرسة مؤلّفة من 15 صفّا مطلوبة في مدن محافظة طهران لتخفيف الازدحام داخل الصفوف.

وتابعت أنّ هذا المشهد يتكرّر مع كلّ عام دراسي جديد، بداية مزدحمة أصبحت مألوفة لدى القائمين على النظام التعليمي، لكنّها تحمل معها أضرارا متعدّدة للتلاميذ طوال العام الدراسي.

وأشارت إلى شهادة أحد المعلّمين الذين اكتسبوا خبرة في الصفوف الابتدائية المزدحمة بما يزيد على 40 تلميذا، إذ أوضح أنّ الازدحام يشتّت انتباه التلاميذ ويستنزف طاقة المعلّم في ضبط الصف، كما أنّه يقف عائقا أمام التقييم الوصفي الدقيق ويحول دون طرح الأسئلة الشفوية المنتظمة التي تقيس مدى استيعاب التلاميذ.

وأضافت أنّ أحد مدرّسي المرحلة الثانوية أكّد هو الآخر هذه الإشكالات، لافتا إلى أنّ كثافة الصفوف مع ضخامة المقرّرات الدراسية تقلّص فرص النقاش الحرّ والمراجعة المستمرة، وهو ما يُفضي إلى تراجع جودة التعليم في معظم الصفوف المزدحمة.

Image

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المعضلة تمثّل خللا في النظام التعليمي يمكن تجاوزه عبر استكمال المدارس غير المكتملة وزيادة عدد الصفوف، لاسيّما وأنّ مسؤولي التربية ربطوا مرارا مشكلة الازدحام بنقص المساحات التعليمية، متعهّدين بأنّ حلّ هذه المعضلة سيضع حدّا للفصول المزدحمة. 

كما شدّدت على أنّ معالجة العجز في أعداد المعلّمين وتوزيعهم غير المتوازن بين مناطق البلاد لا يقلّ أهمية، إذ يضطرّ مديرو المدارس في كثير من الأحيان إلى التعويض عن هذا النقص بزيادة أعداد التلاميذ داخل الصف الواحد.

الفصول المزدحمة وتقليص دور المعلّم إلى مجرّد مراقب

ذكرت الصحيفة أنّ علي بهشتي، أحد خبراء النظام التعليمي، أوضح أنّ «الفصول المزدحمة تستنزف معظم طاقة المعلّم في السيطرة وإدارة الصف، حتى إنني شخصيا في مثل هذه الفصول أصاب بالغضب وأفقد تركيزي، فلا أجد وقتا لطرح الأسئلة، ولا أستطيع متابعة الواجبات. بل إنّ ازدحاما فصل واحد انعكس سلبا على بقية دروسي، وأفسد يومي واسبوعي، وجعل سنتي الدراسية بأكملها مرهقة».

وأضاف بهشتي أنّ الفصول المزدحمة تقلّص دور المعلّم إلى مجرد مراقب ومسيطر، وتضعف العلاقة العاطفية بينه وبين التلاميذ، فلا يجد وقتا لتقديم المنهج المقرر، فضلا عن بناء الروابط التربوية التي تُعد جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية.

وفي السياق نفسه، أيّد المعلم علي إبراهيمي هذه الرؤية، مؤكدا أنّ «إحدى أكثر الوسائل فاعلية في التعليم هي التواصل وجها لوجه، لكن هذا الأسلوب يتراجع بشدة في الفصول المزدحمة».

وبيّن إبراهيمي أنّ «الفصول المزدحمة تُفقد التدريس كفاءته وهدفه، فلا تتحقق حتى الحدود الدنيا منه، ما يضطر المعلم –على غير رغبته– إلى اللجوء لأسلوب غير فعّال يقوم على النقل السريع للمعلومات، وهو ما يؤدي إلى ضعف التحصيل وتراجع المستوى الدراسي للطلاب».

ونوّه مستندا إلى خبرته الممتدة ثلاثين عاما في مجال التعليم، قائلا: «في الفصول المزدحمة، أضطر للتعامل بقدر من الحزم لأتمكّن من السيطرة. لكن الحقيقة أنّه في النصف ساعة الأولى من الدرس أفهم ما أقول ويفهم الطلاب أيضا، أما في النصف ساعة الثانية فأنا وحدي أستوعب ما أدرّس، بينما الطلاب لا يفهمون، وفي النصف ساعة الأخيرة لا أنا أدرك ما أقوله ولا التلاميذ! فيخرج الطلاب منهكون وأنا كأنني خرجت من ساحة معركة».

Image

ازدحام الفصول يحوّل التدريس إلى تكرار وإرهاق

وذكرت الصحيفة أنّ نازنين صحرايي، التي تمتلك خبرة عشر سنوات في التدريس، أوضحت أنّه «في الصفوف ذات الكثافة العالية، لا يكون دور المعلّم سوى إدارة الصف وفرض النظام والانضباط، حيث يقضي معظم وقته في تكرار الدروس، لأنّ ازدياد عدد التلاميذ وما يسببه من ضوضاء يؤدّي إلى اختلالات كبيرة في عملية التعلّم، ما يفرض تكرارا متواصلا للمحتوى».

وأضافت الصحيفة أنّ هذه المعلّمة نبهت إلى أنّ «انعكاسات هذه المشكلة باتت واضحة اليوم في نظامنا التعليمي، ومنها: 

أولا، التراجع الدراسي للتلاميذ الذي بدأ منذ سنوات وكان الازدحام من أبرز أسبابه. 

ثانيا، انخفاض جودة التعليم في المدارس الحكومية ودفع التلاميذ نحو المدارس الخاصة. 

ثالثا، انتشار أساليب غير سليمة في إدارة الصفوف، وعلى رأسها المعلم-المحورية. 

رابعا، غياب التربية المتوقعة في المراحل العمرية المقررة، ولا سيما المرحلة الابتدائية التي تُعَدّ مرحلة التأديب والتربية. 

خامسا، إنهاك الكادر التعليمي، حيث يستهلك المعلّم معظم طاقته في القيام بدور المراقب، ما يعرّضه لضغوط جسدية ونفسية كبيرة. 

وسادسا، هدر الموارد المادية والمالية للمدارس نتيجة ضعف السيطرة على التلاميذ».

تأثير ازدحام الصفوف الدراسية على تحصيل التلاميذ

ذكرت الصحيفة أنّ وحيد مهرباني، أستاذا مساعدا في قسم الإدارة والتخطيط التربوي بجامعة طهران، أجرى بحثا في هذا المجال وركّز على أثر ازدحام الصفوف على مسار التعلّم. 

وأضاف أنّه بشأن أهداف هذا البحث أوضح أنّه نظرا إلى أهمية جودة التعليم، فإنّ الإلمام بالواقع القائم في هذا الخصوص يمكن أن يكون حاسما في تبنّي السياسات المناسبة المتعلقة بتوزيع وتخصيص الإمكانات التعليمية.

وبيّنت أنّ فريقا من المختصين يرى أنّ ازدياد كثافة التلاميذ يؤدي بأشكال متعددة إلى الإخلال بالعملية التعليمية، ما يترتب عليه انخفاض المستوى النوعي للتعليم والتعلّم. في المقابل، يرى آخرون أنّ الزيادة الطفيفة في عدد التلاميذ لا تؤثر سلبا على التعلّم، بل قد تُسهم عبر خلق جوّ من التنافس بينهم في تحسين المستوى التحصيلي. و لتوضيح هذه المسألة، استُخدم نموذج بحثي شمل 1294 تلميذا من الصف الرابع الابتدائي في المدارس الحكومية العادية.

وأظهرت نتائج البحث، كما أوضح مهرباني، أنّ ارتفاع كثافة الصف يؤثر سلبا على التعلّم لسبعة أسباب: أولا، أنّ عدد التلاميذ يؤثر على مستوى وكيفية تفاعلهم مع بعضهم، أو بعبارة أخرى على طبيعة علاقاتهم الاجتماعية، ما قد يفضي إلى زيادة الضوضاء أو السلوكيات المخلّة  فكلما ازدادت كثافة الصف ازدادت السلوكيات غير المتوافقة مع التقدّم الدراسي، وهذه السمة مصحوبة بزيادة الضوضاء قد تنعكس سلبيا على جميع التلاميذ.

وثانيا، يتعلق الأمر بالمدة الزمنية التي يخصّصها المعلّم لكل تلميذ واحتياجاته؛ إذ كلما كان الصف أصغر، ازدادت – نظريا على الأقل – إمكانية الاهتمام الفردي بالتلاميذ، سواء في الحصة أو في تصحيح الواجبات والامتحانات.

وثالثا، يتصل حجم الصف بكيفية تخصيص وقت المعلّم وكفاءته؛ فعندما تكون الكثافة أقل، يمكن تغطية قدر أكبر من المواد الدراسية، وتشجيع التلاميذ على النقاش، وتدريس موضوعات أكثر، مع تكرار الشرح وإضافة أمثلة وتمارين متعددة.

ومن المؤكد أن جميع التلاميذ لا يستوعبون المواد الجديدة منذ المرة الأولى، وهم بحاجة إلى شروح إضافية وإيضاح من المعلّم، وحين يكون الصف مزدحما، فإنّ المعلّم لا يجد الفرصة لتغطية المواد الدراسية بعمق كاف، وهو ما قد يؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي.

وتابعت الصحيفة أنّ السبب الرابع هو أنّه كلما ازداد عدد التلاميذ، ازداد في المتوسط عدد “المشاكسين”، مما يجعل أجواء الصف وبيئة التعلّم غير مناسبة، وبالتالي ينعكس سلبا على جودة التعليم.

أما السبب الخامس فيرتبط بأسلوب التدريس في الصفوف ذات الكثافة المختلفة؛ إذ قد يغيّر المعلّم في الصفوف الكبيرة طريقته ويعتمد التدريس الموجّه إلى المجموعة ككل، مكتفيا بالمبادئ العامة ومحدّدا نطاق الموضوعات الأساسية، فيتجنّب التفصيل والشروح الموسّعة، ويكتفي بالعموميات لإنهاء مهمته، الأمر الذي يحول دون اكتساب التلاميذ معرفة أعمق.

والسبب السادس أنّ الصفوف الأقل ازدحاما تتيح فرصا أكبر للاستعانة بالوسائل التعليمية المساعدة، في حين أنّ الصفوف المزدحمة تجعل توفير هذه الوسائل وإدارتها أكثر صعوبة على المؤسسات التعليمية والمعلمين على السواء.

والسابع أنّ المعلّمين في الصفوف الصغيرة يتمكنون من تعزيز فعالية أساليبهم عبر استخدام التعليم الجماعي في مجموعات صغيرة، وتنظيم الأنشطة العملية، والتعليم الفردي، وتنوّع طرق التدريس، وهو ما يرفع من كفاءة العملية التعليمية.

ونوّهت الصحيفة إلى أنّ هذه الأسباب تفسّر الأثر السلبي ازدحام  الصفوف على الوضع التعليمي للتلاميذ، وهو ما يدفع كثيرين إلى اعتبار تقليص حجم الصفوف سياسة أساسية ينبغي أن تكون في صدارة أولويات التربية والتعليم غير أنّ المسألة لا تنحصر في هذا الجانب فحسب، إذ يمكن أيضا عرض أسباب تدعم الكثافة الصفية أو تنفي وجود علاقة ذات دلالة.

وأضاف مهرباني في شرح نتائج البحث، أنّه حتى لو سلّمنا بأنّ التلاميذ في الصفوف المزدحمة يؤدّون أداء أضعف، يمكن القول في الوقت نفسه إنّ الفارق في الكثافة ليس ذا أثر جوهري في جميع الحالات، بل قد يظهر الأثر السلبي فقط حين يبلغ عدد التلاميذ مستوى مرتفعا إلى حدّ لافت، لا عندما يكون الفارق بين صفَّين في حدود طفيفة أو حول المعدّل  وبعبارة أخرى، قد يوجد “حدٌّ فاصل” للكثافة الصفية، ولا يكون لعدد التلاميذ أثر معنوي إلا عند تجاوزه، فيما المقارنات داخل الحدّ ذاته لا تكشف عن فروق واضحة. 

وأشارت الصحيفة إلى أنّ هذه الرؤية المخالفة موجودة أيضا بين بعض صنّاع القرار.

وأبرزت ما ذكره أحد المسؤولين السابقين في وزارة التربية لوسائل الإعلام، إذ قال: “إنّ تشكيل مثل هذه الصفوف، وبما هو متاح من إمكانات في أغلب المدارس والفصول، يعني عمليا تعطيل التعليم ونقل المفاهيم والمعارف”. 

وأوضح هذا المسؤول أنّ الصفوف الدراسية، حتى في المدارس الجيدة ومناطق المدن الكبرى أو مراكز المحافظات، بل وحتى في طهران، لا تتجاوز كونها معلما واحدا وسبورة واحدة، يُطلب منه إدارة أربعين تلميذا وضبط النظام، وفي الوقت نفسه القيام بالمهمة الشديدة التعقيد لنقل المعرفة والمفاهيم التعليمية. 

وأكّد أنّ ذلك عمليا غير ممكن، بل يؤدّي إلى توترات كبيرة بين التلاميذ والمعلّمين، تتجلى في العقاب البدني والمشاحنات بينهم، وهي كلها انعكاسات لصفوف مزدحمة خالية من الإمكانات.

الصفوف المزدحمة وظاهرة فقر التعلّم!

ذكرت الصحيفة أن الصفوف المزدحمة قد تكون من بين العوامل المسبّبة لمشكلة أكبر تُعرف بـ «عدم تعلّم التلاميذ». 

وأشارت إلى أن «رضوان حكیم زاده»، معاون التعليم الابتدائي بوزارة التربية والتعليم، كان قد كشف في وقت سابق عن معاناة 40% من التلاميذ من «فقر التعلّم»، موضحا أنّ بعضهم، رغم وجودهم في المدرسة، لا يكتسبون المهارات الأساسية للمعرفة بشكل صحيح. 

وأفادت بأن هذا المسؤول أوضح أنّ فقر التعلّم يُطلق على الحالة التي يعجز فيها التلميذ، رغم حضوره المدرسة، عن إتقان مهارات أساسية مثل القراءة والكتابة والحساب والتحدث وأضاف أنّ هذا الفقر في مرحلة التعليم الابتدائي يؤدّي إلى مشكلات دراسية في المراحل اللاحقة.

Image

وأكّدت الصحيفة، نقلا عن خبراء في النظام التعليمي، أنّ الأرقام والإحصاءات، خصوصا خلال العقد الأخير، جاءت لتؤكّد هذه الظاهرة: «إذا ألقينا نظرة على معدلات طلاب المرحلة الثانوية في مختلف التخصصات، سنكتشف هذا الفقر التعليمي فعلى سبيل المثال، فإنّ متوسط درجات طلاب الفرع الأدبي في الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر يقلّ عن العشرة من عشرين، ما يدلّ على أنّ هؤلاء التلاميذ لم يتعلموا حتى القراءة والكتابة كما ينبغي».

وأوضحت أنّ العديد من المعلمين الذين عملوا سنوات طويلة في مناطق مختلفة من البلاد، وكان لهم حضور في الجهاز الإداري للتربية والتعليم، يؤكّدون أنّ مستوى التراجع في معارف التلاميذ بلغ مراحل شديدة الخطورة.

كثافة التلاميذ في الصفوف؛ دراسة ومقارنة عالمية

ذكرت الصحيفة أنّ الدراسات التي أُجريت في دول مختلفة تؤكد أنّ تقليص الكثافة الصفية يُعَدّ من العوامل الأساسية في رفع مستوى التعلّم وتعزيز فاعلية العملية التعليمية.

وبيّنت أنّ فنلندا، التي تُعَدّ من أنجح النظم التعليمية ذات الطابع الإنساني، لا يتجاوز متوسط عدد التلاميذ في الصفوف الابتدائية فيها 19 تلميذا، حيث تركّز السياسات التعليمية هناك على التفاعل بين المعلّم والتلميذ، وإتاحة التعليم الفردي العميق.

وأضافت أن كوريا الجنوبية، التي يقوم نظامها التعليمي على المنافسة والاجتهاد، تسجّل في صفوف المرحلة المتوسطة نحو 27 تلميذا ورغم أنّ الكثافة هناك أعلى نسبيا مقارنة بفنلندا، فإن اعتماد البرامج المكمّلة، وساعات التعلّم الطويلة، ودعم الأُسر، أسهم في التخفيف من آثار هذه المشكلة.

وتابعت أن سنغافورة، التي تتصدّر باستمرارٍ المراتب الأولى في الاختبارات الدولية، تسجّل كثافة صفية تتجاوز في بعض الصفوف المتوسطة 37 تلميذا، غير أنّ ما يميزها هو وجود معلمين ذوي كفاءة عالية، ونظام تقييم صارم، وتركيز على تنمية مهارات حلّ المشكلات.

Image

ونوّهت الصحيفة إلى أنّ دولا أوروبية مثل فرنسا وهولندا والدنمارك تحافظ على متوسط يتراوح بين 21 و26 تلميذا في الصف، بفضل توفير البنى التحتية الملائمة والالتزام بمعايير محددة تحول دون الازدحام الزائد. أما اليابان، ذات الثقافة الدقيقة و المنضبطة، فيبلغ متوسط التلاميذ في صفوفها الابتدائية نحو 27 تلميذا، في حين تصل الأعداد في بعض مدارس الصين، ولاسيما في المدن الكبرى، إلى 38 تلميذا أو أكثر.

وبيّنت كذلك أنّ الدول الناطقة بالإنجليزية مثل الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، يتراوح متوسط التلاميذ في صفوفها الابتدائية بين 19 و24 تلميذا ففي الولايات المتحدة مثلا، يبلغ عدد التلاميذ في الصفوف الابتدائية نحو 19 تلميذا مع زيادة طفيفة في المرحلة المتوسطة. أما الإمارات العربية المتحدة، التي استثمرت كثيرا في قطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة، فقد سعت إلى ضبط الكثافة الصفية عند حدود 25 تلميذا.

ونوّهت الصحيفة أيضا إلى أنّ الهند، رغم اتساعها الجغرافي وكثافتها السكانية، نجحت في بعض المدن في خفض الكثافة إلى نحو 30 تلميذا، غير أنّ مناطق أخرى ما تزال تسجّل معدلات أعلى. 

أما في إيران، فرغم المعايير الواردة في «وثيقة التحول البنيوي للتعليم»، فإن مدارس كثيرة في المدن والقرى، ولاسيما في المناطق الطرفية والفقيرة، تشهد كثافة صفية مرتفعة تصل في بعض الصفوف إلى 45 تلميذا، مما يضعف جودة التعليم ويزيد الضغوط النفسية على المعلّم والتلميذ على حد سواء وفي المقابل، تسجَّل في بعض القرى الجبلية والنائية صفوف لا تضم سوى تلميذ أو اثنين أو بضعة تلاميذ، وهو ما يطرح تحديات مغايرة تتعلق بندرة المعلّمين وضعف المرافق وصعوبة الوصول إلى الخدمات التعليمية.

واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أنّ التجارب العالمية تثبت أنّ خفض الكثافة الصفية ينعكس مباشرة على مستوى التعلّم، النمو الفردي، وتحقيق العدالة التعليمية. وقد برهنت فنلندا بصفوفها قليلة العدد، وكوريا الجنوبية وانضباطها التعليمي، وسنغافورة بتخطيطها الدقيق، أنّ إدارة الكثافة الصفية شرط أساس لضمان تعليم عالي الجودة.