- زاد إيران - المحرر
- 644 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة “جام جم” الإيرانية المحافظة، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، تقريرا استعرضت فيه الدور الجيوسياسي المحوري لإيران في “حرب الممرات”، وكيف أصبحت طهران نقطة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، كما تناول التحديات التي تواجهها إيران من مشاريع إقليمية ودولية تسعى لتجاوزها، إلى جانب الفرص المتاحة لتعزيز موقعها من خلال تطوير البنية التحتية وسياسات الترانزيت.
ذكرت الصحيفة أنه خلال السنوات الأخيرة، برز مفهوم “حرب الممرات” في الأدبيات السياسية والجيوسياسية، وهو مصطلح يُطلق على التنافس بين الدول من أجل تطوير مسارات جديدة للنقل والترانزيت التجاري، وهو تنافس لا يقتصر على المكاسب الاقتصادية فقط، بل يُستخدم أيضا كأداة لممارسة النفوذ الجيواستراتيجي.
وأضافت أن أهمية الممرات في عالم اليوم ازدادت بشكل غير مسبوق نتيجة الترابط الوثيق بين الطرق اللوجستية والمصالح التجارية والاستراتيجية ويبدو ذلك واضحا بشكل خاص في مبادرات مثل طريق الحرير البحري والبري، وفي مسارات الشحن البحري، وخريطة النفوذ الجيوسياسي العالمي في هذا السياق، تبرز إيران باعتبارها دولة محورية في قلب منطقة أوراسيا، مما جعلها محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية بوصفها شريانا حيويا للتجارة العالمية.
وأوضحت أن تموضع إيران الجغرافي في نقطة تقاطع بين الصين والهند وروسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والخليج العربي وبحر عمان، جعل منها عنصرا فاعلا في “حرب الممرات”؛ وهي حرب تتعدى حدود الدول المجاورة لتشمل القوى العظمى، التي تسعى إما لتجاوز إيران أو السيطرة على طرقها الحيوية من أجل تقويض دورها المحوري في هذه المعادلة.
وأردفت أن التحولات العالمية مثل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، والحرب في أوكرانيا، والاضطرابات في قناة السويس، وانعدام الأمن في البحر الأحمر، دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تجارية وممرات ترانزيت جديدة ويمكن ملاحظة هذا التنافس في مشاريع مثل “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، وممر الشمال ـ الجنوب، والممر الأوسط، إلى جانب مبادرات كالممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، وممر زانغزور، وممر الهند ـ أوروبا (IMEC) الذي يمر عبر دول الخليج و الاحتلال الإسرائيلي.
وبينت أنه وسط هذا الصراع العالمي، فإن موقع إيران يمثل في آن معا تهديدا وفرصة؛ تهديد لأن هناك من يسعى لتجاوزها وإقصائها، وفرصة لأنها تمتلك المؤهلات لتصبح المعبر الرئيسي الذي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
الموقع الجيوسياسي الفريد لإيران في مجال الترانزيت
أشارت الصحيفة إلى أن الممرات والمسارات التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة لم تكن مجرد خطوط تجارية بل تمثل شكلا من أشكال الحرب الصامتة التي تقودها بعض القوى بهدف إقصاء إيران من سلاسل التجارة الدولية وتحويلها إلى دولة مهمشة في النظام التجاري الإقليمي والعالمي.
كما ذكرت أن إيران، رغم كل الضغوط، ما زالت تقف في موقع استراتيجي عند تقاطع طرق التجارة العالمية، وتلعب دورا رئيسيا في حركة الترانزيت بفضل شبكة من الطرق البحرية، والسكك الحديدية، والطرق البرية المتنوعة، فضلا عن موقعها الذي يربط بين أربع مناطق استراتيجية: شرق آسيا والصين، شبه القارة الهندية، روسيا وآسيا الوسطى، والدول العربية في الخليج.
وتابعت أن هذه العوامل جعلت من إيران جزءا لا يتجزأ من مشاريع حيوية مثل ممر الشمال ـ الجنوب أو ممر الشرق ـ الغرب. فمشروع ممر الشمال ـ الجنوب يهدف إلى ربط ميناء مومباي الهندي بالموانئ الروسية في الشمال عبر إيران وأذربيجان وبحر قزوين، وهو مسار أقصر بنسبة 30% وأرخص بنسبة 40% من المسارات التقليدية التي تمر عبر قناة السويس، مما يمنح إيران دورا محوريا في هذه المعادلة، خصوصا مع ربط ميناء جابهار بشبكة السكك الحديدية والطرق البرية.
ممر زانغزور ومحاولة تجاوز إيران
أشارت الصحيفة إلى أن مشروع “ممر زانغزور” الذي تدعمه تركيا وأذربيجان وجورجيا، يهدف إلى تجاوز الأراضي الإيرانية وتقليل الاعتماد على طرق الترانزيت الجنوبية يبدأ هذا الممر المقترح من الصين ويمر عبر كازاخستان وبحر قزوين وصولا إلى أذربيجان، ثم إلى تركيا وأوروبا.
وتابعت موضحةً أن ممر زانكزور يُعد إحدى النقاط الجغرافية الحساسة في منطقة جنوب القوقاز، ويؤدي دورا محوريا في ربط المناطق ببعضها، رغم التوترات الأخيرة بين إيران وأذربيجان، والتي تعود جذورها إلى أبعاد سياسية وجغرافية معقدة وتسعى أذربيجان إلى تمرير هذا الممر عبر الأراضي الأرمنية بهدف ربط أراضيها بجمهورية نخجوان، ومن ثم إلى تركيا، ما يجعله بديلا محتملا لبعض طرق الترانزيت التي تمر عبر إيران.
وأضافت أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أعلن أن مشروع ممر زانكزور سيتم تنفيذه بالكامل بحلول ربيع العام المقبل، فيما دخلت الولايات المتحدة على خط المشروع ضمن محاولات منافسة النفوذ الإيراني، واقترحت مؤخرا استئجار هذا الممر لمدة 100 عام، في مبادرة أطلقت عليها اسم “مفترق السلام” بين أرمينيا وأذربيجان، رغم استمرار الخلافات بين باكو ويريفان حول آلية فتح هذا الممر.
وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن مشروع “ممر الهند ـ إسرائيل”، الذي يمر عبر الإمارات والسعودية وصولا إلى ميناء حيفا ثم إلى أوروبا، هو محاولة أخرى مدعومة من الولايات المتحدة لتقليص دور إيران في ترانزيت الطاقة والبضائع، ومواجهة مشروع طريق الحرير الصيني.

الصين وروسيا: لاعبان رئيسيان في رسم خريطة الممرات
أوضحت الصحيفة أن كلّا من الصين وروسيا تلعبان دورا رئيسيا في تشكيل النظام الجديد للممرات العالمية فروسيا، التي تتعرض لعقوبات غربية، تبحث عن طرق بديلة وآمنة للوصول إلى الأسواق الآسيوية من دون الحاجة إلى المرور بأوروبا الغربية وفي هذا السياق، تُعد إيران شريكا أكثر استقرارا من جيران روسيا الآخرين.
كما أشارت إلى أن الصين من جانبها، تعمل من خلال مبادرة “الحزام والطريق” على إنشاء شبكة عالمية من الممرات البحرية والبرية لتسهيل صادراتها إحدى المسارات الأساسية لهذه المبادرة تمر عبر الأراضي الإيرانية، لكن الضغوط الغربية تسعى إلى دفع بكين للبحث عن مسارات بديلة عبر آسيا الوسطى والقوقاز.
ميناء جابهار: ورقة استراتيجية قادرة على قلب المعادلة
أكدت الصحيفة أن إيران لطالما شكلت معبرا حضاريا عبر التاريخ، خاصة من خلال طريق الحرير والمسارات البحرية في الخليج الفارسي، وهي مؤهلة اليوم لاستعادة هذا الدور التاريخي في قالب جديد، بشرط توفر التخطيط الاستراتيجي.
وتابعت أن ميناء جابهار في جنوب شرق إيران يُعد نقطة محورية في هذه المعادلة، إذ استثمرت الهند فيه بهدف تأمين طريق وصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا، في ظل امتناع باكستان عن منح نيودلهي امتيازات ترانزيتية وبالتالي، فإن جابهار يمثل الخيار الوحيد المتبقي أمام الهند.
ولكن أردفت أن بطء تطوير البنية التحتية، والعقوبات، وعدم التنسيق بين الجهات المعنية، منع هذا الميناء حتى الآن من بلوغ إمكاناته الكاملة وإذا ما تم تفعيل جابهار بشكل كامل، فبإمكان إيران أن تصبح منافسا قويا للممرات المقترحة بين الصين وباكستان، أو تلك التي تربط أذربيجان بتركيا.
نمو ملحوظ في ترانزيت البضائع عبر إيران
أشارت الصحيفة إلى أن نمو حجم ترانزيت البضائع عبر الأراضي الإيرانية خلال السنوات الماضية يعكس حجم الطاقة الكامنة في هذا القطاع فقد ارتفع حجم الترانزيت من 5.5 مليون طن في عام 2020 إلى نحو 22 مليون طن في عام 2024، ووفقا للخطة السابعة للتنمية، من المتوقع أن يصل إلى 40 مليون طن بحلول نهايتها.
وأضافت أن تعزيز قطاع الترانزيت يمكن أن يوفر لإيران دخلا ثابتا ومستداما بعيدا عن النفط، وقد تصل العائدات إلى 20 مليار دولار سنويا وعلى الرغم من امتلاك إيران موقعا فريدا وإجراءات جيدة اتخذتها حتى الآن، إلا أنها لا تزال بعيدة عن الاستفادة الكاملة من قدراتها في هذا المجال.
وأكدت أنه رغم أن بعض دول المنطقة تبذل جهودا لإنشاء مسارات بديلة مدعومة بالحوافز السياسية والاقتصادية، فإنها لا تستطيع بشكل فعلي الاستغناء عن المسارات الإيرانية، نظرا لكون إيران تمثل شريانا حيويا في ممرات الشمال ـ الجنوب والشرق الغرب.
وتابعت أنه لكي ترسّخ إيران مكانتها في المعادلة العالمية للممرات، فإنها بحاجة إلى مراجعة شاملة لسياساتها الاستراتيجية في مجال الترانزيت، إلى جانب استكمال مشاريع بنيوية هامة مثل خط سكة الحديد رشت آستارا، وتطوير ميناء جابهار وربطه بشبكة السكك الحديدية الوطنية، فضلا عن تفعيل “الدبلوماسية الترانزيتية” في ملفي النقل والتجارة.

