موسكو على خط واشنطن وطهران: هل ينجح بوتين في فك عقدة النووي؟

Image

كتب: الترجمان

في لحظة دولية تتشابك فيها الأزمات وتتصاعد فيها رهانات القوة والنفوذ، تعود روسيا لتطرق باب أحد أعقد الملفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط: الملف النووي الإيراني. فبين انسداد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وتنامي المخاوف من انفجار إقليمي واسع، برزت موسكو كلاعب يسعى إلى إعادة التموضع، مقدِّمة نفسها وسيطا محتملا قادرا على كسر الجمود، مستندة إلى علاقاتها المركبة مع الطرفين وإلى قراءة جديدة لموازين القوة الدولية.

بوتين يعرض الوساطة… وتوقيت محسوب

إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للقيام بـ«دور بنّاء» في المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة لم يأتِ من فراغ. فقد جاء عقب اتصال هاتفي مطوّل جمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مؤشر على انفتاح روسي مدروس لإعادة روسيا إلى قلب الملفات الكبرى، ليس فقط كطرف معني، بل كـ«مُيسّر» للحلول.

وبحسب تصريحات بوتين، فإن موسكو قادرة على لعب دور «الوسيط المحايد»، سواء عبر استضافة جولات تفاوضية أو تقديم ضمانات سياسية وأمنية، في ظل ما وصفه بـ«الانسداد الخطير» الذي يواجه المفاوضات النووية، واستمرار الضغوط والعقوبات الأمريكية على طهران.

تقاطع المصالح الروسية – الأمريكية

اللافت في المقاربة الروسية الجديدة هو تقاطعها، ولو جزئيا، مع رؤية إدارة ترامب التي أعادت، عقب فوزه في الانتخابات، إحياء شعار «السلام من خلال القوة». ففي أكثر من مناسبة، أبدى بوتين إعجابا بأسلوب ترامب، واصفا إياه بالقائد القادر على اتخاذ «قرارات جسورة» لفك العقد الدبلوماسية.

ووفق قراءات إعلامية غربية، فإن هذا الخطاب يعكس قناعة روسية بأن ترامب شريك يمكن التفاهم معه بعيدا عن التعقيدات المؤسسية التي طبعت الإدارات الأمريكية السابقة، وهو ما يفتح نافذة لإعادة هندسة التفاهمات حول ملفات شائكة، على رأسها النووي الإيراني.

Image

إيران بين موسكو وواشنطن

في المقابل، تبدو طهران منفتحة على الدور الروسي، وإن بحذر. فقد أكدت مصادر إيرانية رسمية أن مشاورات جرت بالفعل مع موسكو بشأن مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة، في وقت نُشرت فيه تقارير خلال مارس/آذار 2025 تحدثت عن وساطة روسية غير معلنة بين الطرفين.

ورغم الشراكة الاستراتيجية التي تجمع إيران وروسيا، فإن هذه العلاقة لم تخلُ من البراغماتية؛ فموسكو تنظر إلى الملف النووي الإيراني بوصفه ورقة تفاوضية كبرى في علاقاتها مع الغرب، بقدر ما هو مجال لتعاون اقتصادي وتقني، خصوصا في ما يتعلق بمشروعات الطاقة النووية المدنية.

موسكو ترفض “آلية الزناد”

في سياق متصل، صعّدت روسيا من لهجتها تجاه الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، رافضة أي محاولة لإعادة تفعيل «آلية الزناد» (Snapback) لإعادة فرض العقوبات على إيران.

وقال المندوب الروسي الجديد لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، دميتري بوليانسكي، الأربعاء 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، إن الدول الأوروبية الثلاث «لا تملك الحق القانوني» لاستخدام هذه الآلية، مشيرا إلى أن القرار الأممي رقم 2231 –الإطار القانوني للاتفاق النووي لعام 2015– انتهى مفعوله في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وشدد بوليانسكي على أن موسكو ستتصدى لأي محاولة لإحياء منظومة العقوبات السابقة داخل مجلس الأمن، واصفاً الحديث عن «الرد السريع» بأنه «واقع موازٍ تحاول الترويكا الأوروبية فرضه خارج القانون الدولي.

Image

لماذا تتحرك روسيا الآن؟

يرى مراقبون أن التحرك الروسي تحكمه عدة اعتبارات متداخلة منها الاستنزاف الناتج عن حرب أوكرانيا، وما فرضته من ضغوط اقتصادية وسياسية على موسكو، ما يدفعها للبحث عن اختراقات دبلوماسية قد تفتح باب تخفيف العقوبات.

إضافة إلى إدارة العلاقة مع إيران، بما يضمن استمرار الشراكة دون الارتهان الكامل لطهران، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن. واستثمار شخصية ترامب، التي تتيح لبوتين تقديم نفسه كصانع صفقات قادر على تقديم حلول غير تقليدية للأزمات المستعصية.

وقد سبق لبوتين، في يونيو/حزيران 2025، أن طرح وساطة بين إسرائيل وإيران، مؤكدا قدرة روسيا على المساهمة في ضمان أمن إسرائيل مقابل الإبقاء على الأنشطة النووية الإيرانية في إطارها المدني.

جدير بالذكر أنه لا يمكن قراءة الحراك الروسي في الملف النووي الإيراني بوصفه مبادرة دبلوماسية معزولة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع موسكو في النظام الدولي المتغير. فروسيا، التي لطالما استفادت من الأزمات، تبدو اليوم معنية بإدارتها وربما تفكيكها، لا حبا في الاستقرار بقدر ما هو بحث عن مكاسب سياسية واقتصادية في لحظة ضيق استراتيجي.

غير أن نجاح بوتين في فك عقدة النووي الإيراني يظل رهنا بعوامل تتجاوز إرادة موسكو وحدها: مدى استعداد واشنطن لتقديم تنازلات محسوبة، وقدرة طهران على الموازنة بين الثوابت والضغوط، فضلا عن موقف القوى الإقليمية التي ترى في أي تسوية نووية إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

وبين هذه الحسابات المعقدة، قد تنجح روسيا في فتح نافذة للحوار، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على فرض تسوية شاملة، ما لم تتلاقَ مصالح اللاعبين الكبار عند نقطة وسط، طال انتظارها.

كلمات مفتاحية: