- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 597 Views
كتب: الترجمان:
لم يكن عام 2025 عاما عاديا في تاريخ إيران؛ بل كان عاما اتسم بـ “المواجهة الحاسمة” على أكثر من صعيد. فمن جهة، واجهت طهران تصعيداً عسكرياً مباشراً غير مسبوق مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، اصطدمت إدارة الرئيس “مسعود بزشكيان” بواقع اقتصادي مرير أدى إلى اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في الأسابيع الأخيرة من العام.
الملف النووي والضغوط الدولية
بدأ عام 2025 بعودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض، مما أعاد سياسة “الضغط الأقصى” إلى الواجهة في إيران.
رأى المحللون الإيرانيون أن عودة دونالد ترامب في عام 2025 تمثل إحياء لاستراتيجية “الضغط الأقصى” بنسخة أكثر تنظيما وصرامة، مدعومة بفريق من “الصقور” يتقدمهم ماركو روبيو ومايك والتز.
وتهدف هذه الإدارة إلى خنق الموارد المالية لطهران عبر استهداف ما تبقى من صادرات النفط وعزلها عن النظام المالي العالمي، بالتوازي مع تعزيز الترسانات العسكرية للحلفاء الإقليميين وتوسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” لإيجاد تكتل أمني لمواجهة النفوذ الإيراني، وهو ما يضع النظام في طهران أمام ضغوط اقتصادية وسياسية غير مسبوقة تهدف لإجباره على تقديم تنازلات جوهرية في ملفاته النووية والإقليمية.
المفاوضات تحت الضغط: رغم محاولات فريق الخارجية الإيراني بقيادة “عباس عراقجي” لفتح قنوات تفاوضية، إلا أن المهلة التي حددتها واشنطن (شهرين) للتوصل لاتفاق جديد وضعت طهران في زاوية حرجة.
آلية “سناب باك” (Snapback): واجهت إيران في أكتوبر 2025 تحديا قانونيا دولياً مع تهديد القوى الأوروبية (E3) بتفعيل آلية إعادة العقوبات الأممية نتيجة استمرار رفع مستويات تخصيب اليورانيوم، مما زاد من عزلة طهران المالية والسياسية.

“دبلوماسية الأبواب الخلفية” – جولة مفاوضات عمان
شهد شهر أبريل 2025 اختراقا دبلوماسيا حذرا مع انطلاق مفاوضات غير مباشرة في سلطنة عمان بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
جاءت هذه الجولة بمثابة “اختبار للنيات” في ظل رغبة طهران في تخفيف العقوبات الاقتصادية الخانقة ووقف التصعيد العسكري، وبينما أصرت إيران على الطابع غير المباشر للمحادثات تجنبا للحساسيات السياسية الداخلية، حاول الجانب الأمريكي الدفع نحو مفاوضات مباشرة تهدف لفرض قيود أكثر صرامة على البرنامج النووي، فيما وُصف من قبل المراقبين بـ “الفرصة الأخيرة” لمنع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة.
أحدث هذا الحراك انقساما حادا في الداخل الإيراني؛ حيث اعتبره التيار المعتدل والمؤيد للحكومة “ضرورة استراتيجية” لكسر العزلة الدولية واستعادة التوازن الاقتصادي، في حين واجه هجوماً لاذعاً من التيار الأصولي المتشدد الذي وصف الجلوس مع إدارة ترامب بـ “التراجع المذل” وخيانة لدماء القادة السابقين.
وبرزت السيناريوهات بين “نجاح نسبي” يؤدي إلى تفاهمات (تجميد مقابل تجميد) لتهدئة الجبهات، أو “طريق مسدود” في حال تمسكت واشنطن بتفكيك كامل للبنية النووية، مما قد يدفع طهران في المقابل نحو تغيير جذري في عقيدتها النووية كرد فعل دفاعي.

السياسة الخارجية و”حرب الـ 12 يوما”
شكل الصراع العسكري المباشر مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025 العلامة الفارقة لهذا العام. فبعد سنوات من “حرب الظل”، انتقل الصراع إلى المواجهة العلنية الشاملة، ففي منتصف يونيو/حزيران 2025، نفذت إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية الدقيقة استهدفت منشآت نووية في “نطنز” و”أصفهان” و”بوشهر”، بالإضافة إلى مراكز حيوية للحرس الثوري.
ردت إيران بعملية “الوعد الصادق 3” بإطلاق مئات الصواريخ الباليسيتة والطائرات المسيرة نحو أهداف إسرائيلية، وهو ما أدخل المنطقة في حالة استنفار قصوى دامت 12 يوما حتى تم التوصل لوقف إطلاق نار في 24 يونيو/حزيران 2925 بوساطات دولية وإقليمية.
كما شهدت هذه المواجهات اغتيالات في الداخل الإيراني أبرزها اغتيال كبار قادة تطوير الصواريخ والإمداد في الحرس الثوري، مما تسبب في خسائر أمنية موجعة لطهران
تشكيل المجلس الأعلى للدفاع الوطني
أعلنت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن إعادة تشكيل مجلس الدفاع الوطني كجهاز فرعي متخصص، وذلك في أعقاب “حرب الـ 12 يوما” والاعتداءات الأخيرة التي تعرضت لها البلاد.
يهدف هذا المجلس إلى توحيد “قيادة” أي مواجهة عسكرية محتملة بدلا من الاكتفاء بالتنسيق التقليدي، ويتولى رئيس الجمهورية رئاسته بعضوية رؤساء السلطات وقادة القوات المسلحة والوزراء المعنيين.
ويعد تشكيل هذا المجلس استعادة لنموذج كان قائماً إبان الحرب الإيرانية العراقية، لكن بصيغة قانونية جديدة تضمن انسجام القرارات العسكرية تحت إشراف القيادة العليا، لتجنب التضارب في الصلاحيات خلال الأزمات الكبرى.
تتمحور مهام “مجلس الدفاع الوطني” حول صياغة الخطط الدفاعية المتمركزة، والارتقاء بالقدرات القتالية للقوات المسلحة، وإدارة الجوانب السياسية والإعلامية المرتبطة بالدفاع عن البلاد.
ويهدف هذا الإجراء التنظيمي إلى فصل الملفات؛ بحيث يتفرغ المجلس الأعلى للأمن القومي للقضايا الاستراتيجية والسياسية الكبرى، بينما يتولى مجلس الدفاع إدارة العمليات العسكرية الميدانية وقيادة القوات المسلحة في حالات الطوارئ. ولا تصبح قرارات هذا المجلس نافذة إلا بعد تأیيد المرشد الأعلى، مما يمنحها صبغة سيادية تضمن سرعة التنفيذ والعمل الفوري لمواجهة أي تهديدات مستقبلية لكيان الدولة.

انتهاء مهلة العقوبات الأممية
انتهى رسميا العمر الزمني للاتفاق النووي (برجام) وقرار مجلس الأمن رقم (2231) بعد مرور 10 سنوات، في أكتوبر/تشرين الأول 2025 مما فجّر خلافا دوليا حادا حول الوضع القانوني الجديد للبرنامج النووي الإيراني. ف
بينما تؤكد إيران وروسيا والصين أن الملف النووي أصبح “برنامجا عاديا” خارجا عن ولاية مجلس الأمن، قامت القوى الأوروبية بدعم أمريكي بتفعيل “آلية الزناد” (Snapback)، التي تقضي بإعادة إحياء ستة قرارات أممية سابقة وفرض العقوبات الدولية مجددا، معتبرة أن الاتفاق النووي لم يعد قائماً بصيغته السابقة نتيجة الانتهاكات الإيرانية لمستويات التخصيب.
على الصعيد الدبلوماسي، شهد مجلس الأمنتصويتين حاسمين شكلا ضربة لطهران؛ حيث صوتت الأغلبية (9 أعضاء برئاسة كوريا الجنوبية) ضد تمديد تعليق العقوبات الأممية، مما شرعن قانونيا عودة “العقوبات الشاملة”.
ورغم الدعم الذي تلقته طهران من بكين وموسكو والجزائر، إلا أن هذا المسار وضع إيران أمام عزلة دولية قانونية معقدة، إذ ترفض القوى الغربية الاعتراف بانتهاء الملف وتصر على ملاحقته تحت الفصل السابع، مما يرفع من مخاطر التصادم الدبلوماسي والاقتصادي في العام المقبل.
المشهد الداخلي واحتجاجات ديسمبر
شهد الداخل الإيراني في ديسمبر/كانون الأول 2025 غليانا شعبيا نتيجة تدهور القوة الشرائية، وانهيار العملة والتضخم إذ سجل الريال الإيراني مستويات هبوط قياسية، مما أدى لارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والمحروقات.
اندلعت مظاهرات شملت أكثر من 9 محافظات، منها طهران وأصفهان وهمدان. تميزت هذه الاحتجاجات بمشاركة واسعة من طلاب الجامعات وتجار البازار، وتحولت الشعارات من مطالب اقتصادية إلى انتقادات سياسية حادة للنظام.
وظهرت تصدعات واضحة في “جبهة السلطة”؛ حيث هدد رئيس البرلمان “محمد باقر قاليباف” بمساءلة حكومة بزشكيان، بينما دعا الرئيس الأسبق “محمد خاتمي” إلى ضرورة إجراء “إصلاحات هيكلية” لتفادي انهيار شامل.

جدول زمني لأهم أحداث إيران 2025
| التاريخ | الحدث الأبرز | التداعيات |
|---|---|---|
| يناير/كانون الثاني 2025 | عودة ترامب لرئاسة الولايات المتحدة | تفعيل فوري لسياسة “الضغط الأقصى” |
| أبريل/نيسان 2025 | انطلاق مفاوضات نووية عسيرة | محاولة إيرانية لتجنب العقوبات الأممية |
| يونيو:حزيران 2025 | حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل | ضربات مباشرة للمنشآت واغتيالات قيادية. |
| أغسطس/آب 2025 | تشكيل المجلس الأعلى للدفاع الوطني | مأسسة إدارة الأزمات العسكرية لمواجهة التهديدات. |
| أكتوبر/تشرين الأول 2025 | انتهاء مهلة العقوبات الأممية | تصعيد دبلوماسي حاد مع أوروبا والوكالة الدولية. |
| ديسمبر/كانون الأول 2025 | اندلاع احتجاجات شعبية واسعة | أزمة ثقة عميقة بين الشارع والحكومة بسبب الغلاء. |
ينتهي عام 2025 وإيران تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول باتفاق نووي جديد بشروط قاسية يضمن لها رفع العقوبات وإنعاش الاقتصاد، أو الاستمرار في نهج “المقاومة الاقتصادية” ومواجهة اضطرابات داخلية قد تهدد استقرار النظام السياسي.
أظهر عام 2025 أن “الاستراحة التكتيكية” التي وفرها انتخاب بزشكيان لم تكن كافية لامتصاص الصدمات الخارجية، مما يجعل عام 2026 عاما حاسما في تقرير مصير التحولات الهيكلية داخل الدولة الإيرانية.

