سبتمبر/أيلول 1978.. يوم رسَّخ مسار الثورة الإسلامية 

كتب: سيد نيما موسوي

يُعَدّ أحد أبرز أحداث التاريخ المعاصر في إيران، والذي عجَّل بانتصار الثورة عام 1979، ما جرى في الثامن من سبتمبر/أيلول 1978، المعروف بيوم “١٧ شهريور“،  فقد شهد ميدان ژاله في طهران مجزرة دامية راح ضحيتها عدد كبير من معارضي الشاه. وفي هذه المقالة نسلّط الضوء على وقائع ذلك اليوم الدامي، ونستعرض ما خلّفه من تداعيات كان لها أثر بالغ في مسار الثورة الإيرانية

في الأسابيع الأولى من صيف عام 1978، بدا وكأن الأوضاع تسير في اتجاه آمن وسهل بالنسبة للشاه، ففي الولايات المتحدة كانت إدارة الرئيس جيمي كارتر قد تسلّمت الحكم، ورغم بعض الخلافات في الرؤى، وصف كارتر خلال زيارته لطهران في ليلة يناير/كانون الثاني 1978 إيران بأنها “جزيرة استقرار”. 

لكن مباشرة بعد هذا الخطاب، بدأت سلسلة احتجاجات متكررة كل أربعين يوما في أنحاء البلاد: مظاهرات مدينة قم في يناير/كانون الثاني 1978، احتجاجات تبريز في فبراير/شباط،  ثم تحرّكات أصفهان ويزد في مارس/آذار ، وأخيرا بعض المظاهرات الطلابية المتفرقة في مايو/أيار. ورغم ذلك، بدت الأوضاع كأنها تسير نحو استقرار أمني لصالح نظام الشاه.

Image

في خضم هذا الاستقرار الظاهري، كان الرأي العام الإيراني منشغلا بالمشاركة الأولى لمنتخب إيران لكرة القدم في كأس العالم 1978. لكن ابتداء من منتصف أغسطس/آب من العام نفسه، اندلعت شرارة جديدة من الاحتجاجات. فقد وقعت كارثة سينما “ركس في مدينة عبادان النفطية، وكانت من أبشع الحوادث التي هزّت وجدان الإيرانيين. 

في أثناء عرض فيلم الغزلان، وهو أحد الأفلام ذات الطابع المعارض في عهد الشاه، اندلعت النيران نتيجة تسرب غاز، مما أدى إلى مصرع عشرات المتفرجين، لقد أثار هذا الحادث الفاجع صدمة واسعة في الرأي العام، ودفع رئيس الوزراء آنذاك، جمشيد آموزكار، إلى تقديم استقالته بعد أيام قليلة فقط من وقوع الكارثة.

في مواجهة الشاه، جرى اختيار جعفر شريف إمامي رئيسا للوزراء في محاولة لإعادة تحسين العلاقة مع المؤسسة الدينية في مدينة قم. فقد سعى إلى تشكيل ما سماه حكومة المصالحة الوطنية، وأقدم على خطوات رمزية مثل إعادة التقويم إلى بدايته من هجرة النبي محمد ﷺ، وإغلاق بعض مراكز الفساد، بهدف كسب ودّ رجال الدين. إلا أن هذه الإجراءات لم تؤت ثمارها.

ففي الرابع من سبتمبر/أيلول 1978، الموافق ليوم عيد الفطر، اندلعت تظاهرة حاشدة ضد الشاه، جاءت بمبادرة من الشيخ محمد مفتح، أحد أبرز المنظّرين الدينيين للثورة وتلميذ الإمام الخميني. وتشير التقديرات إلى أن ثلاثة ملايين شخص شاركوا في هذه التظاهرة. وقد شكّلت هذه الاحتجاجات نقطة تمهيدية للأحداث الدامية التي وقعت في الثامن من أيلول/سبتمبر، حيث كانت الحكومة قد أعلنت فرض الأحكام العرفية في ذلك اليوم.

Image

ورغم حالة الطوارئ، أصرّ المتظاهرون في طهران على البقاء في الشوارع. ومع إطلاق الرصاص الكثيف على الحشود، وقعت واحدة من أعنف المآسي في الأشهر الأخيرة من حكم الشاه. وتباينت الأرقام بشأن عدد القتلى:

  • الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي كان آنذاك في طهران مراسلا لصحيفة كوريره ديلا سيرا الإيطالية، قدّر العدد بنحو أربعة آلاف قتيل.
  • السفير البريطاني في طهران، أنتوني بارسونز، تحدث عن بضع مئات.
  • أما آخر سفير أميركي في إيران، ويليام سوليڤان، فقد ذكر أن العدد لم يتجاوز مئتي شخص.
  • المحامي الإيراني عماد الدين باقي أشار إلى نحو سبعين قتيلا.

وعلى اختلاف هذه التقديرات، يبقى المؤكد أن عدد القتلى كان مرتفعا للغاية قياسا بتظاهرة شعبية واحدة، وهو ما لم يشهده حكم محمد رضا شاه منذ انتفاضة عام 1963 في ورامين.

Image

العدد الكبير من الضحايا خلّف نتائج خطيرة على مستقبل إيران السياسي. فقد أنهى مجزرة 8 سبتمبر/أيلول أي إمكانية للحوار بين المعارضة والشاه، وأغلق الباب أمام أي انتقال ديمقراطي لإصلاح الأوضاع. حتى رجال الدين المعتدلين نسبيا مثل آية الله شريعتمداري انسحبوا من مشروع “المصالحة الوطنية” الذي أطلقه شريف إمامي. وفي تلك الأجواء، استخدم الإمام الخميني لأول مرة عبارته الشهيرة موجّها إياها إلى محمد رضا شاه : “يجب أن يرحل الشاه”.

عند هذه المرحلة، توحدت القوى الدينية والأحزاب اليسارية بشكل كامل حول هدف إسقاط النظام الملكي. وكان أول انعكاس لهذه التطورات انطلاق إضرابات شاملة في المنشآت النفطية الإيرانية، وهو الحدث الذي يُشار إليه في تاريخ صناعة النفط العالمية باسم “الصدمة النفطية الثانية”، إذ أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط بالأسواق الدولية. 

في الوقت نفسه، ابتعدت القوى الإسلامية عن تحالفاتها السابقة في ستينيات القرن العشرين مع التيارات الليبرالية، واتجهت نحو خطاب أكثر راديكالية، وكان إضراب شركة النفط أول مؤشر واضح على هذا التحول.

أدخلت مجزرة 8 سبتمبر/ أيلول 1978 حكم محمد رضا شاه بهلوي في منحنى الانحدار نحو السقوط، فحكومة شريف إمامي، التي كان يُظن أنها تمثل أعلى مستوى من التماسك السياسي، لم تصمد سوى نحو شهرين بعد تلك الأحداث، لتتنحى عن السلطة، فقد تسببت الصدمة العاطفية التي خلفتها المجزرة، إلى جانب إضراب شركة النفط، في إضعاف موقع شريف إمامي، رغم مكانته كسياسي مخضرم ورئيس سابق لمجلس الشيوخ.

Image

كما أُزيح غلام علي أويَسي، الحاكم العسكري لطهران المعروف بصرامته في مواجهة المعارضين، من منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني 1978، ليحل محله مهدي رحيمي، الذي، على الرغم من ولائه المطلق للشاه، اتسم بمزيد من الليونة في التعامل مع الخصوم.

وبحلول خريف 1978، بلغ الأمر حدا أن بعض مساعدي وزارة الخارجية الأميركية بدأوا مفاوضات غير رسمية مع قوى الثورة، في حين حاول الشاه بدوره فتح قنوات حوار مع معارضين مثل الجبهة الوطنية. غير أن هذه المحاولات لم تؤتِ ثمارها، لتنتهي المسيرة السياسية لنظام بهلوي بسقوطه في فبراير/شباط 1979.

على الرغم من كل ما سبق، فإن حادثة 8 سبتمبر/أيلول  1978 لم تنل حيزا واسعا من الحضور في الأدب الإيراني. ويُعدّ من بين القلائل الذين تناولوا هذه المأساة بعمق الشاعر الإيراني اليساري عِمران صلاحي، الذي ألّف ديوانا بعنوان “هفدهم” أي “السابع عشر”، ويُعتبر من أهم الأعمال الأدبية التي خُصصت لتوثيق تلك الحادثة. في هذا الكتاب سجّل صلاحي أشعاره الثورية التي تناولت مجزرة 8 سبتمبر/أيلول باعتبارها أشد عمليات القمع الدموي للمتظاهرين في شوارع إيران.

ويختتم هذا المقال بذكر أبيات مشهورة لعمران صلاحي عن تلك المجزرة، يقول فيها:

البركان الصامت، بانفجار غصّته تدفّق من الأعالي

 فغضب الشعب هدر كالطوفان 

التهديدات، تلك الثمار العفنة، ما لبثت أن انتفخت وتهرأت 

كفّ الجماهير الكبرى اشتدّت  

ومئات الأثواب الملطخة بالدماء غدت رايات مرفوعة.