“الوفاق الوطني” بين ضرورات المرحلة ومحاولات التشويش السياسي

ترجمة: كريمة هاني

نشرت صحيفة “فرهيختكان“، السبت 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تقريراً حول الدفاع عن فكرة التوافق الوطني والاختلافات لبعض التيارات السياسية والإعلامية. 

ذكرت الصحيفة أنه بعد عدة أشهر من حرب الـ 12 يوماً على إيران، ما زال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي يأمل في خلق الفوضى في البلاد ويدعو إليها، فتكرار الرسائل المصورة من قبل نتنياهو، الذي كان يأمل سابقاً بنفس الحيلة أن يتمكن من إنهاء أمر إيران، تُظهر أن الحفاظ على التماسك الوطني وزيادة الأدوات الدفاعية إلى أقصى حد ممكن هو أمر ضروري ولا مفر منه.  

وأضافت أن بعض التيارات والشخصيات السياسية، ومع ذلك، دون إدراك هذه الضرورة، يُجرون مقابلات يوما ضد حلفاء البلاد على الساحة العالمية، ويُنشر يوماً آخر عناوين وصورا ضد الانسجام الوطني. 

وأشارت إلى أنه رداً على هذه المواقف المناهضة للانسجام الوطني، قال علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، في جزء من تصريحاته التي قد أدلى بها في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025  خلال لقاء مع بعض الأكاديميين في العلوم الإنسانية: “بعض الزعماء السياسيين في البلاد لم يدركوا بعد حساسية وخطورة الوضع الحالي، ويتنازعون بسهولة مع بعضهم البعض”. وأكد علي لاريجاني في هذا الصدد: “في هذه الظروف، يجب أن نتجاوز الخلافات ونسعى لتعزيز الانسجام الوطني”.

وأوضحت الصحيفة أن الحفاظ على الانسجام لا يعني بالطبع عدم طرح الانتقادات الوظيفية؛ لكن بعضهم يتخذ أي نقد بناءً ذريعة ويسعون من خلاله إلى إثارة الخلاف. بعض التيارات السياسية، التي تسعى لأي ذريعة لإحداث الانقسام بين الحكومة والبرلمان، تترقّب الفرص ليصوروا أي اختلافٍ في الرأي بين السلطتين على أنه نهاية الوفاق. 

وتابعت أن هذا المسعى لإعلان نهاية عمر الوفاق قد بدأ منذ الأيام الأولى للحكومة عندما قال الرئيس “لا” لبعض التوجهات الاستبدادية للإصلاحيين الراديكاليين، وقد تحول إلى عادة مدمرة. أما رئيس البرلمان، ففي ردّه على التيارات التي تعتبر أن النقد لأداء الحكومة يعني نهاية الوفاق، فقد أجاب قائلاً:  “الوفاق لا يعني التغطية على الأخطاء، بل يعني التعاون لاتخاذ القرارات الصحيحة والصعبة”. الحفاظ على الانسجام الوطني، وفي نفس الوقت الحفاظ على بيئة الانتقادات البناءة هو حد واضح يعكسه مهددو الانسجام عمداً.

ولفتت إلى أنه في هذا المسعى لاستقطاب أجواء البلاد، تعتبر أحدث أدوات التيار المثير للتوتر هي نشر خطاب راديكالي على لسان شخصيات سياسية منتهية الصلاحية مثل مهدي كروبي؛ الذي حتى خلال حياته السياسية لم يحصل إلا على أصوات أقل من الأصوات الباطلة.

Image

التعاون لاتخاذ القرارات الصعبة 

ذكرت الصحيفة أن بعد مرور عام على بداية حكومة بزشكيان، التي كانت الفكرة المركزية لها هي التعاون مع المؤسسات المختلفة،  يمكن الآن تقديم شرح أدق للفكرة المطروحة من الحكومة، يمكن تفسیر الوفاق في مفهومه العملي الأكثر تطبيقاً على النحو التالي: أنه مع قبول اختلاف الآراء، يجب منح الأولوية لما هو مشترك، بحيث يمكن في التقارب المتحقق اتخاذ القرارات الأساسية لإصلاح الإجراءات وحل المشكلات. 

وأضافت أنه بعد اتخاذ القرار أيضاً، يجب على جميع التيارات السياسية والمسؤولين التنفيذيين الوقوف إلى جانبه، وأن يعتبروا أنفسهم مسؤولين عن تنفيذه وإيجابياته وعيوبه. في تصريحات الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لـ محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان الإيراني، والتي طرحت بالتزامن مع الانتقاد للتوجهات المخالفة للمصالح الوطنية لكل من الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، كانت هناك نقاط أخرى أيضاً تم إغفالها تحت تأثير الأجواء المتشكلة. وقد شرح قائلاً: “الوفاق لا يعني التغطية على الأخطاء ونقاط الضعف، بل يعني تعاون السلطات لاتخاذ قرارات صحيحة، وإن كانت مليئة بالتحديات”. 

كما وصف قالیباف المخرجات الحقيقية والقابلة للدفاع للوفاق بين السلطات على النحو التالي: “تُتخذ القرارات المهمة بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية ممكنة، دون أن تعرقل السلطات بعضها البعض، ودون التقدم على بعضها من أجل الاستحواذ على هذه الإنجازات، حتى يتحقق النفع الوطني عملياً وعلى أرض الواقع. يجب أن تُقدّم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية في جميع الأحوال”.

Image

المصلحة الوطنية تقدم على المصلحة الحزبية

ذكرت الصحيفة أن حل بنك آینده الذي ضربه قاليباف مثالاً في تصريحاته أيضاً، تطلب إرادة جماعية. لم يكن الاعتماد فقط على القانون ووسائل الإعلام كافياً للإجراءات الكبرى، وكان تعاون جميع السلطات ضرورياً لذلك. أي مماطلة أو إجراء مخالف للإجماع كان يمكن أن يحرف المسار، وقد يترتب عليه عواقب مثل أحداث نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي أشعل شرارتها الرئيس حينها باستخدامه هذا التعبير “أنه قد لم يكن على علم بارتفاع أسعار البنزين”. لكن قضية حل بنك آینده، نظراً لأن جميع السلطات توصلت إلى إجماع فكري وعملي بشأنها، حققت المصالح الوطنية بأقل تكلفة اجتماعية. وفي الحالات الأخرى أيضاً، يجب أن يبقى هذا الإدراك قائماً بأن المصلحة الوطنية تقدم على المصلحة الحزبية.

الارتهان لخطاب الاستقطاب

وتابعت الصحيفة أنه في عام 2009، عندما حصل المرشح الإصلاحي البارز مهدي كروبي في الانتخابات الرئاسية على 338 ألف صوت فقط، وتراجع حتى عن الأصوات الباطلة وبقي في أخر الجدول، انضم فجأة إلى معسكر مدعي التزوير، ليتخلص من ثقل فشله من على كتفيه ويلقيه على عاتق النظام. وهو الذي تجاوز حتى المرشح الثاني في قضية مزاعم التزوير، وأصدر بيانات أكثر حدة ومليئة بادعاءات كاذبة، صنع لنفسه صورة وكأنه كان يُوجَّه من الخارج بواسطة جناح التطرف الإصلاحي لإثارة الفوضى. 

وذكرت أنه بعد مرور 16 عاماً، يواصل كروبي لعب دور المكبر لمصلحة التيار الراديكالي. وفي أحدث أنشطته، التي أصبحت شبه دورية، تداولت الأنباء لقاءه بأبناء مير حسين موسوي، حيث أعاد التأكيد على ادعائه بتزوير انتخابات 2009.

وأوضحت أن هذا الادعاء، الذي سبق ورفضه كبار الشخصيات الإصلاحية وحتى الرئيس الأسبق محمد خاتمي، يبدو أكثر جذباً لتأييد القاعدة المتطرفة، مقارنة بالحفاظ على أجواء الاتهامات السياسية، إلا أن كُتّاب النصوص الراديكالية المرتبطة بكروبي يجب أن يدركوا أن أجواء الاستقطاب الثنائي المضطربة تدفع الناس، بالمقارنة، نحو الخيارات الأكثر تطرفاً بدلاً من المرشحين الذين حصلوا على 300 ألف صوت.

وبينت أنه من ثم، لن يستفيد كروبي من الفوضى التي يحاول تأجيجها، إذ إن تكرار هذه الادعاءات، في الواقع، يغلق أبواب الممارسة السياسية أمام الجناح المتطرف للإصلاحيين. 

وأشارت إلى أن المنظرين المتطرفين يعتقدون أن إثارة الفوضى تمهّد الطريق لكسب الامتيازات، إلا أن الواقع يشير إلى نتائج عكسية ضدهم. فحتى لو أشعلوا النار، لن تصل حرارتها إلى معسكر المتطرفين. وفي أجواء الاستقطاب الثنائي المشحونة بالتوتر، تظل كل الأطراف خاسرة، خصوصاً حين يكون العدو الخارجي قد شحذ أسنانه وكشف عن وحشيته.

كسر الوحدة الوطنية

وذكرت الصحيفة أنه على الصعيد الاجتماعي، أثارت صحيفة “هم‌ میهن” جدلاً واسعاً بعد نشرها صورة لسيدة محجبة واعتبارها ضحية اعتداء في قضية مرتبطة بممثل. وبغض النظر عن صحة الواقعة، يطرح هذا التصرف سؤالاً جوهرياً: لماذا تهدف الصحيفة إلى إشعال الصدام في المجتمع؟

وأضافت أن مثل هذه الخطوات تؤدي إلى استقطاب ثنائي وتضعف التماسك الاجتماعي، خصوصاً في وقت يحتاج فيه الوطن، بعد المواجهة مع إسرائيل، إلى وحدة قوية. كما أن الإجراءات التي تغذي الفوضى الداخلية تحت ذريعة النقد تُعد غير مسؤولة، ويجب على منتقدي وفاق الرئيس الذين يصورونه بالفشل أن يجيبوا: هل لم يشاركوا بأنفسهم في تقويض التماسك الوطني في مناسبات أخرى؟

حرب 12 يوماً تهز العلاقات الاستراتيجية

وتابعت أنه بعد حرب قصيرة دامت 12 يوماً مع إسرائيل، تواجه إيران تحدياً عاجلاً لتعزيز علاقاتها مع القوى المعارضة للغرب. وفي هذا السياق، يصبح استخدام كل الوسائل المتاحة لتعزيز القدرة القتالية للبلاد أمراً منطقياً وضرورياً.

وأوضحت أنه مع ذلك، فسّر بعض النقاد انتقاد رئيس البرلمان لتصريحات روحاني وظريف، التي تتعارض أحياناً مع العلاقات الاستراتيجية مع روسيا، على أنه تهديد للوفاق الوطني. ومن المهم التأكيد أن الوفاق لا يعني الصمت أمام مواقف قد تزيد من عزلة إيران على المستوى الدولي.

وذكرت الصحيفة أن محمد جواد ظريف كشف في كتابه “سر الغموض”، أن تدفق الشركات الغربية أثناء توقيع برجام أثار استياء أصدقاء إيران، مثل روسيا، وكان سيشكل عقبة أمام ترامب لممارسة أقصى درجات الضغط. ومع ذلك، أبدى ظريف مؤخراً غضبه من تصريحات لافروف، مشككاً في موقف روسيا تجاه بلاده.

واختتمت بالتأكيد أنه في النهاية، تقتضي مصلحة إيران تعزيز التعاون مع روسيا والصين لتعزيز مكانتها الدولية، دون الانحياز لأي طرف في الخلاف بين لافروف وظريف، وهو ما يعكس أهمية تعزيز العلاقات مع الشرق في ظل الأوضاع العالمية المليئة بالتوتر.