- زاد إيران - المحرر
- 461 Views
كتب: محمد فتحي النادي
إنَّ أمْر من يلي الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بعد موته كان يشغل بال عمه العباس بن عبد المطلب، الذي ما إن رأى مخايل الموت على وجه النبي إلا ودعته نفسه لسؤال النبي عمن يخلفه.
وأخبر ابن أخيه علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه- بما في نفسه، لكن أبا الحسن تحفَّظ على ذلك؛ فقد روى عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟
قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: أَلاَ تَرَاهُ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ الثَّلاَثِ عَبْدُ الْعَصَا، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ، وَإِنِّي لأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوْتَ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الأَمْرُ، فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَمْنَعُنَا لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لاَ أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَدًا.
وقول العباس: “عَبْدُ الْعَصَا”، “هو كناية عمن يصير تابعًا لغيره، والمعنى أنه يموت بعد ثلاث وتصير أنت مأمورًا عليك، وهذا من قوة فراسة العباس”.
وشاءت إرادة الله أن يلي علي -كرَّم الله وجهه- الخلافة في عام 35هـ، ولم يرَ عمه العباس ذلك؛ إذ توفي سنة 32هـ.
وقد كانت الدعوة الثورية المناوئة لبني أمية علوية متمثلة في الحسين وزيد بن علي.
وكذا كانت هناك دعوة عباسية سرية مناوئة لبني أمية كذلك.
وكلاهما ينضوي تحت مسمى آل البيت.
قال زَيْد بْن أَرْقَمَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: “أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ”. فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: “وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي… أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي… أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي”.
فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟!
قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.
قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟
قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ.
وقد تمكَّنت الدعوة العباسية من إقامة دولة مثَّلت أهل السُّنة قرونًا عديدة، على عكس الدعوة العلوية التي تم التنكيل والتضييق على رموزها، ودولتها لم تبلغ شأو الدولة العباسية.
وإذا كانت الدعوتان العلوية والعباسية تنضويان تحت اسم: آل البيت؛ فمن العجيب أن يقع في بعض عصور الدولة العباسية النصب لآل البيت.
والنَّصَب -كما هو معلوم- بُغض عليٍّ خصوصًا، وآل البيت عمومًا.
وقد اتُّهم الخليفة العباسي العاشر المتوكل على الله بالنَّصب، وهو المتمدَّح بإظهار السُّنة، ورفع المحنة، وإبطال القول بخلق القرآن.
وقد قال فيه إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة: “الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق قاتل أهل الردة حتى استجابوا، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع وأظهر السنة”.
وقال محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: “إني جعلت دعائي في المشاهد كلها للمتوكل؛ وذلك أن صاحبنا عمر بن عبد العزيز جاء الله به يرد المظالم، وجاء الله بالمتوكل يرد الدين”.
ومن العجائب أني وقفت على قصة تُلمح إلى اتهامه بالرفض وسب الصحابة الكرام، وما أراها إلا قصة مختلقة إذ يناقض عجزها صدرها.
فقد رُفِع “إِلَى المتَوَكل أَن بالدينور رَجُلاً رافضيًّا يُحْضِرُ جمَاعَة من الرَّافِضة ويتدارسون الرَّفْض، ويسبُّون الصَّحابة، ويشتمون السَّلف، فَلَمَّا وقف المتَوَكل عَلَى كِتَابه أَمر وزيره عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى بِالْكِتَابَةِ إِلَى عَامله عَلَى الدينور بإشخاص بشر هَذَا والفرقة الَّتِي تجالسه”.
ثم تحايل عمَّاله وأدخلوا عليه رجلاً آخر وفرقة غير تلك المطلوبة للمتوكل وهو لا يعلم بهذا التبديل في الشخص وأتباعه.
وقد امتحنه رجال المتوكل وهو مستتر عنه فقالوا لهذا الرجل: “من خيرُ النَّاس بعد رَسُول اللَّه ﷺ؟
قُلْنَا: أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب.
فَقَالَ: يَقُولُ لَكُمْ أَمِير الْمُؤْمِنِين: هَذَا مذهبي.
فَقُلْنَا: الْحَمد لله الَّذِي وَافق أَمِير المؤمنين فِي دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته عَلَى مذْهبه.
ثُمّ قَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي أَبِي بَكْر؟
فَقَالُوا: رَحْمَة اللَّه عَلى أَبِي بَكْر، نقُول فِيهِ خيرًا.
قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي عُمَر؟
قُلْنَا: رَحْمَة اللَّه عَلَيْه وَلا نُحِبُّه!
قَالَ: وَلِمَ؟
قُلْنَا: لِأَنَّهُ أخرج مَوْلَانَا الْعَبَّاس من الشُّورى.
قَالَ: فسمعنا من وراء السَّبَنِيَّةِ (نوع من الستائر) ضحكًا”.
وأمر لهم بصلة.
فهل الشخص الذي غضب لسبّ الصحابة يقبل تقديم الإمام عليّ على كل الصحابة وبغض الفاروق عمر، فمِن ماذا نقم عليهم إذًا؟
وهذه القصة عكس ما أورده أبو الفرج الأصفهاني من أن المتوكل كان “شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظًا على جماعتهم، مهتمّا بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم”.
فإن قيل: إن أبا الفرج الأصبهاني متهم بأنه شيعي؛ فإن المؤرخ السُّني ابن خلكان ذكر أن المتوكل كان “كثير التحامل على علي وولديه الحسن والحسين -رضي الله عنهم أجمعين”.
وأكد ذلك الدميري بقوله: “وكان المتوكل يبغض عليا -رضي الله تعالى عنه، ويتنقصه، ويكثر الوقيعة فيه والاستخفاف به”.
هذه الإشكاليات دفعت المؤرخين لاتهام الخليفة المتوكل بالنصب ومعاداة آل البيت، وكانت الطامة الكبرى والداهية العظمى حينما أقدم على هدم قبر الإمام الحسين؛ فهدم المكان “بأصوله ودوره وجميع ما يتعلق به، وأمر أن يبذر ويسقى موضع قبره، ومنع الناس من إتيانه”، وكان ذلك الأمر في “سنة ست وثلاثين ومائتين، وبقي صحراء، فتألم المسلمون لذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان وهجاه الشعراء”.
وقيل: إن الذي حسَّن له القبيح في معاملة آل أبي طالب وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذي كان يسيء الرأي فيهم، فبلغ المتوكل “فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين وعفى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحدًا زاره إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة”.
وذكر الاتهام بالنصب الذهبي فقال: “وكان المتوكل فيه نصب وانحراف”، وفي موضع آخر قال: “والمتوكل سني، لكن فيه نصب”، وكذا الصفدي والكتبي فقالا: “وكان معروفًا بالنصب”.
لكن الذهبي اعتذر عنه وقال: “كان المتوكّل منهمكًا فِي اللَّذّات والشُّرْب، فلعلّه رُحِمَ بالسُّنة، ولم يصح عنه النصب”.
وفي موضع آخر قال: “وقيل: لم يصح عنه النصب، وقد بكى من وعظ علي بن محمد العسكري العلوي، وأعطاه أربعة آلاف دينار”.
وكذا الصفدي قال: “ولم يصح عنه النصب”.
فقضية النَّصَب عند المتوكل قضية فيها نظر، ما بين مُثبت لها ومقرِّر، ونافٍ لها ومشكِّك، لكن فعله المشؤوم بالأمر بهدم قبر الإمام الحسين -مهما كانت الدوافع والمبررات- نقطة سوداء في تاريخه، وباب يدخل منه من يرى وقوعه في النَّصَب، فضلاً عن تضارب الروايات في حبه للإمام علي وتحامله عليه.
وما كان أحرى به أن يبقى على دفاعه عن السُّنة وألا يدخل في أمر يجر عليه الحنق والاتهام من عامة المسلمين وخاصتهم.
ويبقى أن تضييق العباسيين على العلويين عمومًا -أرى أنه- لا يدخل في باب النَّصَب، وإنما هو تأمين من العباسيين لمكاسبهم، وحراسة لدولتهم، وتثبيت لمكانتهم، أو هو من باب التنافس حول المكانة والرياسة.

