الكلمة التي “ضربت” الحقيقة في مقتل

Image

كتب: الترجمان

في عالم الترجمة الصحفية، لا تكفي معرفة المعنى القاموسي للكلمة، ولا حتى الإلمام العام بلغة المصدر، كي يخرج النص دقيقا في دلالته؛ فهناك دائما ذلك المستوى الخفي من الفهم، الذي لا يظهر في القواميس، ولا يُدرَّس في كليات اللغات، لكنه يصنع الفارق الحقيقي بين ترجمة تنقل الخبر، وترجمة تعيد تشكيله دون أن تشعر.
إنه مستوى السياق الوظيفي للكلمة، أي: كيف تُستخدم الكلمة داخل خطاب بعينه، ومن أي جهة، وفي أي لحظة سياسية أو أمنية.

وهذا ما يفسّر كيف يمكن لجملة أن تكون صحيحة لغويا، منضبطة نحويا، لكنها مضللة دلاليا، بل وخطيرة في أثرها.

ومن بين الكلمات التي تتكرر فيها هذه المفارقة، تأتي كلمة «برخورد» في صدارة النوادر التي تستحق التوقف عندها؛ لا لأنها خطأ طريف فحسب، بل لأنها تكشف كيف يمكن لاختيار كلمة واحدة أن يغيّر صورة حدث كامل.

في إحدى نوبات المراجعة داخل غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، وصلني خبر مترجَم عن احتجاج محدود في مدينة إيرانية. كان النص المترجَم يقول:

“”قوات الشرطة تعاملت مع المتجمعين”

قرأت الجملة، ولم أجد فيها خطأ لغويا واحدا، لكنها بدت — على نحو مريب — ناعمة أكثر مما ينبغي.
تعاملت؟ تعاملت كيف؟ وبأي أدوات؟ وبأي سياق؟

عدت إلى النص الأصلي بالفارسية، فوجدت العبارة التالية:

“نیروی انتظامی با تجمع‌کنندگان برخورد کرد”

وهنا انكشف أصل الخلل.

فكلمة «برخورد» في الخطاب الإيراني، لا تُستخدم بوصفها مرادفا محايدا لـ«التعامل»، بل تشير — في الغالب — إلى مواجهة أمنية، أو تدخل قسري، أو إجراء حازم لفرض السيطرة على الوضع.
هي كلمة تقع في منطقة رمادية بين «قمع» و«إجراء قانوني»، لكنها بعيدة كل البعد عن الحياد الذي توحي به كلمة “تعامل”.

فالفرق بين “تعاملت الشرطة مع المتجمعين” و«واجهت الشرطة المتجمعين» أو «تصدّت الشرطة لهم” ليس فرقا لغويا بسيطا، بل فرق في توصيف الحدث نفسه، وفي الطريقة التي سيتلقاه بها القارئ.

الأولى توحي بإدارة هادئة للموقف، وربما حوار أو احتواء. أما الثانية، فتنقل صورة واقع أمني متوتر، تدخلت فيه القوة بوصفها طرفا فاعلا.

سألت الزميل الذي أعدّ الترجمة عن اختياره لهذه الصياغة، فقال بثقة: “برخورد معناها تعامل… والكلمة مستخدمة كثيرا”.

قلت له: “مستخدمة، نعم… لكن السؤال: مستخدمة أين، وكيف، ولماذا؟
فالشرطة لا “تتعامل” لغويا حين تفرّق تجمعا، بل تواجهه، حتى لو حاول الخطاب الرسمي تلطيف الوصف”.

هذه النادرة تكشف واحدة من أخطر مناطق الترجمة الصحفية: تبنّي اللغة الرسمية دون تفكيكها.
فالدولة تختار كلماتها بعناية، أحيانًا للتخفيف، وأحيانا للتمويه، وليس من مهمة المترجم أن يضاعف هذا التخفيف، بل أن ينقل المعنى كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.

كل نادرة من نوادر المترجمين تذكّرنا بأن الكلمات ليست بريئة، وأن أخطر الأخطاء ليست تلك التي تفضحها القواميس، لكنها تلك التي تمرّ هادئة، سلسة، ومقنعة… بينما تغيّر المعنى من الداخل.

وإلى اللقاء في نادرة أخرى من نوادر المترجمين، حيث الكلمة الواحدة قد تُخفي خلفها مواجهة كاملة.