من الهامش إلى القانون.. تحولات سياسة إيران تجاه العمالة الأفغانية والزواج المختلط

كتبت: كريمة هاني 

تشهد إيران في المرحلة الراهنة حراكاً تشريعياً وإدارياً واسعاً يهدف إلى معالجة ملفين من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية حساسية وتعقيداً: تنظيم الزواج بين المواطنين الإيرانيين والأجانب، وضبط الوجود المتنامي للعمالة والمهاجرين الأفغان داخل البلاد. وتأتي هذه الخطوات في إطار مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة السياسات المتعلقة بالهجرة والعلاقات الاجتماعية العابرة للحدود، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الوطني والاعتبارات الإنسانية والاقتصادية. وبينما تسعى السلطات إلى تحويل الزيجات غير المسجلة إلى علاقات قانونية تضمن حقوق النساء والأطفال، تواجه في الوقت نفسه تحدياً متزايداً في السيطرة على موجات الهجرة غير الشرعية القادمة من أفغانستان.

الأهمية الاستراتيجية للعمالة الأفغانية في الاقتصاد الإيراني

تشكل العمالة الأفغانية عماداً حيوياً في قطاعات إيرانية رئيسية مثل البناء والزراعة والصناعة. وأشارت تقارير إلى أن انخفاض أعدادهم أدى إلى ارتفاع كبير في الأجور، حيث تضاعفت أجور العمال البسطاء تقريباً، وارتفعت أجور العمال المهرة إلى نحو ضعفين ونصف، مما عطّل العديد من الورش والمشاريع الإنتاجية. وحذر البرلماني أحمد نادري من أن “الخروج المفاجئ للعمال الأفغان سيؤدي إلى أزمة حقيقية في سوق العمل والإنتاج”.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار اعتماد إيران على هذه العمالة أصبح ضرورة اقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يخلق تحديات اجتماعية تتعلق بالتوازن في سوق العمل المحلي والاندماج الثقافي للمهاجرين.

خطة إصدار تأشيرات العمل 

أعلنت الحكومة الإيرانية عن بدء تنفيذ خطة شاملة لإصدار تأشيرات عمل خاصة للعمال الأجانب، وخصوصاً الأفغان، اعتباراً من مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2025، بالتعاون بين وزارات الداخلية والخارجية والتعاون والعمل والرفاه الاجتماعي. وتستهدف الخطة إصدار نحو 200 ألف تأشيرة عمل في مرحلتها الأولى، في خطوة تهدف إلى تنظيم وجود العمالة الأجنبية وضمان أولوية العمال الإيرانيين ومنع العمالة غير المشروعة.

وسيتم تقديم طلبات التأشيرات عبر منصة إلكترونية حكومية مخصصة، بما يتيح لأصحاب العمل تسجيل احتياجاتهم من العمالة الأجنبية بطريقة شفافة ومنظمة. ولن يُسمح بتوظيف العمال الأجانب إلا في حال عدم توفر أي عامل إيراني مناسب لتلك الوظيفة، ما يضمن أولوية التشغيل للمواطنين الإيرانيين.

وتُمنح تأشيرة العمل للعامل الأفغاني الحاصل على جواز سفر سارٍ وتزكية من صاحب العمل، وتكون مدتها تسعة أشهر قابلة للتجديد بشروط محددة. ويهدف هذا النظام إلى توثيق ورصد وضع العمالة القانونية، ومنع دخول العمالة غير المشروعة، مع تسهيل عملية المراقبة الحكومية وتقليص دور الوسطاء والسماسرة. كما يسعى إلى ضمان علاقة عمل قائمة على القوانين، تكفل حقوق العمال الإنسانية والوظيفية، مقابل التزامهم بسداد الضرائب والتأمينات الاجتماعية.

Image

التكاليف والمخاطر المصاحبة للوجود الأفغاني في إيران

بالرغم من خطط التنظيم، تظل التكاليف والضغوط الناتجة عن الوجود الأفغاني في إيران هائلة، إذ تُقدّر الحكومة إنفاق أكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً لدعم معيشة المهاجرين الأفغان، خاصة في مجالات الخبز والوقود والطاقة، حيث يبلغ نصيب هذه الفئة من الدعم الحكومي نحو 5 مليارات سنوياً، في وقت لا يسدد فيه أغلبهم ضرائب أو تأمينات اجتماعية. كما تسبب ازدياد عدد المهاجرين في رفع أسعار الإيجارات والمساكن، فيما يدرس في طهران وحدها أكثر من مئتي ألف طالب أفغاني يحتاجون إلى آلاف الفصول الدراسية، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على النظامين التعليمي والصحي. إلى جانب ذلك، تتزايد المخاوف الأمنية من احتمال استغلال بعض المهاجرين غير الشرعيين في أعمال تجسس أو تخريب، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تشديد إجراءات الرقابة والمتابعة الأمنية.

الموقف الأفغاني من تنظيم العمالة والهجرة إلى إيران

نفت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في أفغانستان وجود أي اتفاق رسمي مع إيران بشأن إرسال العمال الأفغان، وحذّرت من أن بعض الأفراد والشركات يتقاضون أموالاً من المواطنين بشكل غير قانوني بذريعة تسجيل أسمائهم للعمل في إيران. وأكدت الوزارة أن إيفاد العمالة يتم حصراً عبر القنوات القانونية وبعد توقيع اتفاقيات رسمية بين الجانبين. 

من جهتها، انتقدت طهران الحكومة الأفغانية لعدم قيامها بـ”جهد جادّ” للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الأراضي الإيرانية.

تقنين الزواج من الأجانب

يُعد الزواج المختلط، خصوصاً بين الإيرانيات والأجانب مثل الأفغان، من أبرز التحديات القانونية والاجتماعية في البلاد، إذ تشترط المادة (1060) من القانون المدني حصول المرأة الإيرانية على إذن خاص من وزارة الداخلية للزواج من أجنبي. وقد أدى هذا الشرط إلى بقاء عدد كبير من هذه الزيجات داخل الإطار “الشرعي” فقط، دون توثيق رسمي، فيما تشير الإحصاءات إلى وجود نحو ثمانين ألف حالة زواج بين الإيرانيين والأفغان، معظمها يفتقر إلى التسجيل القانوني الكامل.

Image

التحول نحو الإطار القانوني المنظم

أعلنت وزارة الداخلية، عبر رئيس مركز شؤون الأجانب والمهاجرين نادر ياراحمدي، عن خطة لتحويل هذه الزيجات من وضعها “الشرعي” إلى “قانوني منظم”، في خطوة تهدف إلى حل الإشكالات الناتجة عن الزواج غير المسجل. ويُنتظر أن يتيح هذا النظام الجديد توثيق العلاقات المختلطة رسمياً، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف المعنية

الأهداف والفوائد الاجتماعية المتوقعة

تركز الخطة الحكومية على معالجة المشكلات الناتجة عن غياب التوثيق القانوني، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال. فالزيجات غير المسجلة تحرم النساء من حقوق الميراث والتأمين والخدمات الاجتماعية، وتمنع الأطفال من الحصول على هوية أو جنسية رسمية. ويُتوقع أن يسهم التقنين في منح النساء والأطفال هوية قانونية، وضمان حقهم في التعليم والرعاية الصحية، وتقليص الظواهر الاجتماعية السلبية المرتبطة بالزواج غير الموثق.

الجدل والمخاوف المجتمعية

أثار المشروع جدلاً واسعاً داخل إيران بين مؤيد يرى فيه خطوة إنسانية ضرورية، ومعارض يحذر من تداعياته الديموغرافية والاجتماعية. فبينما يرى المؤيدون أنه يسهم في تعزيز التفاهم الثقافي وحماية الأسر الهشة، يحذر المعارضون من أن الاعتراف القانوني بهذه الزيجات قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الهجرة، ويزيد الضغط على الخدمات العامة والتعليم والإسكان، فضلاً عن مخاوف من تغيّر في التركيبة السكانية والهوية الثقافية. وقد أقرت اللجنة البرلمانية المشتركة نحو 17 بنداً من المادة الأولى ضمن هذا القانون، مع توقع اكتمال المناقشات خلال الأشهر المقبلة.

في الختام، ورغم الطابع التقني والإداري للإجراءات الإيرانية الجديدة، فإنها تنطوي على اعتراف ضمني بعجز السياسات الأمنية التقليدية عن إدارة ملف الهجرة الأفغانية بمفردها. فخطة تأشيرات العمل لا تعكس فقط حاجة الاقتصاد الإيراني إلى هذه العمالة، بل أيضاً سعياً لتحييد الآثار الاجتماعية السلبية لوجودها غير المنظم. وبالمثل، فإن تقنين الزواج المختلط هو محاولة لمعالجة إشكالية “اللاقانونية” التي خلقت فئات هشة داخل المجتمع. يبقى التحدي الأكبر لهذه الرؤية الشاملة هو قدرتها على تجاوز التناقض القائم بين الاعتماد الاقتصادي على العمالة الأفغانية والرهانات الأمنية والهوياتية المرتبطة بها. نجاحها مرهون ليس فقط بالفعالية المؤسسية، بل وبقدرة طهران وكابل على تطوير رؤية مشتركة تتعامل مع قضية الهجرة ليس كعبء، بل كواقع جيوسياسي يحتاج إلى تدبير مشترك.

كلمات مفتاحية: