- زاد إيران - المحرر
- 669 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة عصر إيرانيان الأصولية، الخميس 18 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناولت فيه واقع سوق العمل في إيران، مبرزة أزماته البنيوية مثل بطالة الشباب وتراجع المشاركة الاقتصادية وهيمنة الدخول غير المنتجة، كما أكدت أن تجاوز هذه التحديات مرهون بالإصلاح المؤسسي وإعادة بناء ثقافة العمل، إلى جانب دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة.
ذكرت الصحيفة أن سوق العمل الإيراني، شأنه شأن العديد من اقتصادات الدول النامية، يتشكل في إطار شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضحت أن الخبراء الاقتصاديين عادة ما يستخدمون إطارا تحليليا يعرف بـ «مايلز» (MILES)، وهو يتألف من خمسة متغيرات أساسية: استقرار الاقتصاد الكلي، ومناخ الاستثمار، مؤسسات سوق العمل، ومستوى التعليم ومهارات القوى العاملة، وأخيرا نظام الضمان الاجتماعي.
وبينت أن الفئتين الأوليين تؤثران أساسا على جانب الطلب على العمل، فيما تحدد الفئات الثلاث الأخرى جانب العرض، كما أشارت إلى أن التحولات الديموغرافية والبنية العمرية للسكان تضيف طبقة حاسمة على هذه المتغيرات.
وتابعت الصحيفة أن المشكلة الجوهرية في إيران تكمن في أنه على الرغم من تكرار الإشارة في برامج التنمية إلى ضرورة إصلاح هذه المتغيرات، إلا أن تغييرات بنيوية ملموسة لم تتحقق بعد، والنتيجة سوق عمل يعاني من ارتفاع معدل بطالة الشباب، وتراجع معدل المشاركة الاقتصادية، وتزايد حجم السكان غير النشطين.
وأضافت أن مؤسسات سوق العمل تمثل القواعد الناظمة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل؛ وتشمل قوانين التوظيف والفصل، والحد الأدنى للأجور، والإجازات، وساعات العمل، والسلامة المهنية، والنقابات العمالية، والدعم الخاص للأمهات.
وأشارت إلى أنه رغم إدراج إصلاح هذه القوانين في وثائق التنمية منذ سنوات، فإن التنفيذ ظل محدودا وأكدت أن القوانين الحالية لا تتناسب مع واقع السوق، إذ إن الشباب الجامعيين يشكلون الكتلة الأكبر من طالبي العمل، غير أن التشريعات لا توفر المرونة اللازمة لاستيعابهم، في حين أن العديد من الدول الأخرى تمنح امتيازات خاصة لتشجيع توظيف الشباب.
وأشارت الصحيفة إلى أن التحولات السكانية تطرح في الوقت نفسه فرصا وتحديات فبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني، يُتوقع أن يرتفع عدد سكان البلاد من نحو 85 مليون نسمة في عام 2021 إلى أكثر من 89 مليونا بحلول عام 2026، فيما ستزداد الفئة العمرية القابلة للعمل من 64 إلى نحو 68 مليون شخص.
ورغم أن هذا النمو يبدو محدودا، فإن خطورته تكمن في انضمام نسبة كبيرة من هذه الشريحة إلى فئة السكان غير النشطين.

ولفتت الصحيفة إلى أن 61% من السكان في سن العمل ظلوا غير نشطين في المتوسط خلال السنوات الماضية، بينما اقتصر النشاط الاقتصادي على 39% فقط، بينهم نسبة ملحوظة من الشباب وخريجي الجامعات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد على استيعاب الطاقات البشرية المتزايدة.
أشارت الصحيفة إلى أن تراجع معدل المشاركة الاقتصادية يُعد من أبرز التحديات الراهنة، موضحة أن المعدل انخفض في عام 2020 بمقدار 2.8% مقارنة بالعام السابق.
وأكدت أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في دلالاتها، إذ تعني خروج شريحة واسعة من القوى العاملة المحتملة، ولا سيما الشباب المتعلم، بصمت من سوق العمل، الأمر الذي يشكل تهديدا جديا للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
وتابعت أن من أبرز نتائج ضعف المشاركة الاقتصادية تزايد الاعتماد على الدخول غير المرتبطة بالعمل داخل الأسر الإيرانية، فبين عامي 2011 و2020 ارتفعت نسبة الدخل غير الشغلي إلى الدخل الشغلي من 57% إلى 63%، ما يعني أن نحو ثلثي دخل الأسر بات يستند إلى المضاربات في العقارات والذهب والعملات أو إلى الفوائد البنكية، بدلا من الاعتماد على العمل والإنتاج.
وحذرت في هذا السياق من أن هذا التحول أضعف تدريجيا ثقافة العمل، ورسخ بدلا منها ثقافة السمسرة والربح السريع.

وتابعت الصحيفة أن المرشد الإيراني كان قد حذر من هذا المسار، مؤكدا في خطاباته أن العمل ينبغي أن يتحول إلى قيمة اجتماعية عليا، فيما يجب أن يُنظر إلى البطالة والتكاسل نظرة ازدراء.
ونقلت عنه قوله إن النبي الأكرم (ص) اعتبر الشاب العاطل عن العمل ساقطا من عينه، ما يعكس مكانة العمل في الفكر الإسلامي، وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الكلمات تمثل جرس إنذار لصانعي السياسات ووسائل الإعلام بضرورة إعادة الاعتبار لمكانة العمل في المجتمع.
ولفتت الصحيفة إلى أن دور الإعلام بات محوريا في هذا السياق، حيث ساهمت بعض البرامج التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ صورة الثراء السريع كرمز للنجاح، عبر مسابقات تلفزيونية أو إعلانات براقة عن أرباح عاجلة. واعتبرت أن الحل يكمن في بناء سرديات جديدة تبرز قيمة ريادة الأعمال والنجاح القائم على العمل والإنتاج.
وضربت مثالا ببرنامج «میدون» الذي ركز على قصص رواد الأعمال ولاقى قبولا جماهيريا، مؤكدة ضرورة تعميم هذه التجارب وإنتاج محتوى يظهر أيضا إخفاقات من انجروا وراء الثروات الوهمية.
كما تابعت الصحيفة أن التناقض الأبرز في سوق العمل الإيراني يكمن في وجود ملايين الشباب الباحثين عن عمل في مقابل شكاوى أرباب العمل من نقص العمالة الماهرة، وهو ما يكشف عن ضعف الصلة بين النظام التعليمي واحتياجات السوق.
وأشارت إلى أن إحدى الركائز الأساسية لسياسات العمل اللائق تتمثل في تعزيز المهارات العملية لدى الشباب، وهو ما شدد عليه المرشد الإيراني أيضا بدعوته إلى «إحياء روح اكتساب المهارات» بدءا من المدارس.
وأوضحت أن إنشاء حدائق مهنية للتعريف بالحرف، وتقديم محتوى تعليمي محلي عبر الإعلام، خطوات يمكن أن تقلص هذه الفجوة.
وأضافت أن دعم المشروعات الصغيرة والمهن المنزلية يمثل أداة فعالة لرفع معدل المشاركة الاقتصادية، فالكثير من الدول تقدم حوافز ضريبية وقروضا صغيرة مضمونة للعاطلين والخريجين وذوي الاحتياجات الخاصة من أجل بدء مشاريعهم.
وأشارت إلى أن إيران تملك تجارب محدودة في هذا المجال، لكن تبني سياسات منهجية يمكن أن يستوعب جزءا كبيرا من طالبي العمل خلال فترة قصيرة، خصوصا عبر تطوير الصناعات الإبداعية والمهن المنزلية التي تتيح خلق أكثر من 500 ألف وظيفة بكلفة منخفضة.
وأوضحت الصحيفة أن تجارب الدول الأخرى أظهرت نجاح أدوات مثل التمويل الجماعي (Crowdfunding) في تمويل المشروعات الصغيرة، إذ يقلل من المخاطر ويزيد المشاركة الشعبية في العملية الإنتاجية.
ورغم غياب هذا النموذج في إيران لأسباب مؤسسية وقانونية، فإن تفعيل الإعلام الوطني والبنك المركزي في تصميم آليات آمنة قد يفتح الباب أمام توجيه المدخرات الصغيرة نحو الإنتاج.
ذكرت الصحيفة أن سوق العمل الإيراني يقف اليوم عند منعطف حساس فمن جهة، هناك نمو محدود في الفئة العمرية القابلة للعمل، ومن جهة أخرى، تزداد أعداد غير النشطين وتتراجع المشاركة الاقتصادية، بينما يفتقر الإطار المؤسسي إلى المرونة، ويتجه الوعي المجتمعي نحو مداخيل غير منتجة.
وشددت على أن الفرص ما زالت قائمة عبر رأس المال البشري الشاب، وتوسع الشركات المعرفية، والطاقة الكامنة في المهن المنزلية والصناعات الإبداعية، إضافة إلى أدوات التمويل الحديثة. وأكدت أن نجاح هذه الفرص مشروط بإجراء إصلاحات مؤسسية حقيقية، وإعادة تعريف القوانين والسياسات التعليمية ودور الإعلام.
وختمت الصحيفة بتأكيد أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الأطر القانونية أو البرامج الاقتصادية، بل في إعادة بناء ثقافة العمل نفسها، فإذا لم يتحول العمل إلى قيمة اجتماعية عليا، وظلت السمسرة والربح السريع النموذج السائد، فلن تفلح أي سياسة منفردة.
أما إذا توحد الإعلام والمؤسسات التعليمية وصانعو السياسات في ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، فإن سوق العمل الإيراني قادر على أن يتحول في العقد المقبل من تهديد اجتماعي إلى فرصة تاريخية.

