العقلانية الثورية وتحديد معايير التفاوض في السياسة الإيرانية

نشرت صحيفة همشهري الأصولية، الخميس 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريراً ذكرت فيه أن مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة أصبحت موضع نقاش واسع بين المفكرين والكتّاب خلال العقود الأخيرة، إذ تباينت الآراء بين مؤيد يرى فيها فرصة دبلوماسية، ومعارض يعتبرها تهديداً للمصالح الوطنية. 

وأضافت أن المرشد الأعلى قد شدّد في خطابه بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول 2025 على أن التفاوض مع واشنطن في الظروف الراهنة لا يعود بأي فائدة على إيران، ولا يحقق مكسباً أو يدفع ضرراً، بل هو عمل بلا جدوى. 

وتابعت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أظهر في تصريحاته عن الصفقة مع إيران الوجه الحقيقي لسياسة بلاده القائمة على الإملاء والابتزاز، وهو ما رفضه المرشد الأعلى مجدداً في لقائه بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مؤكداً أن ما تسميه واشنطن صفقة ليس سوى فرضاً واستغلالاً مرفوضاً، وأن الشعب الإيراني لن يخضع لمثل هذه الضغوط. 

وأردفت أن المقالة التالية، انطلاقاً من هذه المواقف، تتناول مفهوم التفاوض من منظور العقلانية الثورية، وتستعرض التجارب التاريخية لإيران في الحوار مع الولايات المتحدة.

المقدمة
أوضحت الصحيفة أن التفاوض، ولا سيّما التفاوض مع الحكومة الأمريكية، يُعدّ من أكثر الموضوعات السياسية إثارة للجدل خلال العقود الماضية، وقد طُرح مراراً للنقاش وتبادل الآراء في مناسبات مختلفة.

وأكَّدت أن بعض التيارات يرون أن التفاوض مع الولايات المتحدة هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمات، ويصورونه كأنه جنة السياسة، ويعيشون في وهم رومانسي يحلم بمفاوضات مثالية مع الجانب الأمريكي، وهذا التيار الفكري، من منطلق منغلق سياسياً، يربط حلّ مشكلات إيران أو على الأقل الحلّ الأساسي لها، بشكل حصري، بالمفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأبرزت أن هناك تياراً آخر ذا نزعة شبه ثورية يرى، من منظور شعاري وصدامي، أن أي نوع من التفاوض ما هو إلا فتح لباب جهنّم على جسد النظام السياسي في إيران، وينسب هذا الموقف الانفعالي إلى المرشد الأعلى.

وبيَّنت أن النصّ الحالي يسعى إلى تقديم فهم متوازن للتفاوض في إطار العقلانية الثورية، ويؤكد أن القيادة لا تميل إلى تأليه التفاوض ولا إلى معاداته، بل تعتبره أداة ظرفية تُستخدم عندما تخدم المصالح الوطنية، ويُعدّ الإصرار عليها في حال عدم جدواها خطأ كبيرا وغير مبرر.

مصادرة المفاهيم
أظهرت الصحيفة أن أحد أبرز الأخطاء في الفهم السياسي هو تحريف المفاهيم الأساسية وإعادة تعريفها بشكل يخدم تياراً معيناً، كما حدث مع مفهوم التفاوض في إيران، فمنذ العقد الثاني من القرن الحالي، ومع صعود تيار سياسي محدد إلى السلطة، جرى احتكار هذا المفهوم وتقديمه بصورة أحادية، حتى أصبح مرتبطاً في أذهان الناس بأشخاص وملفات محددة، وفُصل عن جذوره الثورية.

وأبلغت أن هذا أدى إلى نشوء ثنائية زائفة بين الثورية والتفاوض، وكأنهما نقيضان، بينما في الحقيقة التفاوض ليس ضدّ الثورة أو المقاومة، بل هو أداة يمكن أن تُستخدم لخدمة أهدافهما عند الحاجة، كما أن إهمال التيار الثوري للساحة الفكرية سمح للتيار الميال إلى الغرب بأن يستولي على مفاهيم مثل التفاوض، والعقلانية، والاعتدال، والمصلحة الوطنية، ويعيد تعريفها بما يتماشى مع رؤيته الخاصة.

 التفاوض: مفهوم أداتي لا أصيل
أوردت الصحيفة أنه يمكن القول إن التفاوض في الفكر الديني والثوري ليس قيمة بحد ذاته، بل هو وسيلة تُستخدم وفق المصلحة، فإن حقق منفعة للأمة كان مقبولاً، وإن لم يحققها فقد فقد مبرره، وتُظهر سيرة النبي ﷺ أن التفاوض لم يكن مبدأ ثابتاً، بل خياراً ظرفياً، ففي صلح الحديبية مثلاً، قَبِل الرسول بالتفاوض لما فيه من مصلحة استراتيجية للمسلمين، وكذلك بعد معركة الطائف حين آثر التهدئة التي أدت لاحقاً إلى نصر كبير.

وأشارت في المقابل، إلى رفض النبي التفاوض عندما تعارض مع ثوابت الإسلام، كما في خيبر حين رفض إبقاء اليهود في حصونهم، أو في الطائف عندما طالب بعض الكفار بإعفائهم من الزكاة والصلاة، ومن هذه الأمثلة يتضح أن التفاوض ليس قيمة إيجابية أو سلبية في ذاته، بل يتحدد موقف الإسلام منه بقدر ما يحقق مصلحة الأمة. 

ونوَّهت بأن محاولات بعض المفكرين المعاصرين لإضفاء أصالة على مبدأ التفاوض لمجرد كونه حواراً، فهي رؤية خاطئة تتجاهل جوهر المسألة؛ فالتفاوض لمجرد التفاوض لا معنى له، ولا يُقبل إلا إذا خدم المصلحة ودفع الضرر.


التفاوض مع الولايات المتحدة: تجربةٌ مريرة
لفتت الصحيفة إلى أن التجربة التاريخية أثبتت أن التفاوض مع الولايات المتحدة لم يجلب لإيران أي فائدة، بل زاد من عمق الشكوك وانعدام الثقة بها، فمن اتفاق الجزائر إلى مفاوضات الرهائن والمحادثات النووية وصولاً إلى مفاوضات عُمان الأخيرة، كانت النتيجة واحدة، وهي لا مكسب يُحقَّق ولا ضرر يُدفَع.

وأضافت أن هذه التجارب الممتدة لأكثر من أربعة عقود أكدت أن التفاوض مع واشنطن ليس مبدأ ثابتاً بل خياراً يرتبط بالظروف والمصلحة الوطنية، وأن التفاؤل بإمكان نجاحه في الوضع الدولي الراهن بعيد عن الواقعية، ومن خلال الخبرة العملية، ترسّخت القناعة بأن التفاوض مع الولايات المتحدة ليس تصرفاً عقلانياً أو حكيماً، بل تجربة منحرفة عن مسارها الصحيح تستدعي تذكّر دروس السنوات الماضية وعدم تكرارها.

 التفاوض الأمريكي
رأت الصحيفة أنه عندما يُطرح في الساحة السياسية الإيرانية موضوع التفاوض، فإن المقصود منه في الغالب هو التفاوض مع الطرف الأمريكي، إذ إن التفاوض مع بقية الفاعلين الدوليين أمر معتاد وذو سوابق طويلة في المؤسسات الدبلوماسية لإيران، ولا يثير عادة كثيراً من الحساسية أو الخلافات في الآراء، أما التفاوض مع الولايات المتحدة، فهو الذي أثار وما يزال يثير الكثير من الجدل والنقاش.

ودعت إلى ضرورة الانتباه إلى أن التفاوض مع الولايات المتحدة، في ضوء التجربة العملية لإيران خلال العقود الخمسة الماضية، يتّسم بسمات خاصة جعلته في الواقع يفقد طابعه العقلاني ويكتسب طابعاً مغايراً.

وأوضحت أن سمات التفاوض الأمريكي تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية: التهديد، حيث يُستخدم الضغط والعقوبات والإكراه لفرض الجلوس إلى الطاولة بما يعني الخضوع والتنازل؛ والإهانة، من خلال أسلوب متعجرف يسعى لإذلال الطرف المقابل وفرض الاستسلام عليه؛ وأخيراً الإملاء، إذ تحدد واشنطن مسبقاً نتائج التفاوض، مما يحوله إلى عملية أحادية الجانب تُفرض فيها إرادتها ولا تُراعى فيها مبادئ الحوار الحقيقي.

التفاوض لم يكن سيئاً دائماً!
جزمت الصحيفة بأن بعض التجارب المحدودة في التفاوض مع الأمريكيين قد أفضت إلى نتائج نسبية، مثل مفاوضات أفغانستان والعراق، اللتين تُعدان مثالين على نجاح نسبي في هذا المسار، غير أن هذه التجارب كانت تدور حول أطراف ثالثة وقضايا مشتركة، ولم تكن تتعلق مباشرة بالعلاقة الثنائية بين إيران والولايات المتحدة، كما حدث في مفاوضات أفغانستان في تسعينيات القرن العشرين التي تناولت التهديد المشترك المتمثل في حركة طالبان. 

وأكَّدت أن تلك المفاوضات قد أُديرت بإشراف القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ضمن إطار المصلحة الوطنية ونهج محور المقاومة، ولم تكن المفاوضات شاملة أو مبدئية، بل محدودة وموضوعية، وكذلك لم تُجرَ بناء على طلب أو ضغط من طرف واحد، بل برغبة متبادلة لتحقيق مصالح مشتركة، وتمّت من موقع قوة وتوازن في المواقف. 

وأقرَّت بأن هذه التجارب تُظهر أن التفاوض مع الأمريكيين ليس محكوماً حتماً بالفشل، وإنما يتوقف نجاحه أو فشله على الظروف المحيطة به، وشخصية المفاوض، وطبيعة الموضوع، والدوافع التي تحكمه.

التفاوض الجزئي والظرفي، لا التفاوض المبدئي

ذكرت الصحيفة أنه استناداً إلى الأسس القرآنية والنصوص وسيرة المعصومين عليهم السلام، لا يجوز إجراء مفاوضات مبدئية مع العدو أو مع الكافر المحارب، فبحسب سورة الممتحنة، لا يُسمح للمؤمنين بإقامة علاقة ولاية أو تبعية مع الكفار المحاربين، بل يُسمح فقط في حالات محدودة جداً، ضمن إطار منافع مشتركة ومؤقتة، وفي قضايا ظرفية ومحددة.

وضربت مثالاً بصلح الحديبية، الذي يُعدّ من أبرز النماذج لمفاوضات النبي الأكرم ﷺ مع الكفار المحاربين، حيث لم يكن التفاوض مبدئياً، بل جاء في إطار بنود ظرفية ومحدودة، فلم يتنازل النبي عن مبادئه الإيمانية، ولم يعترف بقيم الجاهلية أو عبادة الأصنام، بل تعامل مع قريش من زاوية تكتيكية لتنظيم الصراع وإدارته ضمن اتفاق مؤقت يحدّ من العداء المباشر.

وأفادت بأنه لا يمكن في المفاوضات مع الطرف الأمريكي التحدث عن المبادئ الأساسية أو القيم الجوهرية أو المسار الرئيسي للثورة، كما لا يمكن طرح تغيير مبادئ السياسة الخارجية أو السلوك الإقليمي القائم على الأسس الإسلامية للنقاش، إنما يمكن التفاوض فقط حول قضايا محدودة ومشروطة.

وأكَّدت أنه في مفاوضات عام 2010، حاولت بعض التيارات الفكرية والسياسية الترويج لفكرة الاتفاق النووي الثاني والثالث، وسعت من خلال شعار التفاوض إلى تغيير مسار النظام والوصول إلى اتفاق شامل، وهو ما رُفض تماماً.

 من؟ حول أي موضوع؟ وفي أي ظرف؟

أبرزت الصحيفة أنه من الجوانب المهمة في موضوع التفاوض ضرورة الانتباه إلى ظروفه الزمانية والمكانية، فالتفاوض ليس قيمة في ذاته، بل هو فعل مرتبط بالسياق، ويتحدد معناه بحسب الظروف والأشخاص والفاعلين السياسيين، فشخصية المفاوض، ومدى وعيه السياسي والفكري، وموضوع التفاوض وحدوده الدقيقة، وكذلك موازين القوة أو الضعف بين الطرفين، كلها عناصر حاسمة في تقييم جدوى التفاوض.

واستشهدت بـالمفاوضات الأخيرة مع الطرف الأمريكي، حيث أشار المرشد الأعلى بوضوح إلى خصوصية الظرف الراهن، معتبراً أن التفاوض في الوقت الحالي أمر غير مجد، ففي الوضع الراهن، لا يمكن أن يقدم التفاوض مع الحكومة الأمريكية أي فائدة لمصالحنا الوطنية، ولا يعود علينا بأي نفع، كما أنه لا يدفع عنا أي ضرر؛ أي أنه عمل بلا جدوى، لا يحمل فائدة لإيران ولا يدفع عنها ضرراً على الإطلاق.

هل التفاوض مطالبة أم صفقة؟
بيَّنت الصحيفة أن التفاوض ليس فقط لعرض المطالب أو لإثبات الحقّ، بل هو معاملة تُبنى على تحقيق مصلحة أو دفع ضرر، كما فعل النبيّ الأكرم في صلح الحديبية، إذ لم يشكّ في حقّه، لكنه أدار تفاوضا يضمن مصلحة الأمة الإسلامية، لذلك لا يمكن حصر التفاوض في المطالبة وحدها، ولا جعله مجرّد حوار بلا هدف، لأن كِلا الموقفين يعكسان مثالية بعيدة عن الواقع.

التفاوض أداة ضمن أدوات النظام السياسي
أبلغت الصحيفة أن النهج المتوازن يرى التفاوض وسيلة من بين أدوات النظام السياسي، لا غاية بحدّ ذاتها، ولكن الاتجاهات المنفتحة بشكل مفرط تتجاهل القدرات الداخلية وتظن أن الحلول كلها بيد القوى الخارجية، فيتحول التفاوض من مهمة محدودة إلى مشروع ضخم يربط به مصير إيران بأكملها.

وتطرَّقت إلى توجيهات المرشد الأعلى بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2025، حيث قال إن وزارة الخارجية لديها عشرات المهام، منها المحادثات مع عُمان، ولكن يجب ألا تُربط قضايا إيران بهذه المفاوضات، ولا نكرر خطأ الاتفاق النووي حين جعلنا كل شيء مشروطاً بتقدّم التفاوض، وعلى إيران أن تمضي في عملها في مختلف المجالات، كالصناعة، والزراعة، والخدمات، والثقافة، والإعمار.

العقلانية الثورية
في الختام أقرَّت الصحيفة بأنه يمكن فهم كل ما سبق في ضوء مبدأ العقلانية الثورية، فالعقل الثوري الواعي يتعامل مع الأدوات والوسائل بوعي ومنطق، فيقبل التفاوض إذا حقق مصلحة أو دفع ضررا، ويرفضه إذا فُرض بشروط مذلّة أو استسلامية، كما قال المرشد الأعلى في 3 يونيو/حزيران 2025، أن البعض يقول إن العقلانية تعني أن نركع أمام الولايات المتحدة، أو نستسلم لقوة متغطرسة، ويسمون ذلك عقلانية! هذه ليست عقلانية، بل ضعف واستسلام.