انتقادات سياسية متصاعدة ضد الرئيس مسعود بزشکیان: قراءة تحليلية في خلفيات المشهد الإيراني

كتب: الترجمان

تعيش إيران، منذ تولّي الرئيس مسعود بزشکیان منصبه، حالة ملحوظة من التوتر السياسي والجدل الداخلي حول أداء الحكومة ، ولا سيما فيما يتعلق بملف الوفاق الوطني، ووعود استعادة ثقة الشارع، وآليات إدارة الصراعات داخل مؤسسات الدولة.

 ورغم أن الرئيس بزشكيان وصل إلى السلطة على موجة خطاب تصالحي يسعى إلى تخفيف الاستقطاب السياسي وتعزيز العلاقة بين التيارات المختلفة، فإن الأسابيع الماضية شهدت تصاعدا في الانتقادات من داخل المؤسسات السياسية نفسها، بما في ذلك من شخصيات تنتمي إلى التيار الذي كان يُعدّ قريبا من خط الرئيس.

وفي هذا السياق، أثارت تغريدة حشمت الله فلاحت‌‎‌ بیشه، النائب السابق في البرلمان الإيراني، جدلا واسعا بعدما وجّه انتقادا مباشرا للرئيس بزشکیان متهما إياه بـ تبنّي دور الضحية، وبتسليم “الطاقة الخالصة التي منحها الشعب” إلى “الانتهازيين في الباستور” – في إشارة إلى مراكز السلطة والحكومة. 

هذا التصريح لم يكن مجرد رأي فردي، بل جاء كجزء من موجة متصاعدة تعكس هشاشة التوازنات داخل السلطة وتحديات الوفاق الوطني الذي وعد به الرئيس منذ لحظة انتخابه.

Image

مضمون تصريح فلاحت بیشه ودلالاته السياسية

كتب حشمت‌‎‌الله فلاحت‌‎‌ بیشه، وهو أحد أبرز الوجوه البرلمانية السابقة في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، في حسابه على منصة إكس:

“سيد بزشکیان! رجاءً لا تلعب دور الضحية. الكوارث السياسية هي نصيب السياسيين الذين يختارون الانفعال. لقد جعلتم الطاقة الخالصة لصوت الشعب تُهدر أمام انتهازيّي الباستور.”

تحمل هذه العبارة أربع رسائل سياسية أساسية:

أولا: اتهام مباشر بالانفعالية
يشير فلاحت ‌‎‌بیشه إلى أن الرئيس يتخذ موقفا “منسحبا” أو “غير حاسم” في مواجهة التحديات السياسية، وهو اتهام خطير في السياق الإيراني، حيث يُنتظر من الرئيس القدرة على إدارة توازنات معقدة بين الحكومة، البرلمان، الحرس الثوري، ومكتب المرشد.

ثانيا: رفض لعب دور الضحية
هذا التعبير يعني أن الرئيس يحاول تصوير نفسه كمحاصر أو مكبّل، بينما يرى النقّاد أن عليه اتخاذ مواقف أكثر صلابة تجاه الجهات التي تعرقل مشروعه السياسي.

ثالثا: إضاعته دعم الناخبين
يرى فلاحت‌‎‌ بیشه أن “طاقة التصويت الشعبي” التي أوصلته للسلطة لم تُستثمر بالشكل الكافي لتحقيق التغيير الذي وعد به الرئيس.

رابعا: اتهام أطراف في الباستور بالانتهازية
الإشارة إلى الباستور تعني انتقادا لمحيط الرئيس أو المقربين منه، أو دوائر النفوذ داخل الحكومة.

Image

الخلفية السياسية للتصعيد

وعود الوفاق الوطني

كان من أبرز شعارات بزشکیان أثناء الحملة الانتخابية وعده بتحقيق “وفاق وطني” ودمج الأصوات المختلفة داخل المشهد السياسي. غير أن التحولات العملية على الأرض أظهرت – بحسب منتقديه – بطئا أو ترددا في تنفيذ هذا المشروع. كما يرى البعض أن معارضيه السياسيين استغلوا هذا الخطاب لتقليص هامش المناورة أمامه.

صدامات غير معلنة بين الحكومة والهيئات الأصولية

على الرغم من محاولات الرئيس الحفاظ على خطاب معتدل، إلا أن بعض القرارات الحكومية المتعلقة بالاقتصاد، والإعلام، والانفتاح الخارجي، أحدثت تباينا في المواقف مع التيار الأصولي الأكثر تشددا. وهذا التباين انعكس في صيغ انتقاد علني، كالذي عبّر عنه فلاحت ‌‎‌بیشه.

ضغط الشارع وتوقعات الناخبين

فاز بزشکیان بدعم واسع من الشرائح الإصلاحية والطبقات الوسطى التي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية وفتح المجال العام. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن مؤشرات ملموسة على تحولات كبرى، مما أوجد فجوة متنامية بين الوعود والواقع.

لماذا يتهمه فلاحت ‌‎‌بیشه بإضاعة دعم الشعب؟

يرى العديد من المراقبين أن انتخاب بزشکیان كان رسالة من الشارع الإيراني تعكس رغبة في التغيير ورفضًا للسياسات المتشددة. غير أن عدم اتخاذ خطوات بارزة، سواء في إصلاح الاقتصاد، أو تمكين الحريات الثقافية والإعلامية، أو تحسين العلاقات الخارجية، أدى إلى إحباط جزء من مؤيديه.

كما أن الرئيس – وفقا لخصومه – حاول تقديم تنازلات كبيرة للتيارات الأصولية بهدف ضمان التعاون، لكن هذه التنازلات أدت إلى خسارته جزءًا من قاعدة الدعم الإصلاحية دون أن يكسب ثقة التيار المقابل بالكامل.

انعكاسات هذه التصريحات على مستقبل الرئيس

من المتوقع أن تترك هذه الانتقادات آثارا متعددة منها تزايد الاستقطاب داخل النخبة السياسية فقد تؤدي مثل هذه التصريحات إلى شقوق أعمق داخل التحالف المؤيد للرئيس، وازدياد جرأة الشخصيات السياسية على توجيه انتقادات علنية.

إضافة إلى إضعاف صورة الرئيس في الشارع، فإذا استمرت الاتهامات بالانفعالية وعدم الحسم، فقد تهتز صورة الرئيس كقائد قادر على صنع التغيير، مما يؤثر على رصيده الشعبي.

وأيضا دفع الرئيس لاتخاذ قرارات أكثر صلابة، فقد تجبر هذه الضغوط الرئيس على إعادة النظر في استراتيجيته القائمة على المصالحة، والانتقال نحو مواقف أكثر جرأة في مواجهة التدخلات والعرقلة السياسية.

وأخيرا من الممكن أن يكون هناك تأثير محتمل على الانتخابات المقبلة أو على تماسك الحكومة، ففي حال تدهورت العلاقة بين الرئيس ومراكز النفوذ، فقد تواجه الحكومة عراقيل أكبر في تمرير القرارات والميزانيات.

تمثل انتقادات حشمت‌‎‌الله فلاحت‌‎‌ بیشه للرئيس مسعود بزشکیان علامة جديدة على التحديات العميقة التي تواجه الحكومة في مسار “الوفاق الوطني” الذي وعدت به. فالتغريدة، رغم قصرها، حملت رسائل سياسية قوية تعبّر عن أزمة ثقة داخل أروقة الحكم، وعن شعور متزايد لدى بعض الساسة بأن الرئيس لم يترجم بعد الدعم الشعبي الذي حصل عليه إلى خطوات إصلاحية واضحة.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الرئيس الإيراني يقف أمام لحظة سياسية حاسمة: فإما أن يعيد بناء استراتيجيته ويُظهر حزما أكبر في إدارة الملفات الوطنية، أو يستمر الجدل حول “التصرف بعاطفية” و”دور الضحية”، وهو ما قد يضعف مكانة الحكومة من الداخل والخارج. ستظل الأسابيع المقبلة مؤشرًا مهمًا على قدرة الحكومة على تثبيت موقعها وتجاوز الضغوط، أو الدخول في مرحلة جديدة من الخلافات الداخلية التي قد تحد من قدرتها على تحقيق وعودها الانتخابية.