الملف النووي يعود للاشتعال.. قرار الوكالة يفتح جولة جديدة من التوتر بين إيران والغرب

في لحظة سياسية شديدة الحساسية تشهدها المنطقة، يعود الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث من جديد، وسط تقاطعات معقدة بين الدبلوماسية والضغط الدولي، وتداخل غير مسبوق بين مسار التفاوض وتحولات الإقليم، وبين اتهامات متبادلة، وتصعيد دبلوماسي، ومحاولات وساطة إقليمية، يجد هذا الملف نفسه أمام منعطف جديد يثير أسئلة عميقة حول مستقبل العلاقات بين طهران والغرب، واتجاه التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة.

قرار الوكالة… إدانة سياسية أم خطوة تقنية؟

فقد أصدر مجلس المحافظين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوم الخميس 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قرارا، باقتراح من دول الترويكا الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، مع الولايات المتحدة، أدان فيه إيران على عدم تعاونها مع الوكالة، وكلف المدير العام للوكالة، رفائيل جروسي، بأن يقدم إلى مجلس المحافظين، كل ثلاثة أشهر، تقريرا حول مدى التزام إيران بقرارات مجلس الأمن الدولي الست.

Image

وبموجب هذا القرار، تلزم إيران بوقف كامل لجميع الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، والتعاون مع الوكالة وفق اتفاقية الضمانات الشاملة والبروتوكولات الإضافية والكود المعدل 1/3، في حين تم اعتماد هذا القرار بتأييد 19 صوتا وامتناع 12 ومعارضة 3 أصوات، واتّهِمت طهران بعدم الالتزام بتعهداتها في إطار اتفاق الضمانات، وقد أستند القرار على التقرير الأخير لجروسي الذي شدد فيه على ضرورة حصول الوكالة فورا على معلومات دقيقة بشأن مخزون إيران المعلَن من المواد النووية.

وجاء في نص القرار أن إيران، واستنادا إلى القرارات الدولية التي أُعيد تطبيقها في سبتمبر/ أيلول 2025، ملزمة بتعليق جميع الأنشطة المتعلقة بالتخصيب وإعادة المعالجة، بما في ذلك البحث والتطوير والمشاريع المرتبطة بالمياه الثقيل، كما تم توجيه الطلب إلى إيران بالالتزام بالبروتوكول الإضافي وتزويد الوكالة بمعلومات كاملة عن وضع مخزون اليورانيوم المخصب والمنشآت الخاضعة للضمانات.

إيران تهاجم قرار الوكالة.. انهيار اتفاق القاهرة ورفض للتخصيب الصفري

على الجانب الأخر، فقد جاء رد إيران على قرار مجلس حكام الوكالة حادا ومتعدد المستويات، حاملا رسائل سياسية واضحة لا تقل قوة عن القرار نفسه، فقد أعلنت طهران أن اتفاق القاهرة، الذي أبرمته مع المدير العام للوكالة في سبتمبر/ أيلول الماضي لاستئناف التعاون بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، قد انهار تماما، فيما اعتبر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن القرار غير قانوني ونتاج ضغط أمريكي أوروبي مباشر، مشيرا إلى أن اتفاق القاهرة قتل كما قتلت الدبلوماسية في شهر يونيو/ حزيران 2025 على يد إسرائيل والولايات المتحدة، و بتواطؤ واضح من بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

 كذلك، فقد وروى عراقجي، خلال تصريحات له، ما وصفه بالمسار المؤسف والمخزي الذي قاد إلى هذه المرحلة، مشيرا إلى أن إسرائيل ثم الولايات المتحدة هاجمتا إيران بينما كانت على وشك بدء الجولة السادسة من المفاوضات النووية، وأن طهران، ورغم القصف، وقعت في القاهرة اتفاقا لاستئناف التفتيش، لكن الدول الأوروبية الثلاث سارعت، تحت ضغط واشنطن، إلى الدفع نحو عقوبات جديدة بدلا من دعم الجهد الدبلوماسي.

وأضاف وزير الخارجية الإيراني أن بلاده وفرت لاحقا وصول المفتشين إلى مواقع لم تتعرض للقصف، لكن الولايات المتحدة والأوروبيين، على حد وصفه، قد اختاروا معاقبتنا بدلا من الاعتراف بحسن النية، مؤكدا أن إيران ليست هي الطرف الساعي لخلق أزمة جديدة، بل الغرب الذي يريد التصعيد ويعرف أن إجهاض اتفاق القاهرة نتيجة مباشرة لاستفزازاته.

وأعاد عراقي التأكيد على أن إيران مستعدة لاتفاق جديد منصف ومتوازن، لكنها لن تقبل بأي إملاءات، وفي مقدمتها مطلب التخصيب الصفري، مؤكدا أن التخصيب جزء من السيادة العلمية لبلاده ومرتبط بدماء علماء اغتيلوا، وأن إيران، رغم رفضها السلاح النووي واستعدادها للشفافية، ترفض أي إطار تفتيش يستغل لأغراض سياسية ضدها.

وفي سياق متصل، شددت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان رسمي لها على أن القرار غير قانوني وغير مبرر، ويعكس استخداما سياسيا مسيئا للوكالة، وقد جاء في بيانها” تعتبر وزارة الخارجية الإيرانية أن قرار مجلس، الذي تم تمريره بضغط من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا على الدول الأعضاء في الوكالة، قرارا غير قانوني وغير مبرر، وإن تحرك الدول الأوروبية الثلاث والولايات المتحدة لصياغة وفرض هذا القرار على مجلس المحافظين، يشكل دليلا واضحا آخر على نهجهم غير المسؤول وإصرارهم على استخدام الوكالة أداة للضغط على طهران”.

إيران والوكالة والتفاوض… علاقة متوترة ومستقبل غامض

مرت العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال السنوات الماضية بمحطات من الشد والجذب، لكن المرحلة الأخيرة بدت الأكثر حساسية بعد الهجمات التي تعرضت لها منشآت نووية إيرانية، فطهران ترى أن الوكالة لم تقدم الحد الأدنى من الحياد المطلوب، وأنها تجاهلت، أو تجنبت، إدانة الهجمات التي طالت مواقع تخضع رسميا لاتفاقيات الضمانات الدولية، بل وتذهب إيران أبعد من ذلك حين تتهم بعض الدول الغربية بمحاولة استغلال الوكالة كأداة للضغط السياسي من خلال دفعها نحو لهجة أكثر تشددا في تقاريرها.

 في المقابل، تتمسك الوكالة بموقفها القائل إن إيران لم تقدم بعد التوضيحات المطلوبة بشأن مواقع تم العثور فيها على آثار مواد نووية، وإن مستويات التخصيب الحالية تتجاوز مستويات الحاجة التشغيلية المعتادة.

 وبين هذا وذاك، يحاول جروسي تقديم خطاب متوازن إلى حد ما، مؤكدا أن إيران لا تسعى لإنتاج سلاح نووي وأن ما تقوم به يدخل في إطار التطوير التقني، إلا أن هذه اللغة لا تبدو كافية لردم فجوة عدم الثقة، فيشير محللون إلى أن مستقبل العلاقة بين الجانبين مرهون بقدرة كل طرف على تجاوز الشكوك المتراكمة واستعادة الحد الأدنى من التعاون الفني، وإلا فإن مسار التفتيش سيبقى جزءا من لعبة أكبر تتجاوز الإطار التقني إلى حسابات سياسية واستراتيجية.

هذا فيما تعيش المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة مرحلة من التعقيد الاستثنائي، بعدما امتزج المسار الدبلوماسي بالحسابات العسكرية في مشهد غير مسبوق، فبحسب الرواية الإيرانية، لم يكن انهيار الجولة السادسة من محادثات يونيو/ حزيران 2025 مجرد تعثر طبيعي، بل نتيجة مباشرة للهجمات التي شنتها إسرائيل، بدعم أمريكي، وفق تقدير طهران، على منشآت نووية داخل الأراضي الإيرانية، كما ترى طهران أن هذه الهجمات غيرت معادلة المشهد، وأدخلت عنصرا عسكريا في قلب العملية التفاوضية، الأمر الذي عمق أزمة الثقة مع الجانب الأمريكي وجعل أي تقدم لاحق مشروطا بضمانات أمنية.

وبموازاة ذلك، تبرر طهران تشديد القيود على عمليات التفتيش الدولية باعتبارها ضرورة أمنية لا بد منها في ظل مخاطر تكرار الهجمات ولكن تلك المرة بشكل أكثر دقة، موضحة أن فتح المواقع النووية كما كان معمولا به قبل الهجمات لم يعد ممكنا دون حسابات دقيقة، ويبدو أن هذه التطورات زادت من اتساع الهوة بين الجانبين، وجعلت أي محاولة لاستئناف المفاوضات مرهونة بتبديد مخاوف أمنية تعتبرها إيران غير قابلة للتجاهل، الأمر الذي يضع المفاوضين أمام واقع معقد تتداخل فيه السياسة مع الأمن، والدبلوماسية مع الضربات الميدانية.

السعودية كوسيط… إعادة رسم المشهد الإقليمي من بوابة النووي

وعندما بدأ الوضع معقد ويحتاج لطرف ثالث، وبعد انهيار اتفاق القاهرة، برزت السعودية في الأشهر الأخيرة كلاعب محوري في جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وهو تحول يكتسب أهمية استثنائية في ظل التحولات الإقليمية التي أعقبت المصالحة بين الرياض وطهران، وتشير تصريحات الخبراء إلى أن الدور السعودي يتجاوز الوساطة التقليدية، إذ يجمع بين الثقل الاقتصادي والقدرة على التأثير في واشنطن، بحكم العلاقة الاستراتيجية الممتدة بين البلدين.

Image

ويعتبر مراقبون أن دخول السعودية على خط النزاع النووي جاء نتيجة إحساس عربي عام بتراجع موثوقية الالتزامات الأمريكية، خصوصا بعد الهجمات الإسرائيلية على قطر في أغسطس/ آب 2025 من دون رد أمريكي حاسم، وهو ما دفع الرياض إلى تبني دور ضامن توازن في المنطقة.

 هذا الدور لا يقرأ بمعزل عن حسابات داخلية وإقليمية أعمق، فالسعودية تسعى إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي بما يخدم مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وفي الوقت نفسه تحاول منع أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة قد ينعكس على أمن الخليج، وبالنسبة لإيران، فإن الوساطة السعودية قد توفر فرصة لاستئناف مفاوضات كانت على وشك الانهيار الكامل، خاصة أن الرياض تمتلك القدرة على التواصل مع واشنطن وإيصال مخاوف طهران بطريقة أكثر تأثيرا من وسطاء سابقين مثل قطر أو سلطنة عمان، وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الساحة الإقليمية أمام صيغ جديدة للتحرك السياسي، تتداخل فيها المصالحة مع الدبلوماسية النووية، في مشهد يعيد تشكيل قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.

إعادة رسم معادلة التخصيب.. بين خطوط إيران الحمراء والحاجة إلى حل وسط

تذهب العديد من الأطروحات السياسية داخل إيران إلى ضرورة إيجاد مساحة وسط يمكن من خلالها لضمانات الأمن القومي الإيراني أن تتعايش مع متطلبات المجتمع الدولي بشأن الشفافية والرقابة، ويطرح ضمن هذا الإطار خيار العودة إلى مستوى تخصيب عند حدود 3.7%، وهو السقف الذي نص عليه الاتفاق النووي لعام 2015، وتعتبره الدول الغربية مستوى آمنا للاستخدامات الطبية والبحثية، ولا يمكن تحويله بسهولة لأغراض عسكرية، ويرى سياسيون إيرانيون، خصوصا من التيار الإصلاحي، أن القبول بهذا السقف، ولو مؤقتا، قد يشكل خطوة لبناء الثقة، خاصة إذا جرى تعليقه إلى فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بما يعطي انطباعا بأن إيران راغبة في تهدئة التوتر وليس في التصعيد.

Image

في مقابل ذلك، تبرز فكرة إنشاء كونسورتيوم إقليمي يضم دول الخليج، وعلى رأسها السعودية وعمان والإمارات، ليكون شريكا في الإشراف على النشاط النووي الإيراني، وتبدو هذه الفكرة أكثر قبولا داخل الأوساط السياسية الإيرانية، لأنها تمنح طهران هامش سيادة أوسع مقارنة بإشراك الدول الغربية مباشرة في عملية الإشراف، وفي الوقت نفسه تساهم في طمأنة دول الجوار بأن برامج إيران النووية تسير ضمن مسارات سلمية.

 كما يجري الحديث عن نموذج ثان يتمثل في تشكيل كونسورتيوم مشترك بين إيران والولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، غير أن هذا الخيار يبقى أكثر حساسية بسبب انعدام الثقة بين طهران وواشنطن. ومع ذلك، فإن الطروحات المختلفة تعكس اتجاها عاما مفاده أن معادلة التخصيب ليست مغلقة، وأن الوصول إلى حل وسط ممكن إذا استند إلى ضمانات متبادلة تحترم الخطوط الحمراء الإيرانية وتحقق في الوقت ذاته الحد الأدنى من المتطلبات الدولية.

من هنا إلى أين؟

يوحي الوضع الراهن بأن الطريق بين إيران والوكالة، وبين إيران والولايات المتحدة، لا يزال معقدا ومفتوحا على كل الاحتمالات، فإيران ترفض التخلي عن برنامج تخصيبها، وفي المقابل تواصل الوكالة والدول الغربية الضغط عبر القرارات والعقوبات. لكن في الوقت ذاته، يبدو أن كل الأطراف، رغم التصعيد الكلامي، تدرك أن الحل العسكري أثبت محدوديته، وأن العودة إلى الدبلوماسية قد تكون المسار الوحيد لتجنب انفجار أكبر في المنطقة.

السعودية تتحرك بخطى محسوبة، الولايات المتحدة ترسل إشارات متباينة، أوروبا تتراوح بين دعم الضغوط وتحذير من التصعيد، وإيران تمازج بين الصمود والمرونة المشروطة، ويمكن القول إن قرار مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الشد والجذب بين إيران والغرب، إلا أنه يكتسب أهمية مضاعفة هذه المرة لأنه يأتي في لحظة إقليمية مضطربة، ولأن إيران، برغم الضغوط العسكرية والسياسية، ما زالت ثابتة على موقفها القائل اتفاق عادل نعم، أما التخصيب الصفري، فلا.

وبينما تقف المنطقة على حافة تحولات عميقة، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه البوصلة نحو التصعيد، أم نحو اتفاق جديد يعيد ترتيب الأوراق الإقليمية والدولية.

كلمات مفتاحية: