- زاد إيران - المحرر
- 706 Views
أعاد الجدل الدائر حول شروط تولي المناصب المحلية إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بمعايير الكفاءة، وحدود التشريع، وطبيعة الإدارة الحضرية في المدن الكبرى. ففي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات الحضرية، بات اختيار القيادات المحلية قضية تتجاوز النصوص القانونية إلى نقاش أعمق حول الخبرة، والقدرة على الإدارة، والاستجابة لتعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي. هذا النقاش، الذي يتقاطع فيه القانون بالسياسة والإدارة، يطرح تساؤلات حاسمة حول مدى ملاءمة الأطر التنظيمية الحالية لمتطلبات المدن الحديثة، وحول التوازن المطلوب بين التخصص الأكاديمي والجدارة العملية في قيادة الشأن العام المحلي.
كيف بدأت القصة؟
في الأشهر الأخيرة، برز ملف تقييد التخصصات الدراسية لمرشحي رئاسة البلديات بوصفه واحدا من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي والإداري الإيراني، ولا سيما فيما يتعلق برئاسة بلدية طهران، فقد تحول هذا الملف من نقاش تقني حول شروط قانونية إلى ساحة صراع مفتوحة بين الحكومة، ورئاسة البرلمان، والمجالس البلدية، وعدد كبير من الشخصيات السياسية والإدارية البارزة، لما حمله من أبعاد تتعلق بطبيعة الإدارة الحضرية وحدود التسييس في اختيار القيادات المحلية.
بدأت القضية فعليا عندما أقر مجلس الوزراء في شهر أغسطس/ آب 2025 اللائحة التنفيذية للتخصصات الدراسية المرتبطة باختيار رئيس البلدية، هذه اللائحة، التي جاءت مرفقة بجدول تفصيلي للتخصصات المقبولة، حصرت أهلية الترشح في عدد محدود من الاختصاصات الأكاديمية، وأغفلت تخصصات واسعة مثل الهندسة الكهربائية، والهندسة الميكانيكية، والإدارة التعليمية، والدراسات الحوزوية، وجميع فروع الطب، هذا التقييد الصارم أثار منذ اللحظة الأولى تساؤلات جدية حول معاييره ومنطلقاته، خصوصا أن البلديات تعد من أكثر المؤسسات العامة تنوعا من حيث المهام والقطاعات.

وفي نسختها الأولى، احتوت اللائحة على مادة رابعة خففت نسبيا من حدة هذا التقييد، إذ نصت على إعفاء كل من شغل منصب رئيس بلدية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، سواء بشكل متواصل أو متقطع، من شرط امتلاك شهادة جامعية في التخصصات الواردة في اللائحة، هذه المادة فتحت المجال أمام شخصيات تمتلك خبرة عملية طويلة في الإدارة البلدية، وأعادت إلى دائرة المنافسة أسماء بارزة، من بينها رئيس بلدية طهران الحالي عليرضا زاكاني، الذي كان يعد من أبرز المرشحين للاستمرار أو العودة إلى المنصب.
غير أن هذه المادة لم تصمد طويلا، حيث أعتبر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، أن المادة الرابعة تخالف القانون، مستندا إلى الصلاحيات المخولة له بموجب الدستور، بناء على اعتراضه، أُعيدت اللائحة إلى الحكومة لإعادة النظر فيها. ليقرر مجلس الوزراء في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 حذف المادة الرابعة بالكامل، ما شكل نقطة تحول حاسمة في مسار هذا الملف، فقد أدى حذف المادة الرابعة عمليا إلى إقصاء عدد كبير من الشخصيات السياسية والإدارية التي كانت تطرح بقوة كخيارات محتملة لرئاسة بلدية طهران، من بين هذه الأسماء محسن منصوري، ومهرداد بذرباش، أمير حسين قاضي زاده هاشمي، إضافة إلى عليرضا زاكاني، فهؤلاء جميعا وجدوا أنفسهم خارج دائرة المنافسة، ليس بسبب نقص في الخبرة أو السجل التنفيذي، بل نتيجة عدم إدراج تخصصاتهم الدراسية ضمن اللائحة الجديدة.
في المقابل، لاحظت عدد من الصحف والمواقع الإخبارية، وعلى رأسها رجا نيوز التي انتقضت في بوست لها على حسابها في اكس، الإثنين 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تلك القيود، لاحظت أن عددا من الشخصيات القريبة من الحكومة والتيار الإصلاحي يحملون شهادات في تخصصات اعترفت بها اللائحة، فمثلا، يحمل عباس آخوندي شهادة ماجستير في الطرق والإنشاءات، وهو تخصص يندرج ضمن الهندسة المدنية المعترف بها، كما أن فرزانة صادق مالواجرد، وزير النقل والطرق الإيرانية، تحمل شهادة في العمارة، وهي من التخصصات الواردة صراحة في اللائحة. كذلك، فإن محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات السابق في حكومة إبراهيم رئيسي، قد درس إدارة الأعمال بعد توليه وزارة الاتصالات، وهو تخصص أُدرج أيضا ضمن المؤهلات المقبولة، هذا التفاوت في النتائج العملية عزز الانطباع بأن اللائحة، حتى وإن صيغت ضمن إطار قانوني، أفرزت مكاسب سياسية لطرف وخسائر لطرف آخر.

ومن المفارقات اللافتة التي أشارت لها رجا نيوز في هذه السياق أيضا أن اللائحة، بصيغتها الحالية، تجعل حتى رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، غير مؤهل لتولي رئاسة بلدية طهران، وفق المعايير الصارمة للتخصص الدراسي.
انتقادات بالجملة للائحة الجديدة
في خضم هذا الجدل، فقد أعلن المتحدث باسم بلدية طهران عبد المطهر محمد خاني أن رئيس الجمهورية أصدر توجيها صريحا بضرورة تعديل اللائحة واستكمالها، وأكد أن هذا التعديل يجب أن يشمل تخصصات أوسع مثل الهندسة الكهربائية، والهندسة الميكانيكية، والطب، معتبرا أن الاكتفاء بعدد محدود من التخصصات لا ينسجم مع طبيعة مهام الإدارة الحضرية المعاصرة.

وفي تصريحاته، انتقد محمد خاني بشدة ما وصفه بثقافة الشهادات أولا في اختيار رؤساء البلديات، معتبرا أنها نهج عتيق لا يتماشى مع التجارب الدولية، وأشار إلى أن العديد من المدن الكبرى في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة تدار من قبل رؤساء بلديات لا ينتمون بالضرورة إلى تخصصات التخطيط العمراني أو الهندسة، بل يعتمد نجاحهم على الكفاءة القيادية والخبرة التنفيذية والقدرة على بناء فرق عمل متكاملة.

الانتقادات لم تقتصر على السلطة التنفيذية، بل امتدت إلى البرلمان، فقد عبر النائب منصور علي مرداني عن رفضه الشديد لحصر اختيار رئيس البلدية في تخصصات دراسية محددة، مؤكدا أن إدارة البلديات ليست عملا فنيا أو عمرانيا بحتا، بل هي منظومة معقدة تضم قطاعات عمرانية، وثقافية، واجتماعية، وخدمية، ما يتطلب قيادة شاملة لا تختزل في شهادة جامعية.

كما أوضح عليمرداني أن المهمة الأساسية لرئيس البلدية تكمن في الإدارة الكلية واتخاذ القرار وبناء فرق العمل، بينما تناط الجوانب الفنية للنواب والمديرين المختصين، محذرا من أن هذا التقييد يقيد عمليا صلاحيات مجالس المدن، ويحولها إلى هيئات محدودة القدرة على اختيار الأنسب لمدنها.
في السياق نفسه، عبر عضو مجلس مدينة طهران أحمد صادقي عن مخاوف مماثلة، مشيرا إلى أن حذف المادة الرابعة من اللائحة السابقة أدى إلى إخراج عدد كبير من المديرين ذوي الخبرة الطويلة من دائرة الأهلية، وأكد أن هذا التغيير، وإن روج له تحت شعار التخصصية، إلا أنه في الواقع يقصي شخصيات سياسية وإدارية معروفة بطريقة غير مباشرة.

وأشار صادقي إلى أن تجربة الإدارة الحضرية أثبتت أن المدن الكبرى تحتاج إلى مزيج من الخبرة التنفيذية والفهم الاجتماعي، لا إلى شهادات جامعية في نطاق ضيق. واعتبر أن تحويل اللائحة إلى أداة لتقييد الخيارات يفتح الباب أمام هندسة سياسية لتركيبة الإدارة الحضرية، ويقوّض استقلالية المجالس في أداء دورها الرقابي والتنفيذي.
ومن داخل مجلس مدينة طهران أيضا، أشار رئيس المجلس مهدي جمران إلى أن اللائحة لم تبلغ رسميا في مراحلها الأولى، ما زاد من حالة الغموض والارتباك حول آليات تطبيقها، هذا الغموض أسهم في تصاعد الانتقادات، وأضعف الثقة بسلامة المسار التشريعي والتنفيذي المتبع.

وفي ضوء هذه التطورات، حذر منتقدو اللائحة من تداعيات بعيدة المدى، تتمثل في تضييق دائرة الاختيار، وإقصاء التنوع، وإهدار الخبرات المتراكمة، وتحويل نص إداري إلى أداة صراع سياسي، مؤكدين أن مثل هذه السياسات قد تضعف ثقة الرأي العام بالإدارة المحلية، وتغذي الانطباع بأن القرارات المصيرية تتخذ وفق حسابات سياسية لا وفق مصلحة المدن وسكانها.
في المقابل، شدد المدافعون عن ضرورة مراجعة اللائحة على أن الإصلاح لا يعني إلغاء مبدأ التخصص، بل توسيعه وإعادة تعريفه، فالتخصص، وفق هذا الفهم، لا يقتصر على المجال الأكاديمي، بل يشمل الخبرة العملية، والكفاءة الإدارية، والقدرة على إدارة الأزمات، والتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي تواجه المدن الحديثة.
يظهر أن ملف تقييد التخصصات الدراسية لمرشحي رئاسة البلديات تجاوز كونه نقاشا قانونيا تقنيا، ليصبح مرآة تعكس طبيعة الصراع حول مفهوم الإدارة الحضرية في إيران، وبين اعتراضات البرلمان، وتوجيهات رئيس الجمهورية، ومواقف المجالس البلدية، يبقى مستقبل هذه اللائحة مرهونا بقدرة صانعي القرار على صياغة إطار أكثر توازنا، يضمن التخصص دون إقصاء، ويعزز الكفاءة دون تسييس، ويحفظ استقلالية الإدارة المحلية في مواجهة الضغوط السياسية المتزايدة.

