“كيهان” الأصولية: ما يجري حول الحجاب “حرب نفسية” لإعادة تعريف الهوية والحدود الرمزية للمجتمع

تنظر إيران إلى الجدل حول كشف الحجاب بوصفه حلقة داخل مسار أوسع لإعادة بناء المعايير الاجتماعية، ويرى التيار المحافظ أن ما يجري ليس نقاشاً عابراً، بل صراع إرادات على تعريف الهوية والقيم العامة، ومن هذا المنظور، تُعامل طهران قضية الحجاب كأداة صراع لا كحادثة منفصلة، بحيث تتحوّل صياغة المفاهيم وتحديد المقبول وغير المقبول إلى جزء من ميدان الحرب النفسية. 

وبالتالي يتم اعتبار أي زيادة طفيفة في التساهل أو تعديل في لغة الخطاب ـ مهما بدا صغيراً أو مرحلياً ـ خطوة مقصودة لإعادة هندسة المزاج الشعبي، وتدريجياً تخفيف حساسية المجتمع تجاه إعادة ترسيم الحدود الرمزية التي شكّلت مفاصل فكرية في الإدراك العام.

نشرت صحيفة كيهان الأصولية، السبت 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مقال رئيس تحريرها حسين شريعتمداري ذكر فيه أن ما يُسمّى بالانتقال إلى الدرجة الثانية يُعد أحد أساليب الحرب النفسية التي تُستخدم لتحقيق أهداف متقاربة، ويبرز هذا الأسلوب خصوصاً عندما يسعى الخصم إلى تطبيع ظاهرة قبيحة وغير منسجمة مع قيم المجتمع.

وأضاف أنه حين يعاني المجتمع من ظاهرة منحرفة ويشعر بالقلق من عواقبها المدمّرة، يلجأ العدو ـ في سبيل تطبيع تلك الظاهرة ـ إلى طرح وترويج ظاهرة أشدّ خطورة وضرراً منها، وفي هذه الحالة يتزايد خوف المجتمع وقلقه من الظاهرة الثانية، بحيث يصبح الهدف هو أن يتقبل الناس الظاهرة الأولى ويعتبرونها أقل خطراً، وأن تنخفض حساسيتهم تجاهها تدريجيًا.

وتابع أنه خلال عامي 2024 و2025، تناولت صحيفة كيهان عشرات المقالات والتقارير حول ظاهرة كشف الحجاب التي تُقدَّم بوصفها تهديداً للأسرة وقيم العفّة، وعندما طُرح مشروع قانون الحجاب وانتقل من السلطة القضائية إلى الحكومة ثم إلى البرلمان، كتبنا آنذاك أنّ مجرد طرح المشروع نفسه يثير الشكوك، وأنّ هناك احتمالاً بأن يكون قد جرى إعداده من قِبل مستشارين مخترَقين يخدمون أجندة العدو. 

وأردف أنه في تلك الفترة أكّدنا ـ استناداً إلى شواهد وأدلة عدة ـ أن هذا المشروع لن يحدّ من كشف الحجاب، بل قد يساهم في اتساعه، وقد أثارت مقالات كيهان آنذاك اعتراض بعض المسؤولين الحكوميين وعدد من أعضاء البرلمان، إضافة إلى انتقادات واسعة من التيار الموصوف بالتوجه نحو الغرب.

وأوضح أنه في الوقت نفسه، أكد المرشد الأعلى خلال لقائه الرمضاني مع مسؤولي النظام أن التحدي المرتبط بالحجاب ـ بحسب وصفه ـ مصطنع ومفروض على إيران، وقال إن هناك من جلس وخطط ودبّر ليصبح موضوع الحجاب قضية في إيران، مع أن هذه القضية لم تكن موجودة بهذا الشكل، والناس كانوا يعيشون حياتهم بأشكال مختلفة. 

وأكَّد أن المرشد الأعلى شدّد على شرعية الحجاب قانوناً وشرعاً، وعلى ضرورة الالتزام به، وأشار إلى أن هناك جهة خارجية تقف وراء ظاهرة كشف الحجاب، قائلاً إنه في الوقت الراهن يعمل الأعداء على قضية نزع الحجاب عن النساء، لكن هذا ليس الهدف النهائي، والهدف هو إعادة إيران إلى ما قبل الثورة.

وأبرز أن انتشار ظاهرة كشف الحجاب بالشكل الذي نشهده اليوم يثبت بوضوح أن التوقعات التي طُرحت آنذاك، وأن ما حذّر منه المرشد الأعلى بشأن تخطيط القوى الخارجية لنشر هذه الظاهرة المدمّرة، كانت واقعية ولا يمكن إنكارها. 

وعبَّر عن أسفه قائلاً إن بعض كبار مسؤولي النظام تم استدراجهم في هذا المشروع التضليلي، ولا يزال بعضهم ـ للأسف ـ يتحرك حتى الآن داخل نفس ساحة الخداع التي رسمها العدو، إلى حد أنّ رؤساء السلطات الثلاث منعوا تنفيذ ذلك المشروع الناقص والضعيف الخاص بالحجاب الذي تمّ تحويله إلى قانون، ولا يزالون يمنعونه حتى اليوم. 

وبيَّن أن الأعداء أطلقوا المرحلة التالية من هذا المخطط القبيح، ويتجهون الآن إلى تنفيذها عبر أسلوب الانتقال إلى الدرجة الثانية، موضحاً ذلك بالقول إن الأعداء الخارجيين ـ ومعهم أدواتهم في الداخل، أي أولئك الذين سبق أن فرضوا مشروع قانون الحجاب على المجتمع رغم عدم الحاجة إليه ـ عادوا اليوم ليطرحوا نغمة جديدة تبدو في ظاهرها حريصة ومهتمة، لكنها في حقيقتها تحمل الهدف ذاته، وهو تعزيز وترسيخ ظاهرة كشف الحجاب، ولكن بصيغة مُموّهة.

وأفاد بأنه خلال الفترة الماضية، ظهرت في بعض الحالات المحدودة ممارسات يمكن وصفها بأنها انتقال من كشف الحجاب إلى نصف التعرّي، وفي المقابل، نرى أن بعض المسؤولين الذين لا يُشَك في صدق نياتهم وحسن قصدهم، يُعلنون اعتراضهم على نصف التعري وضرورة مواجهته.

وأبلغ أن بعض هؤلاء حين يتحدثون عن مواجهة نصف التعري لا يشيرون أبداً إلى منع كشف الحجاب نفسه! وكأنّ كشف الحجاب لم يعد محرّماً دينياً ولا مخالفاً للقانون ولا مُنافياً للقيم، وكأنه بات أمراً مقبولاً، وأن المشكلة فقط هي ألا يتحول هذا الكشف إلى تعرٍّ كامل أو نصف تعر! 

وأشار إلى أن هذا هو أسلوب الانتقال إلى الدرجة الثانية الذي يلجأ إليه الخصوم الخارجيون وأدواتهم في الداخل، فيرفعون سقف الصدمة بحيث يصبح الناس مستعدين للقبول بالصيغة الأخف، ويدفَعون المجتمع إلى اعتبار كشف الحجاب الخيار الأقل سوءاً، بينما الواقع أن التعرّي يصبح النتيجة الطبيعية لذلك، وأنّ المواجهة لا تكون فعّالة ما لم تُواجَه الجذور الأولى للظاهرة نفسها.

في الختام، تبدو إيران في الوقت الحالي أمام اختبار داخلي يتعلّق بقدرتها على تقليل التأثير الخارجي في تشكيل الوعي العام، ولم يعد الخلاف حول تعريف الظاهرة فقط بل حول كيفية إدارة الحساسية الاجتماعية والتحول القيمي، وفي النهاية سيعتمد مستقبل النقاش في إيران على مدى قدرة مؤسساتها على وضع حدود ثقافية واضحة تمنع إعادة تشكيل المفاهيم على حساب المجتمع كله.