شريعتمداري لمتحدثة الحكومة الإيرانية : لا تخلطي بين “أدوات إسرائيل” ونداء الخبز الصادق

Image

نشرت صحيفة كيهان، لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، الأربعاء 31 ديسمبر/كانون الأول 2025 مقال رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، تعقيبا على تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، حول التظاهرات في إيران. 

استهل شريعتمداري مقاله بالإشارة إلى قول جون ساورز، المدير الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6 وعضو الفريق البريطاني الرفيع في مفاوضات الملف النووي (5+1)، إذ قال إننا نواجه مشكلة كبيرة في تنظيم جماعات المعارضة في إيران، ويوضح أن الشعب الإيراني يرى الجمهورية الإسلامية منبثقة من الأسس الإسلامية ومعتقداته الدينية، ولذلك يعتبر جماعات المعارضة أعداءً للإسلام. ثم يستشهد جون ساورز بإخفاق هذه الجماعات طوال عقود ما بعد الثورة بوصفه دليلاً وشاهداً يؤكد رأيه.

وأضاف أنه يمكن الوقوف بوضوح على صحة وواقعية وجهة نظر جون ساورز من خلال النظر إلى مصير الجماعات المضادة للثورة. وبعبارة أخرى، لم يأتِ جون ساورز بمعجزة، بل نقل حقيقة محسوسة وملموسة أشار إليها أيضا سائر أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، صغارهم وكبارهم. 

وأوضح أن فصمود الشعب ووحدته في المنعطفات المفصلية شاهدٌ دامغ في هذا السياق؛ ويمكن الإشارة إلى ملحمة 9 دي – عندما خرجت مسيرات ضخمة مؤيدة للنظام الإيراني لإنهاء الاحتجاجات الواسعة التي عرفت بـ “الحركة الخضراء”، والتي اندلعت عقب انتخابات الرئاسة 2009. بالنسبة للسلطة في إيران، يمثل هذا اليوم “تجديد البيعة” ونهاية لما وصفوه بـ “الفتنة”-  وإلى التلاحم الشعبي النموذجي خلال حرب الأيام الاثني عشر بوصفهما مثالين فقط من أمثلة كثيرة.

وذكر أن يومي الاثنين والثلاثاء 29 و30 ديسمبر/كانون الأول 2025، أقدمت جماعة قليلة ومحدودة العدد، بذريعة المشكلات الاقتصادية، على إثارة الشغب في نقطتين من طهران، وأصرّت على استمالة بعض النقابات وأصحاب المتاجر للانضمام إليها. غير أن أصحاب المهن، حين سمعوا الشعارات المُملى بها من الكيان الصهيوني مثل: «لا غزة ولا لبنان!» و«اتركوا الصواريخ وفكّروا في الخبز والهواء!» وغيرها، أدركوا سريعا هوية هؤلاء كأدوات لإسرائيل، ففصلوا صفوفهم عنهم.
وتابع شريعتمداري بأنه وفي الوقت نفسه، لجأ الاحتلال الإسرائيلي، عبر وسائله الإعلامية الناطقة بالفارسية، من جهة إلى تضخيم حجم هذه الجماعة، ومن جهة أخرى أعلنت مسؤولياته ومراكزه الحكومية (تماما كما في فتنة 2009 الأمريكية-الإسرائيلية) دعمها للمشاغبين. 

وأشار إلى أنه قد غرّدت القناة الفارسية للموساد قائلة: «انزلوا معا إلى الشوارع. لقد حان الوقت. نحن معكم، لا عن بُعد فحسب بل معكم ميدانيا»! كما دعا W. Gadban، مستشار ممثل إسرائيل في مكتب الأمم المتحدة، عبر تغريدة له عناصره إلى النزول إلى الشارع. وقال نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق للاحتلال الإسرائيبي، في مقابلة مع «وول ستريت جورنال» مخاطبا الأدوات: أنتم تحظون بدعمنا الكامل(!). 

ولفت إلى أنه كما بادر عدد من وزراء نتنياهو—وكأنهم كُلِّفوا بذلك—إلى دعم أعمال الشغب، مع الإصرار خصوصا على إظهار أعدادهم على أنها كبيرة.
أما أوضح الأمثلة فيتعلق بشبكة التلفزة المسماة (إيران إنترناشيونال (التي كُشف خلال حرب غزة أن مقرها في تل أبيب، إذ قالت حرفيا: «انزلوا إلى الشوارع لكي تتمكن إسرائيل بسهولة من شن هجوم عسكري على إيران!».

وذكر أن القناة 15 لتلفزيون الاحتلال الإسرائيلي قالت: «يجب على إسرائيل تنظيم الاحتجاجات في إيران ودفعها إلى الأمام، ويجب دعم الشغب ومساندته”.

وانتقل شريعتمداري إلى الحديث عن تصريحات مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، في المؤتمر الصحفي إذ قالت: “إن الحكومة تعترف بالاحتجاجات وتؤكد حق التجمع السلمي الذي كفله دستورنا. فعندما يرتفع صوت الناس فهذا يعني أن الضغوط كانت شديدة، ومهمة الحكومة أن تستمع إلى الأصوات. ومن البديهي أن تضخماً يتجاوز 50% يرفع صوت الناس”.
وأضاف أنه كان الأولى بها الالتفات إلى نقطتين:

أولا: عندما تشير جميع الوثائق والأدلة إلى ارتباط تلك الجماعة القليلة من المشاغبين بالاحتلال الإسرائيلي، وحين لا تظهر المشكلات الاقتصادية حتى في شعاراتهم، عن أي «احتجاجات» تتحدث السيدة المتحدثة؟! لقد تراجع أصحاب المهن بعدما تبيّنت لهم الهوية الحقيقية لأدوات إسرائيل. فأي جزء من هذه—بحسب تعبيركم—يستحق الإصغاء؟! لقد دافعوا علناً وبكل وقاحة عن قتلة أكثر من ألف ومئة من أبناء وطننا ووطنكم.

ثانيا: كان الأجدر بالحكومة والمسؤولين والمديرين الاقتصاديين أن يستمعوا إلى صوت الاعتراض والنقد الصادر عن المخلصين للنظام والشعب بشأن إهمال القائمين على شؤون الدولة لمعاش الناس. وبينما لا يكفون عن الحديث عن التوافق، كان ينبغي—على الأقل—الإصغاء إلى النصائح المخلصة لأهل الاختصاص، وإلى قلق الناس من قسوة المعيشة. ذلك هو الصوت الجدير بالاستماع، لكنه—للأسف—لم يُسمَع، أو على أقل تقدير لم يُولَ الاهتمام الذي كان ينبغي له.

Image

يضع مقال شريعتمداري الحكومة الإيرانية أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية، مشددا على أن “السمع السياسي” يجب أن يكون انتقائيا بامتياز؛ فالحكمة تقتضي إغلاق الآذان أمام الشعارات التي تُملى من عواصم الخصوم، وفتحها على مصراعيها لأصوات النخب المخلصة وقلق العامة من قسوة المعيشة. 

إن الرسالة النهائية التي يبعث بها لسان حال المرشد الإيراني هي أن الحفاظ على النظام في عام 2026 لا يمر عبر إعطاء الشرعية لـ “أدوات الشغب”، بل عبر تلبية “نداء الخبز” الصادر عن المخلصين الذين فصلوا صفوفهم عن المتربصين بالبلاد.