- زاد إيران - المحرر
- 423 Views
شهدت الساحة الإعلامية الإيرانية مؤخرا توترا غير مسبوق، بعد أن أثارت تقارير صحفية إصلاحية جدلا واسعا حول تغطية بعض القضايا الاجتماعية والجنائية، تصاعدت الانتقادات بسبب أسلوب عرض الصور واختيار الرموز المستخدمة في التقارير، ما اعتبر مسيئا أو مستفزا لفئات معينة من المجتمع. هذا الجدل لم يقتصر على الصحافة فقط، بل امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومواقف الإعلاميين البارزين، الذين أثاروا نقاشا حول حدود الحيادية المهنية ودور الإعلام في نقل الأحداث الحساسة، في ظل أجواء من التوتر السياسي والاجتماعي المتصاعد.
فقد أكد محمد جواد روح، رئيس تحرير صحفية هم ميهن الإصلاحية، الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول توقف موقع الصحيفة عن العمل للمرة الثانية في تاريخ الصحيفة، دون أن يتم إعلام إدارة الصحيفة بأي سبب رسمي أو محدد لهذا الإجراء، وأوضح أن الصحيفة قدمت توضيحات ومستندات حول التقرير المنشور في عدده ليوم الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما يخص قضية الممثل الإيراني بزمان جمشيدي، إلى النيابة الثقافية والإعلامية، مشددا على أن توقف الموقع لا يرتبط بالتقرير أو محتوى العدد.

وأشار روح إلى أن التقرير تناول قضية مثيرة تتعلق بأحد مشاهير السينما، وقال: “قمنا بأداء مسؤوليتنا المهنية فقط، وأجرينا مقابلات شاملة مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المدعي ومحامي المتهم بزمان جمشيدي”.
وشدد رئيس التحرير على أن الصحيفة لم تسعَ لإثارة جدل حول الحجاب ولم تصدر أي تصريحات ضده، مؤكدا أن الصحيفة دائما معارضة لتقسيم المجتمع حول هذه القضية، وأضاف أن ردود الفعل الأخيرة ناتجة عن أجواء تهيئها بعض التيارات التي تغذي الانقسامات الاجتماعية، مشيرا إلى أن الصحافة الاجتماعية تهدف إلى متابعة القضايا المهمة المطروحة على الصعيد العام.
وأوضح أن مراعاة الحساسية دفعت الصحيفة إلى عدم وضع اسم أو صورة جمشيدي في الصفحة الأولى للعدد، حفاظا على الحيادية المهنية، واختتم تصريحاته بالتأكيد على تقديم جميع التوضيحات والمستندات اللازمة للسلطات القضائية، معربا عن أمله في أن تعالج قضية الممثل السينمائي بهدوء ووفق مبادئ العدالة، بما يضمن حقوق جميع الأطراف.
ما القصة؟
حسبما ذكر موقع فرارو التحليلي الإيراني في تقريره الأربعاء 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فقد شهدت صحيفة هم میهن يوم الثلاثاء المذكور حدثا غير مسبوق منذ ساعات الصباح الأولى، إذ انهالت المكالمات على قسم التحرير بشكل متواصل، معظمها شتائم وتهديدات، بعد نشر تقرير في القسم اجتماعي، وتصدره الصفحة الأولى، بعنوان الأسرار غير المعلنة لقضية النجم الكبير، يتعلق بالمزاعم الموجهة ضد الممثل الإيراني بزمان جمشيدي، الضغط المتصاعد الذي أدى إلى إغلاق موقع الصحيفة، وإيقاف تحديث حساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي مثل تلغرام وإنستغرام.

هذا وقد تألف التقرير من ثلاثة أقسام، أولها مقابلة مع المدعي ووالدته، مقابلة مع محام متخصص في هذه القضايا لشرح الفجوات القانونية، ومقابلة مع محامي جمشيدي، حيث شكل القسمان الأولان جوهر التقرير، بينما خصص القسم الثالث صفحة مستقلة للرد القانوني للممثل، وقد التزمت الصحيفة، وفق تصريحات مدير تحريرها، في إعداد التقرير بمبادئ الكتابة المهنية، مع مراعاة الحيادية والموضوعية، إذ لم يتم استخدام اسم أو صورة جمشيدي في الصفحة الأولى.

بدأت أزمة المكالمات الهاتفية منذ الصباح الباكر، وازدادت حدتها بعد الظهر، حيث كانت جميع الخطوط الأربعة للصحيفة ترن أحيانا في الوقت نفسه، وكشفت التحقيقات أن إحدى القنوات المعروفة على تلغرام نشرت لقطة شاشة تحتوي على رقم الهاتف وعنوان الصحيفة قبل حظر الموقع، وأثار بعض مستخدمي شبكة إيتا، أحد أشهر مواقع التواصل الإيرانية، جدلا حول اختيار صورة الصفحة الأولى، معتبرين أن استخدام الصورة الزخرفية الخارجية من يمثل إهانة للمقدسات، حيث ظهرت امرأة ترتدي الحجاب الإيراني بالكامل، وهو ما أدى إلى موجة كبيرة من الشتائم والتهديدات.
على منصات إيتا وتلغرام وتويتر، تصاعدت التهديدات، بما في ذلك رسائل من حسابات دينية متشددة، حيث كتب أحدهم: “ماذا نفعل مع فاجري صحيفة هم میهن؟ نفس ما فعلناه مع الكفار العلمانيين في صحيفة شارلي إيبدو”، مشيرا إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد الصحيفة، وقد أثار ذلك القلق في تحرير الصحيفة بشأن احتمال تعرض مكتبها أو الصحفيين لهجوم فعلي.
إلى جانب ذلك، نشر أحد مقدمي البرامج التلفزيونية، وهو محمد رضا شهبازي، نصا مسيئا للصحفيين، أعيد تداوله على القنوات المتشددة على تلغرام وإيتا، حيث قال: “المنحطون الذين تفوح منهم روائح الفساد في حياتهم الظاهرة والخفية، حتى عندما يريدون تناول قضية اغتصاب أحد أقرانهم الذين كانوا حتى الأمس يقدرونه ويغدقون عليه المدح، يستخدمون صورة المرأة المحجبة، الشاكية والمتهم في هذه القضية من نفس جنسكم، من طبقتكم، بسلوكيات وميول وملابس تشبهكم”.

وفي منشور آخر على حسابه على منصة إكس، قال: “أيها الأوغاد الفاسدون! أرجل النساء العفيفات والمحجبات بريئة من القذارة التي تتدحرجون فيها ليل نهار، والتي أحيانا تظهر بهذا الشكل الفظيع. استخدموا صورة أحدكم، أحد هؤلاء الذين يعيشون حياة ليلة واحدة ومليئة بكل أنواع الفساد والقذارة، أحد هؤلاء الذين يتدحرجون في غرف التحرير مثل الخنازير، بلا حرمة بين المحرم وغير المحرم، أحد هؤلاء الذين يقفزون أمام العدسات السينمائية ويستعدون للذهاب إلى بيوت الآخرين مقابل عقد”.
كذلك، فقد دخلت وكالات الأنباء مثل فارس وتسنيم على خط الأزمة، حيث أشارت تقاريرها إلى أن الصفحة الأولى احتوت على صورة مأخوذة من مصدر محدد، وأن التقرير نفسه التزم بالمعايير المهنية، رغم أن تسنيم ذكرت أن الكاتب سبق أن أُدين في قضية فتنة مهسا عام 2022، وأكدت تسنيم أن صحيفة هم میهن خلال سنوات عملها تلقت عدة تحذيرات من هيئة الرقابة على الصحف، وأن إحدى المخالفات تم تحويلها للقضاء، وما زال القرار القضائي معلقا.
ومنذ ظهر يوم الثلاثاء، استمر وصول المكالمات الهاتفية والتهديدات، بينما واصل محررو الصحيفة العمل على الرد على هذه الرسائل وحماية سلامة الكادر التحريري والإداري، وحتى ظهر يوم الأربعاء، استمر وصول بعض المكالمات، مع متابعة الجهات القانونية المختصة للقضية، ومن المتوقع أن تناقش هيئة الرقابة على الصحف الموضوع الأسبوع المقبل.
إهانة لا يمكن أن تكون صدفة
كونها المنبر الإعلامي الأصولي الأكبر، فقد نشرت صحيفة كيهان الشهيرة مقالا في صفحتها الأولى تحت عنوان “انتقام صحيفة إصلاحية من الحجاب”، قالت فيه: “حظيت أخبار شكوى فتاة شابة ضد ممثل بتهمة الاعتداء الجنسي في الأيام الماضية بتغطية واسعة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن يوم أمس ركزت صحيفة هم میهن في تقريرها الرئيسي على إعادة سرد هذه القضية ومقابلة الشاكية ووالدتها، وبغض النظر عن مدى مطابقة تفاصيل الاتهام في التقرير للواقع وللمعايير المهنية للعمل الإعلامي، فإن تصرف الصحيفة بنشر صورة كبيرة لامرأة محجبة على الصفحة الأولى للتقرير، رغم عدم ارتباطها بالشاكية أو ملابسها الفعلية، واجه موجة واسعة من الانتقادات والاعتراضات، فنشر صورة زخرفية لامرأة ترتدي الحجاب في سياق قضية الاعتداء الجنسي يعد غير مهني وغير أخلاقي إلى درجة لا يمكن اعتبارها صدفة، ويجب الاعتراف بأن هذا الأمر متجذر في خبث وكراهية هذه الفئة للحجاب”.

وتساءلت الصحيفة: “هل يمكن اعتبار ذلك صدفة، في ظل نشاط وسائل الإعلام المعادية والعديد من القنوات والصفحات المستمدة منها، التي تروج بشدة لمناهضة الحجاب والهجوم على النساء المحتشمات؟ هل كان القائمون على هذه الصحيفة الإصلاحية غير مهنيين لدرجة أنهم لم يدركوا تأثير الصورة المحجبة على القارئ ضمن تقرير قضية الشاكية وتفاصيل كيفية تعرفها على المتهم؟ الاحتمال الأكبر أن ذلك خداع للنفس، من فوائد الحجاب وأبرز النقاط التي يتم التأكيد عليها في دعمه، الحماية من العديد من الاعتداءات والأضرار، فهل يمكن اعتبار الإيحاء الكاذب بأن الشاكية محجبة في هذه القضية إعلانا سلبيا للحجاب؟”.
وتتابع: “بعد اعتراض واسع على إهانة الصحيفة للحجاب، حاول مسؤولو الصحيفة تبرير الأمر من خلال إصدار توضيحات، والتي كانت في حد ذاتها عذرا أقبح من الذنب، حيث جاء في التوضيح أن لإجراء مقابلة مع الشاكية الشابة في قضية جمشیدی، تم استخدام صورة غامضة، وهي بطبيعة الحال مغطاة لتجنب التعرف عليها، كما أن الشاكية غير راغبة حاليا في الكشف عن اسمها، وبالمثل لا يمكن نشر وجهها، ولا يمكن استخدام صورة بدون حجاب كصورة رمزية أو زخرفية، لذلك، أي استنتاج آخر فهو باطل أو غير مبرر، وفي بعض الحالات يخلو من الدوافع السياسية، ومع ذلك، يعرف مسؤولو الصحيفة أن هذه التوضيحات غير مقبولة إطلاقا، وكان بإمكانهم استخدام صور زخرفية أخرى دون الحاجة لاختيار صورة امرأة محجبة”.
وتضيف كيهان نقلاً عن وكالة أنباء تسنيم: “تناولت تسنيم قضية نشر صورة امرأة محجبة في التقرير قائلة إن الادعاءات المقدمة من الشاكية حول تفاصيل الحادثة ليست محل النقاش هنا، ويجب على الشاكية ووسيلة الإعلام التي نشرتها أن يتحملوا المسؤولية عنها، لكن النقاش الأساسي يتعلق بإجراء الصحيفة في اختيار الصورة المتعلقة بهذه المقابلة، صورة لامرأة ترتدي الحجاب الأسود مع نقاب وطلاء أظافر أحمر! وهو إجراء أثار ردود فعل واسعة واعتبره كثيرون عمداً، إذ يمثل إهانة للحجاب وفيما بعد إهانة للزي التقليدي والشائع لشريحة كبيرة من النساء في بعض مناطق إيران».
وتتابع نقلا عن تسنيم: “إن التوافق كان شعارا رئيسيا لحكومة مسعود بزشكيان، لكن صحيفة هم میهن وحلفاؤها في فضاء الحكومة، ومن وراء هذا الشعار، هاجموا من أرادوا واعتبروه ضد الاتفاق، إن موضوع الاعتداء والاغتصاب وأسبابه ودوافعه يجب أن يُبحث في الوقت المناسب، لكن حين يرى بعض علماء الاجتماع والخبراء أن لباس النساء والفتيات وطبيعة تعاملهن مع الرجال وحرية الأسرة في العلاقات بين الأبناء تشكل أرضية لحدوث مثل هذه الجرائم، فإن مجموعة من وسائل الإعلام، التي عادة تدرج هم میهن ضمنها، تدعي بسرعة وبغفلة مقصودة أن المتحدثين يركزون فقط على الحجاب واللباس والسيطرة، ويحاولون من خلال توتير الأجواء والإهانة والتزوير قلب المعنى الأصلي للآراء المطروحة”.
أنتم الخاسرون
على الجانب الآخر، وعلى وقع الأحداث، انتقد الكاتب الصحفي الإصلاحي الشهير، أحمد زيد آبادي، الرقابة الإعلامية في بوست نشره على تلجرام، قال فيه: “الآن، نشر الصحيفة لا يحقق سوى الخسائر الاقتصادية وتحمل الضغوط النفسية والأمنية، بالإضافة إلى الشتائم من الناس الذين لا يرضون بالقليل، لذلك، أنتم الخاسرون”.

وأضاف زيد آبادي: “في دولة لا يمكن فيها إعداد تقرير حتى عن قضية جنائية خاصة، فما الحاجة أصلا لوجود صحيفة؟ فالإذاعة والتلفزيون وكيهان وشركائهم يكفون، في هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة، نشر صحيفة مستقلة ليس امتيازا تمنحه الحكومة للإعلاميين، بل هو امتياز يمنحه الإعلاميون للحكومة، لذلك، كلما ألغي امتياز صحيفة هم میهن ومنع نشرها بسرعة، سيكون ذلك خدمة لصاحب الامتياز والمدير المسؤول، الذي سيتخلص من التواجد الدائم في أروقة النيابة والمحاكم، ولن يضطر في نهاية كل شهر لتحمل ديون لتسديد رواتب الصحفيين والموظفين، وأيضا سيكون ذلك خدمة لتحرير الصحيفة، التي لن تضطر لتحمل عبء انعدام الأمان، والشكوى، والاستدعاء من أجل الحصول على رواتب زهيدة”.

