وزير التربية والتعليم الأسبق: التربية والتعليم ليست مؤسسة للتوظيف، والتحول يحتاج إلى إرادة وطنية واستقرار إداري

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة آكاه الإيرانية الأصولية، الخميس 18سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع علی رضا علي أحمدي، وزير التربية والتعليم الإيراني الأسبق، حول مسار وثيقة التحول البنيوي في التعليم، وتحدياتها، ودور التكنولوجيا والمجتمع في إصلاح النظام التعليمي.

وفي مايلي نص الحوار: 

ما مصير خطة التحول في التربية والتعليم حتى اليوم؟ وما المسار الذي سلكته حتى الآن؟ وأين موقعها الحالي في نظامنا التعليمي؟

لو وُجه هذا السؤال إلى القائمين على التربية والتعليم، لكان لديهم شرح مفصل، لكن إن أردتُ أن أوجز، فإن تنفيذ وثيقة التحول البنيوي في التربية والتعليم كان يتطلب مجموعة من الوثائق الموازية والمندرجة تحتها ولذلك، قامت وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للتربية بإعداد البرامج التنفيذية والوثائق التحولية المتعلقة بالأنظمة التعليمية، والمناهج الدراسية، وتدريب وتأمين الكوادر البشرية، وتقييم الجودة التعليمية، وسائر الأنظمة الفرعية، ثم تابعت تنفيذها.

وقد وُضعت البرامج التنفيذية لتحقيق هذه الوثيقة، ومضى أكثر من عشر سنوات على إعدادها والوثيقة الآن قيد المراجعة، وقد أُرسلت إلى هيئة التعليم والتربية التابعة للمجلس الأعلى للثورة الثقافية للتدقيق، كي تُدرج على جدول أعماله وتُصبح قرارا ثقافيا ملزما.

ورغم تنفيذ خطة تصنيف المعلمين بهدف استرضائهم، فإن التضخم المرتفع في اقتصاد البلاد يطغى على أي أثر إيجابي لتحسين أوضاعهم المعيشية (وكذلك باقي موظفي الدولة). 

وفي ما يخص تدريب وتأمين الكوادر البشرية، فقد توسعت جامعة “فرهنكیان”، كما أُعدت برامج تدريبية خاصة للراغبين في التعليم ممن جرى توظيفهم عبر الامتحانات خارج إطار النظام الأساسي للجامعة.

أما على مستوى المدارس، فقد أُعدت مجموعة من التعليمات وأُرسلت إلى إدارات التربية في المحافظات، صحيح أن هناك جهودا تُبذل، لكنها ما تزال تصطدم بقيود وتحديات تحول دون بلوغ التحول البنيوي المنشود من قِبل القيادة والحاجة الوطنية للتربية والتعليم.

ومن أبرز الإشكالات غياب الاستقرار الإداري؛ إذ إن تغير الوزراء والحكومات يحول دون ثبات القرارات واستمرارية البرامج. ولذا، يجب تخصيص منصب نائب وزير بصلاحيات مستقرة ومسؤولية متابعة وثيقة التحول، بحيث لا تؤثر تغييرات الوزراء أو الحكومات أو قرارات البرلمان في تنفيذها.

كما أن تعاون سائر الأجهزة مع التربية، وهو أمر منصوص عليه في الوثيقة، يتطلب إصدار لوائح تنفيذية من الحكومة كي تُلزم هذه الأجهزة بالتعاون، أما حاليا، فالتعاون محدود وموضعي للغاية.

ماذا عن الاستفادة من التقنيات الحديثة في عملية التحول التربوي؟

الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة ضرورة لا غنى عنها، ويجب أن تكون أحد ميادين التحول الأساسية، فالذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في كل المجالات، ومنها التعليم، غير أن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية، وتأمين إنترنت واسع النطاق في جميع أنحاء البلاد، وإنتاج برامج محلية للذكاء الاصطناعي (وهو ما يستلزم استثمارات وبرمجة متقدمة)، فضلا عن إعداد المتخصصين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، وتدريب المعلمين الحاليين من جديد. 

هذه الأمور تحتاج إلى استثمار كبير، وعلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والشبكة الوطنية للمعلومات أن توفر الأرضية اللازمة كي تتمكن التربية من تحقيق “التعليم الذكي”.

كما هناك حاجة إلى قوانين تحد من تدخل النواب في شؤون التربية، خصوصا في موضوع توظيف كوادر غير مؤهلة. فالتربية ليست مؤسسة للتوظيف، ولا ينبغي الإصرار على تعيين أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة.

أيضا، التدخلات الخارجية بشأن شرط العمر للالتحاق بجامعة “فرهنكیان” مثيرة للمشاكل؛ إذ يضغط البعض لرفع السقف من 24 إلى 30 عاما. 

والسؤال المطروح: كيف لشخص لم يحصل على شهادة بكالوريوس رغم وفرة المقاعد الجامعية حتى سن الثلاثين، أن يلتحق الآن بدورة بكالوريوس في جامعة “فرهنكیان”؟ وأي دور يمكن أن يؤديه في التعليم؟ إن كان لم يسعَ للدراسة سابقا، فما الذي يدفعه الآن إليها؟ وإن كان يحمل شهادة أخرى، فلماذا يخفيها؟ هذه المسائل تستدعي مراجعة سياسات القبول وسن المتقدمين من قِبل المجلس الأعلى للثورة الثقافية.

ومن الجدير ذكره أن أكثر من نصف المعلمين الحاليين جرى توظيفهم عبر احتجاجات وضغوط أمام البرلمان، ومنهم مربو “محو الأمية”، وقد انعكس ذلك سلبا على المستوى التعليمي؛ إذ تتراوح معدلات الدرجات القطرية للشهادة الثانوية بين 7 و12 فقط، وهذا لا يليق بالنظام التعليمي لإيران.

إضافة إلى ذلك، غدت الفضاءات الافتراضية منافسا جديا للمدارس، بفضل محتوياتها الرقمية الجذابة، ما يقلل تركيز الطلاب على الدروس والمدرسة، في المقابل، لا تزال أدوات التعليم المدرسي  من الصفوف والمناهج والتقنيات غير جذابة بما يكفي.

ولزيادة جاذبية التعليم، لا بد من توظيف الفن والرسوم المتحركة والأفلام وأدوات الذكاء الاصطناعي، كما يجب أن تكون البيئة المدرسية أكثر حيوية وألواناً، وتحتوي على مساحات خضراء كافية ومرافق جاذبة، وإلا، فإن الطلاب سيغادرون فور انتهاء الحصة نحو المنزل أو اللعب مع الأصدقاء، تحقيق ذلك يحتاج إلى إرادة وطنية ومشاركة جميع المؤسسات.

Image

إلى أي مدى تتوافق المناهج الحالية مع احتياجات المجتمع والتحولات المعاصرة؟ وهل تطرقت وثيقة التحول لهذا الموضوع؟

نُفذت بعض التغييرات في الكتب الدراسية، لكنها غير كافية. فمع جاذبية الفضاء الافتراضي، يجب أن تركز الكتب، إلى جانب الحفظ، على تعليم المهارات والبحث والتفكير النقدي. كما ينبغي ترسيخ أسلوب الحياة الإسلامي – الإيراني بشكل عملي في المدارس، لكن حتى الآن، لم تُلبِ هذه التغييرات حاجات المجتمع المتسارعة.

التحول في التعليم يتطلب خبراء يفوقون بمستوياتهم الكوادر الحالية في منظمة البحث والتخطيط التربوي، ولأجل ذلك، يجب الاستفادة من جميع الطاقات الوطنية لإحداث تحول شامل لا يقتصر على الكتب بل يشمل جميع المحتويات التعليمية، لأن التعليم لا ينبغي أن يُختزل في الكتاب وحده.

لفهم مكانة التربية والتعليم، يجب أولا إدراك أهميتهما ودورهما المحوري في بناء “إيران قوية”. فما دور الشعب في هذا المجال؟

كلنا ندرك أن مستقبل البلاد – إن أردناه متوافقا مع تطلعاتنا الإسلامية والوطنية وحجم حضارتنا يحتاج إلى تحديث وتنفيذ سريع ودقيق للبرامج، ومن الواضح أن التربية وحدها لا تستطيع، فهي مؤسسة حكومية بالكامل بحسب الدستور، وميزانية الدولة لا تكفي لمواجهة الاحتياجات المتزايدة، لذا فالمشاركة المجتمعية الشاملة أمر حتمي.

وهذه المشاركة لا تقتصر على مجالس أولياء الأمور أو مساعدات مالية محدودة، بل يجب أن تكون مشاركة نشطة ودائمة من جانب كل المؤسسات والأفراد، كي يتوافق مستقبل البلاد مع حضارتها وأهدافها التربوية.

في الواقع، ينبغي أن يكون الجميع في خدمة التربية والتعليم، لكن ما يحدث عكس ذلك؛ إذ يُسحب المعلمون الأكفاء أحيانا من مدارسهم ليعملوا في إدارات أو مراكز أخرى، بينما الأصل أن يُدعم أي كوادر قادرة على خدمة التربية وتبقى ضمنها.

كذلك، يجب توظيف طاقات النخب والمتميزين والموهوبين، وإدماج الإبداع والابتكار والتكنولوجيا الحديثة في التربية القائمة على الثقافة الإسلامية، إن التعاون بين الأسر والمدارس والدولة لتحقيق تعليم كفؤ وشامل ضرورة وليس خيارا.

لقد عملت سنوات في الحكومة والمجلس الأعلى للثورة الثقافية، وتحملت مسؤوليات في منظمة التخطيط والميزانية، ورأيت أن العزم المطلوب في هذا المجال لم يتشكل بعد بما يكفي، فوزير التربية دائما مثقل بالديون والقيود، وكثيرون يرون الوزارة مجرد مستهلكة، في حين أنها في الحقيقة استثمار لمستقبل البلاد، تماما كما هو الحال مع التعليم العالي.

وبالنظر إلى محدودية الموارد الاقتصادية، تصبح مشاركة الشعب في تطوير المدارس ذات الإدارة المشتركة وسائر البرامج التعليمية ضرورة ملحة، حين كنت في الوزارة، منحنا هذه المدارس صفة قانونية، واليوم يمكن أن يكون هذا النموذج وسيلة لتوسيع المشاركة الشعبية في إدارة التربية.

كما أن معاهدنا الفنية لا تواكب سريعا حاجات سوق العمل المستقبلي القائم على التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي، طلابنا غير مؤهلين بما يكفي للمهن المستقبلية، والحل يتطلب ورش عمل ومعدات متطورة، وتعاون الوزارات الصناعية والأسر، حتى نتمكن من إعداد جيل المستقبل بشكل أفضل وربط التعليم بالاحتياجات الراهنة.