العقوبات الدولية تعود.. طهران بين أزمة اقتصادية متصاعدة وصراع التيارات السياسية

تشهد الساحة الإيرانية والدولية منعطفا جديدا مع عودة العقوبات الأممية على طهران، بعد تفعيل آلية سناب باك التي تعيد القرارات السابقة إلى حيز التنفيذ، لتضع إيران مجددا أمام واحدة من أشد مراحل الضغوط السياسية والاقتصادية. هذه العودة لم تستقبل داخليا بموقف واحد، فبينما ينظر إليها كثيرون كخسارة فادحة تزيد من أعباء المواطنين وتعقد المشهد الاقتصادي، اعتبرها التيار الأصولي انتصارا لرؤيته القديمة التي طالما حذرت من الاتفاق النووي، ورأى فيها لحظة إثبات لصواب موقفه ودليلا على فشل الرهانات الإصلاحية على الغرب.

خيانة للدبلوماسية وتبنٍّ للخطاب الإسرائيلي

خلال جلسة مجلس الأمن التي عقدت مساء الجمعة 26 سبتمبر/أيلول لمناقشة المقترح المقترح المقدم من روسيا والصين الذي ينص على تمديد القرار رقم 2231 لوقف العقوبات الأممية ضد إيران لمدة ستة أشهر إضافية، صوت الأعضاء على عدم تمرير القرار بواقع أربعة أصوات مؤيدة، مقابل تسعة أصوات معارضة فيما امتنع عضوان عن التصويت، وبالتالي فستعود العقوبات الأممية الخمس على إيران اعتبارا من 27 سبتمبر/أيلول 2025 في تمام الساعة الثامنة مساء بتوقيت نيويورك.

Image

وفي أثناء الجلسة، أوضح ديميتري بوليانسكي، نائب مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن “الترويكا الأوروبية مارست ضغوطا على إيران استنادا إلى أكاذيب، في حين التزمت إيران بسلوك مسؤول وتوصلت إلى تفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.، وأضاف أن التصويت كان بمثابة “الفرصة الأخيرة للترويكا الأوروبية للتوصل إلى حلول مقبولة للجميع”.

من جانبه، قال غنغ شوانغ، نائب المندوب الصيني، إنه “لقد أبدت إيران إشارات إيجابية ورغبة في التفاوض مع الولايات المتحدة”، أما نيكولا دو ريفيير، مندوب فرنسا، فقال إن بلاده بذلت جهودا دبلوماسية لتجنب عودة العقوبات على إيران، متهما طهران بالامتناع عن اتخاذ خطوات مطلوبة، وبعد حديثه جرى التصويت الذي انتهى برفض التمديد،  فيما أكدت باربارا وودوارد، مندوبة بريطانيا، أن العقوبات سيعاد فرضها على إيران، داعية جميع الدول إلى الالتزام بها، قائلة إن تراكم اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران دون مبرر مدني.

بدورها، اتهمت دوروثي شيا، نائبة المندوبة الأمريكية، إيران بانتهاك التزاماتها، وقالت إن تفعيل آلية سناب باك ضروري، مع الإشارة إلى أن هذه الآلية “لا تمنع رفع العقوبات لاحقا عبر الدبلوماسية”، كما اتخذ مندوب الدنمارك الموقف نفسه، معتبرا أن إيران لم تتخذ الخطوات اللازمة منذ 2019 وأن العودة إلى العقوبات أمر حتمي.

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن الدول التي أيدت مشروع القرار وقفت في الجانب الصحيح من التاريخ، وأكد التزام طهران الكامل بالاتفاق النووي، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة هي التي انسحبت بشكل أحادي منه، وأنها اليوم، مع أوروبا، تكرر خطابا مشابها لخطاب إسرائيل، وهو الكيان الوحيد في المنطقة الذي يمتلك سلاحا نوويا، وأضاف عراقجي أن إيران اضطرت، في إطار حقوقها المضمونة في الاتفاق، إلى خفض بعض التزاماتها، كما شدد على أن الولايات المتحدة خانت الدبلوماسية، فيما الترويكا الأوروبية قد دفنتها بالكامل؟

ما هي العقوبات الأممية التي ستفرض على طهران؟

مع تفعيل آلية سناب باك ستعود قرارات مجلس الأمن السابقة المرتبطة بالملف النووي الإيراني إلى حيز التنفيذ، ما يعني إعادة فرض أشد العقوبات التي عرفتها طهران قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015، أولى هذه العقوبات تتمثل في القرار 1696 الصادر عام 2006، والذي ألزم إيران بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم بشكل كامل، وبعده جاء القرار 1737 في العام نفسه، حيث فرضت بموجبه قيود واسعة على الأنشطة النووية الحساسة، إضافة إلى حظر نقل التكنولوجيا المتعلقة بها إلى إيران.

Image

ثم تبعه القرار 1747 الصادر عام 2007، الذي صعد من الإجراءات العقابية من خلال فرض قيود مالية إضافية وتشديد الحظر العسكري، أما القرار 1803 الصادر عام 2008 فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ شمل قيودا مشددة على التعاملات المصرفية، وسمح بتفتيش الشحنات المرسلة من وإلى إيران، كما فرض حظرا موسعا على سفر عدد أكبر من المسؤولين الإيرانيين.

وفي العام نفسه، جاء القرار 1835 ليعيد التأكيد على التزامات إيران السابقة، وليكرر المطالب الموجهة إليها دون أن يقدم أي تسوية أو تنازلات جديدة، لكن القرار الأشد وقعا كان القرار 1929 الصادر عام 2010، والذي فرض حظرا شاملا على السلاح، وشدد العقوبات المالية على البنوك الإيرانية، وأخضع الشحن البحري الإيراني لقيود قاسية، ليصبح بذلك أكثر القرارات صرامة ضد طهران.

إعادة تفعيل هذه القرارات تعني أن إيران ستواجه من جديد منظومة متكاملة من العقوبات الدولية التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق النووي، وهو ما ينذر بتفاقم أزمتها الاقتصادية والسياسية داخليا وخارجيا.

مصائب قوم عند قوم فوائد

على عكس المتوقع، فقد جاءت ردود فعل إيجابية للبعض على قرار إعادة العقوبات على إيران، فشخصيات من التيار الأصولي رأت في ذلك انتصارا لها أمام ما وصفته على مدار أسابيع بالسذاجة الإصلاحية، من بين هؤلاء  كتب محسن زنجنه، النائب البرلماني، على حسابه على منصة التواصل الاجتماعي “إكس”  بعون الله وقوته، سيتحول يوم 28 سبتمبر/أيلول إلى اليوم الوطني لقطع كامل الأمل من أمريكا والغرب، وليكون بداية لتحول اقتصادي يعتمد على القدرات الداخلية وتعميق الروابط الاقتصادية مع بلدان الشرق والدول الجارة والصديقة”. 

Image

من جانبه كتب أميرحسين ثابتي، النائب المقرب من سعيد جليلي الأصولي الشهير، بعد انتهاء اجتماع مجلس الأمن في قناته على تلغرام قائلا: “قبل لحظات، ومع التصويت في الأمم المتحدة وتفعيل آلية العودة التلقائية للعقوبات، انتهى الاتفاق النووي رسميا وأصبح جزءا من التاريخ، اتفاق استعماري وأحادي الجانب أضاع عشر سنوات من عمر الشعب، وقيد البنى التحتية النووية لإيران، وفي النهاية أثبت صواب جبهة الثورة التي رأت منذ البداية أن هذا الاتفاق يضر بإيران وانتقدته، وكشف أوهام التيار الميال للغرب”.

Image

وتابع: “اللافت أن الحكومة، عبر التنازلات المتكررة والاتفاقات الأحادية مع الوكالة الدولية، كانت تسعى لأن تصوت كل دول مجلس الأمن إيجابيا، لكن في النهاية، وبصرف النظر عن أمريكا وبريطانيا وفرنسا التي كان موقفها السلبي معروفا، لم تستطع دبلوماسية بلادنا حتى استمالة سيراليون، سلوفينيا، الدنمارك، بنما، الصومال، واليونان، إذ صوّتت هذه الدول أيضاً ضدنا، وزارة الخارجية بحاجة إلى تغيير جذري في النهج، وإلا فلن يتحسن شيء”.

كذلك، كتب حميد رسايي، البرلماني الأصولي، على حسابه على منصة إكس: “في جيش علي بن أبي طالب كان هناك الأشعث الكندي ومالك الأشتر، الأشعث بذل كل جهده لفرض التحكيم، بينما مالك بذل كل ما بوسعه حتى لا يُفرض التحكيم، لقد مضت عشر سنوات على اليوم الذي فرض فيه الاتفاق النووي، ويمكن القول إنه دفن عمليا الليلة الماضية مع تفعيل آلية الزناد،  لقد حان الوقت لأن ينظر كل شخص إلى الدور الذي أداه خلال هذه السنوات العشر، هل كان مثل الأشعث الكندي يسعى لفرض الاتفاق النووي والمفاوضات العقيمة مع أمريكا، أم مثل مالك الأشتر فقدّم كل ما يملك لمنع فرض هذه الخسارة المحضة؟”.

Image

أيضا، صرح إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، قائلا: “تم تفعيل آلية السناب باك، وقد توقع القلقون ذلك منذ سنوات، وباستثناء التأثير النفسي، فإن عقوبات مجلس الأمن لا تضيف شيئا جديدا إلى العقوبات القصوى الحالية، فلا ينبغي لمهندسي وداعمي الاتفاق النووي إخافة الناس”. 

Image

روح‌ الله نجابت، عضو هيئة رئاسة لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، قال: “لقد تصرفنا بسخاء من أجل إيقاف آلية العقوبات، من اتفاق القاهرة وحتى تقديم مقترحات متنوعة، كان واضحا منذ البداية أنهم لن يفرطوا في مثل هذه الأداة، لكن الأمر استلزم عشر سنوات حتى يتذوق المصدقون على أمريكا وأوروبا نتيجة ثقتهم، الآن لا مفر لنا من أن نصبح أكثر قوة”.

Image

بهروز محبی نجم ‌آبادی، عضو لجنة التخطيط والميزانية صرح: “تم تفعيل آلية الزناد، في هذا التهديد فرصة لم يسبق لها مثيل حتى الآن. تصرفات الغرب كانت دائما مبنية على الطمع والسلوكيات النابية والبلطجية، شعب إيران سيكسر ظهر أعدائه. يجب أن تفتح من الغد معاهدات واسعة مع الصين وروسيا والهند وأمريكا اللاتينية”.

Image

هذا وقد انتقد حشمت الله فلاحت ‌بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان العاشر والسياسي الإيراني، بشدة ما وصفه باحتفال الأصوليين بعودة العقوبات” ضد إيران، معتبرا ذلك أمرا لا يصدق، حيث كتب عبر حسابه على إكس: احتفال المتطرفين بعودة العقوبات أمر غير قابل للتصديق، لقد دفع الشعب الإيراني لسنوات طويلة ثمن الأقوال والأفعال الصادرة عن أشخاص لا يمكن اعتبارهم إيرانيين. إن تفكير هؤلاء بعيد تماما عن معاناة الناس، فيما موائدهم العامرة بنيت على آلام الأطفال الذين يخلدون إلى النوم جائعين”، وأضاف أن الشعب الإيراني هو من سيتحمل الكلفة الباهظة للعقوبات والصراعات السياسية، بينما يعيش بعض الأطراف في رفاهية غير مبالية بمحنة المواطنين”.

Image